“الرمزية النبوية” بين الانفتاح الوجودي والإكراهات التنظيمية

  
إن لم ترني من وراء الضدّين رؤية واحدة لم تعرفنيالنفّري- موقف الرفق، المواقف والمخاطبات         

       لكلّ ديانة زمنها التأسيسيّ ومدوّناتها المرجعية ورموزها العليا. وهذه الرموز قد تكون ذات بعد ملّيّ عامّ يخترق التسييجات الفرقية والمذهبية المختلفة. ولكنّها أيضا قد ترتبط  بحركة التاريخ "الفِرَقي"  لتحتلّ مواقع جزئية- موضعية غير قابلة للتعميم إلاّ في مستوى دعوي أو في مستوى اسكاتولوجي متخيّل(1). ولعلّ من أهمّ خصائص التجربة الدينية بعد دخولها طور المأسسة هو استحالة تجاوز الوساطة النصية أو ما يمكن تسميته بالمصطلح التحليلي- النفسيّ "مثال الأنا"، وبالمصطلح الشّرعيّ "الأسوة" رغم وعينا بالاختلاف الجوهريّ بين السجلّين الديني والنفسي. ونحن نذهب إلى أنّ صراع التأويلات -على حدّ تعبير بول ديكور- ليس إلاّ المظهر النّصي لصراع أعمق وأكثر التصاقا بالمعيش الفردي والجماعي مداره تكريس فهم معيّن للأسوة . وهو فهم يحاول تشكيل المجال الجماعيّ في أبعاده السلوكية والقيمية  والمخيالية، لأنّه يرتبط بالتجسيدات الحيّة للمعانى النهائية التي ارتضتها الجماعة لوجودها في التاريخ وهو ما "يعطي للحياة أهدافا عامّة  ويحثّ على تركيز الجهد في تحصيل تلك الأهداف"(2)                                                                                                                                                           قد يبدو الصراع بين" بيان" أهل السنّة من جهة و"عرفان" الشيعة والمتصوّفة، أو المنزع العقلي الاعتزاليّ من جهة أخرى، صراعا ابستيمولوجيا يرتبط بطبيعة "الآلة" الفكرية الأقدر على فهم النصّ المرجعي وإدماجه في المسعى الدؤوب لعيش تجربة المطلق والمقدّس في التاريخ. وهذه  الملاحظة على بداهتها الظاهرة تمهّد لسؤال أعمق هو : كيف تنتج تجربة تاريخية مفردة كلّ هذه الأطياف المتنازعة في ادّعاء الانتماء الحصريّ و"الصراطيّ" لتراث المؤسّس الأوّل أي للشخص النبويّ؟ ولمّا كان اهتمامنا في هذه المقالة منحصرا في المجال السنّيّ فإنّ تبيئة السؤال  يمكن أن تتّخذ الصّور الإشكالية التالية : ما هي بنية المقالات السّنية الموضوعة في إعادة بناء التجربة النبوية وتحيينها في التاريخ؟  وما هي الوظائف التي نهضت بها الرموز الفِرقية العليا وخاصّة النبي الخاتم في صورته التي تمّ تداولها وتكريسها داخل الفرقة ومعارفها الممأسسة. وإلى أيّ حدّ كانت تلك الصورة خاضعة لإكراهات التاريخ؟ وهل هي مطابقة للصورة التي يمكن استقراؤها من آي القرآن؟ وكيف يمكن استئناف القول في الرمزيات الفرقية؟  وهل يمكن بناء رمزية حداثية عامّة لا تهمل الموروث الديني ولكنّها لا تنحكم  بالمقالات التراثية التي هي عاجزة بنيويا عن تمثّل الانقلاب الجوهري الذي أدخلته الحداثة في أنماط السلوك والاعتقاد وكذلك في الصيغ المنظّمة للمجالين الخاص والعامّ؟
                                            
    
      يبدو الخطاب السّلفي في مستوى منطوقه وفتاواه من أكثر الخطابات المذهبية ابتعادا عن اتّخاذ الوسائط، بل إنّ رفضه المبدئيّ لكلّ "وسيلة" بين الله ومجموع المكلّفين، قد جعله العدوّ الدائم والنقيض الموضوعيّ لكلّ تلك المحاولات العرفانية-الشيعية والصوفية-من أجل إقرار أيّ أسوة حيّة سواء طلبت الشرعية من كاريزما النسب النّبويّ أو من معرفة لدنيّة متوارثة داخل الطرق الصوفية الكبرى. وليس هذا الرفض إلاّ لأنّ المقالات السلفية قد اختزلت الأسوة أساسا في الشّخص النبويّ الذي يستطيع كلّ مسلم أن يتّخذه قدوة من خلال الاحتكام إلى ميراثه الأوحد المعترف به من قبل الوعي السنّي : الآثار النصية وخاصّة الحديث النبويّ المجمع على صحّته بمقاييس التعديل والتجريح الفرقية. تلك الآثار التي استلهمها السلف الصالح خاصة في القرون الثلاثة الأولى كما يحدّدها أحد الأحاديث النّبوية المشهورة الذي يحتجّ به من المنظور السنّي لإقامة تراتبية مرجعية ملزمة للأجيال التي خلفت تلك القرون الثلاثة.                                 
 
       إنّ الأسوة بالمنظور السّلفي لا تطلب أو لا تدرك إلاّ عند "صاحب الديانة"، ولا تتجسّد من بعده إلاّ في سلوك"تقويّ"ينحكم إلى ضوابط شرعية معلومة من غير تقيّد بولاء لنسب مخصوص أو انتماء إلى تنظيم طرقيّ ما. بل إنّ هذين المظهرين للانتماء الجمعي، هما عند السلفية مردودان شرعا إن لم يكونا محمولين على مظهر من مظاهر الشرك. فالتأسيّ لا يطلب إلاّ في متون مرجعية لا يستطيع المسلم "العامّي" أن يتعامل معها من غير توسّط العلماء الذين يبيّنون له ما قد يغيب عنه من تخصيص أو نسخ أو غير ذلك من الحالات التي تحتاج  معرفة"تقنية" توفّرها المؤسّسات العلمية. وعلى المسلم أن يطمئنّ إلى التأويل الذي يستنبطه العلماء وترتضيه السلطات الفرقيّة العليا. فالنبيّ لا يسكن عالم "التأسّي" إلاّ من خلال المنظورات الفرقية "الجزئية" التي لا تكتسب شرعيتها في مجالها الخاص إلاّ بادّعائها الكلّية والشّمولية.                                                                                                       
    
        يعيش الوعي الفرقي الذي شكّل/وتشكّل داخل مرجعيّة معرفيّة مخصوصة، الجزء الذي ينتمي إليه من الأمّة باعتباره الكلّ في مستوى "الشرعيّة"، أي باعتباره صاحب الشرعية المطلقة وغير القابلة للاقتسام مع سائر "الإخوة"(3). ويغدو عندها  الموقع الفرقي "مجازا" بمعنيين مترابطين : إنّه، من جهة أولى، مجاز أو معبر للإسلام "الأممي" كما أسماه الدكتور طرابيشي-(4). ذلك الإسلام الذي ورث مرحلة التأسيس وادّعى احتكارها ضمن تحوّلاتها أو انقلاباتها في التاريخ. كما أنّ هذا المنظور الفرقي هو من جهة ثانية مجاز باعتبار بنيته التي لا تنجح في ملء وظيفتها "التشريعية- التنظيمية" إلاّ إذا ما غيّبت أو قمعت كلّ إحالة إلى طابعها الجزئي، العرضي، غير المنبثق بالضرورة عن الحدث التأسيسيّ.                                                                                            
    
         لكنّ كلّ هذه الخصائص التي تظهر تهافت المواقع الفرقية، ظلّت في دائرة اللامفكّر فيه أو المكبوت، لأنّ السلطات المعرفية ومن تحالفه من أنظمة سياسية لم تكن قادرة على تنظيم المجال العمومي إلاّ إذا تمّ الاعتراف به باعتباره جسدا جماعيّا أو مجالا عامّا مطابقا للزمن التأسيسي ومنبثقا انبثاقا منطقيا وضروريا منه. ولا يضير هذه الإيديولوجا السّنية أن تتعرّض إلى تشكيك أو معارضة من لدن الإيديولوجيات المنازعة، ذلك أنّها ستعمد إلى آليّة حجاجيّة مركزية مدارها التوظيف النّسقي لتلك الثنائيات القرآنية التي يتمّ إخراجها من سياقاتها التاريخية الأصلية لتصبح الفرقة ورموزها الخاصّة هم "الرسول وأصحابه". أمّا الأعداء فهم بين  كافر أو مرتدّ أو مشرك أو باغ  في الحالات القصوى، أو مبتدعين في أدنى حالاتهم وأقلّها تكلفة من الناحيتين النفسية والاجتماعية.                                                                          
 
         لو استعرنا عبارة الأشعري وأردنا أن نحصي "مقالات الإسلاميين" المتّصلة بقضية الأسوة لقلنا بأنها تتعدّد بتعدّد الفرق والمذاهب . ولكنّنا نستطيع مبدئيا أن نقول بأنّها تخترق كلّ إبداعات الثقافة العالمة حتّى تلك التي هي في ظاهرها ذات تعلّق هشّ بالمرجعية الدّينية مثل الفلسفة أو العلوم الحكمية التي طلبت قدوتها "العقلية" في قدماء اليونان. ولمّا كانت الغاية من هذه المقالة تفكيك المنطق الداخلي لنظام الاقتداء عند أهل السنّة،  ومحاولة البرهنة على عدم انبثاق هذا النظام من النص القرآني، فإننا لن نعمد إلى تحليل سائر المقالات المنتمية إلى المجالات الفرقية الأخرى كالشيعة والخوارج و المعتزلة والفلاسفة وما يتفرّع عنها من مقالات فرعية أو شاذّة. ونحن على يقين من أنّ ذلك  يحتاج دراسة مفردة  تعتمد منهجا مقارنا قد يستطيع إظهار التقاطعات والتمايزات العميقة التي تخترق المقالات التراثية المتنازعة في مسعاها إلى تغليب رمزية جماعية دون غيرها من الرّمزيات التي كانت متاحة على الأقل في مستوى نظري محض.                                                                                                   
  
        لا يرتبط الرأسمال الرمزيّ للعالم السنّيّ بكاريزما النّسب أو بالمعرفة السّرية والنخبوية للمتصوّفة، لكنّه يرتبط بالتمكّن في علوم مراقبة ومسموح بتداولها داخل المجالات الجغرا- سياسية التي عرفت هيمنة للمقالات السّنية في الاعتقاد وفي الفقه وأصوله. وتلك المقالات كانت جميعها- بطريقة غير قصدية بالضرورة- تعمل على ترسيخ رمزية جماعية تحتلّ فيها بعض الشخصيات منزلة المرجعية العليا. وليس ممتنعا على المسلم "الصّراطي"- أي السنّي- مهما كان مضافه الاجتماعي مثل الانتماء الاثني أو اللّغوي من أن يصير هو نفسه أسوة، إن هو اكتسب شروطها المحدّدة من منظور الفرقة اعتقادا وسلوكا. ولعلّ الفارق الرئيس بين المقالة السّنية السلفية وغيرها من المقالات هو أنّ الفقيه أو المحدّث لا يكتسب سلطته المرجعية إلاّ بضرب من "المحو الذاتي"، على حدّ عبارة المتصوّفة، وإن كان المعنى المقصود عندنا يجري على غير الرسم المتعارف بينهم. إنّ العالم السّني لا يؤصّل سلطته باعتباره صوتا مستقلاّ يتمتّع بسلطة ذاتية المرجع. بل إنّ تلك السلطة تزداد طرديّا كلّما نجح ذلك العالم في إدارة الاختلاف بين الموقع الأصلي الذي تصدر منه كلّ شرعية ألا و هو الموقع النبوي ، وبين موقعه الفرقي اللاّحق.
                                                                                                           
      
        إنّ صوت العالم لا يسمع إلاّ إذا ما كان مجرّد صدى للصوت النبوي، ذلك الصوت الذي يجب ألاّ يعلو عليه صوت سواء بالمعنى الحقيقيّ – إذ أمر القرآن المؤمنين الأوائل بعدم رفع أصواتهم فوق صوت النبي–الحجرات/2 – أو بالمعنى المجازي الذي بمقتضاه لا ينبغي على المؤمنين الالتفات إلى أيّ صوت بشريّ آخر لا يعلن مبدئيا تبعيّته وخضوعه المطلق لصوت المؤسّس. ولذلك كانت سلطة الملفوظات متأتّية من قدرتها على أن تظهر باعتبارها مجرّد "تنزيل" سياقيّ للاختيار الذي كان سيقوم به النبيّ "لو" لم يحجبه الموت. بين"لو" الضمنية هذه التي يتمّ  بها استحضار الرّمز الجماعي و"الأمر" الشرعيّ، تتأسّس سلطة العالم بما هي امتداد للسلطة النبوية وتفعيل لها ضدّا على سلطة الموت وأثر الغياب. وقد كان أبو حنيفة النعمان – وهو زعيم مدرسة الرأي التي هي أقلّ المدارس السّنية استنادا إلى الحديث النبويّ وأكثرها ميلا إلى سلطة العقل في الفقهيات- قد عبّر عن هذه القاعدة الفرقية العامة حين دعا إلى ردّ رأيه من غير تردّد إن تبيّن للناس من بعد اجتهاده وجود معارض صحيح من الحديث النبوي.                                                                                     
      
       لقد استطاع المسلمون "إدارة " الغياب الذي خلّفه موت النبي وذلك بطرق متباينة، ولكنّها جميعا ترتبط بفهم مشترك لمعني الأسوة. فتغيّر المضامين أو الحمولات العقدية والسلوكية للأسوة، لا ينفي اشتراك كلّ المقالات في جذر معرفيّ واحد تمّ بتأثيره حصر التأسّي في بعده المثالي النموذجي.           وتفصيل ذلك أنّ "النموذج" الذي تقترحه كل الخطابات الفرقية، بل كلّ المعارف التراثية العقلية منها والنّقلية، هو نموذج "الإنسان الكامل" ونحن لا نقصد بالإنسان الكامل المعنى الفلسفي العرفاني الذي  دافعت عنه بعض الأطروحات الصوفية (مثل ابن عربي والسّهروردي وغيرهما). بل نعني بذلك أنّ ما أنتجته الثقافة الإسلامية لنحت نموذج الأسوة هو صورة  لمثال الأنا(5) يكاد يغيب فيها كلّ ما يحيل إلى المحدودية الإنسانية أو إلى ما أسماه بول ريكور بالإنسان"الخطّاء". فالأسوة "الحسنة"  على حدّ تعبير القرآن قد انحصرت في بعد أوحد تمّ بمقتضاه "أمثلة" المرجعيات العليا كالنّبي أو الولي أو الإمام أو الحكيم المتألّه.                                                                                                                                                                                         
         
        وإذا ما حصرنا الاهتمام في المجال السنّي وجدنا أنّ الخطابات السلفية في مسعاها إلى أمثلة الشخص النبوي، لم تحتفظ من سيرته القرآنية إلا بما يخدم احتياجات التنظيم من جهة وبما يكرّس  قيمته "الاختلافية" من جهة أخرى، أي كلّ ما يقوم دليلا على تميّزه الأنطولوجي والقيمي-السلوكي. ولكن ماذا تعني أمثلة الأسوة؟ وهل من الضروري أن تكون الأسوة مثالية لتمارس سلطتها على أتباعها؟ وهل إن هذا المسلك مشروع من منظور قرآني – ما قبل فرقي- غير محكوم  باحتياجات التنظيم واختيارات الفرقة ورهاناتها الموضوعية، أم إنّه مجرّد مسلك اختزالي لمعنى أعمق لم يكن من المفكّر فيه داخل المجتمعات التقليدية، وهو تقريبا ما حصل للمعنى الجديد الذي أدخلته النبوّة المحمّدية إلى التاريخ الكتابي حيث تمّ قراءتها بتأثير النماذج النبويّة السابقة من جهة وإخضاعها لضرورات التنظيم وعمليات الدمج والجمعنة من ناحية ثانية، وهو ما بيّنه باقتدار كبير العديد من الباحثين(6) ؟*4*                                                                                                                    
    
        إنّ أمثلة الأسوة لم تكن اختيارا بقدر ما كان ضرورة تنظيمية. فأمثلة  المرجعيات الفرقية العليا وخاصة الرمز النبوي كان أمرا ضروريا، لأنّ المسلم لم يكن يستطيع أن يتخيّل مثالا لأناه الفردية خارج  قيمة تميزية تكاد تكون مطلقة. فالنبيّ هو في المنطق الإسلامي التجسيد الأمثل لكلّ المثل والقيم والسّلوكات التي يحبّها الناس ويسعون إلى تحصيلها. وهي صفة تعطي لقوله سلطة كبرى تساهم في الالتزام الطوعي بالاختيارات الجماعية في مستوى العقائد، وبالأنطمة التشريعية في مستوى التنظيم السلطوي للمجال الاجتماعي. فالتزام الآمر الأخلاقي لا يستند إلى أسس عقليّة بالدرجة الأولى بل هو مرتبط باختيارات جماعية متوارثة، وهذه الاختيارات ستكون أكثر فاعلية عندما يتم استبطانها ودخلنتها من قبل المكلّفين. ولمّا كان أيّ  تأصيل عقليّ  أو أيّ سلطة سياسية عاجزين عن حمل الكافّة على التزام نمط معيّن في التفكير أو السلوك- بحكم محدودية أيّ إقناع عقلي أو حضور سلطوي مباشر-، فقد احتاج الاجتماع التقليدي إلى مثالية الرموز الجماعية التي تؤدّي فيه  وظيفة مزدوجة : إنّها من جهة أولى تؤدّي وظيفة التّوحيد المرجعي الذي يضمن التماسك الداخلي للجماعة حول رموزها الخاصة، كما أنّها من جهة ثانية تقدّم لأتباعها شخصيات تستطيع من خلال الاقتداء بها البحث عن معنى نهائيّ لوجودها.                                                                                                        
      
       

لكنّ ما نلاحظه هو أنّ ما يتمّ اكتسابه من الناحية الوظيفية يخسر من النّاحية الوجودية. فتلكما الوظيفتان لا تنجحان واقعيا إلا إذا ما عملت المتون المرجعية  المعتمدة على إبعاد الشقّة بين الرمزية الجماعية وبين عموم أتباعها. إنّ تلك الرموز هي نقاط جذب "مؤسّسية" عامّة تشدّ إليها الجهد الفردي والجماعي  لكن مع التركيز على مثاليتها غير القابلة للتكرار أو الاستنساخ أو التجاوز. إنّها أفق الكائن الذي يجب أن يكون حاضرا في كلّ اللحظات الوجودية. لكنّه الأفق الذي لا يدﺮك أبدا. وهنا يمكن البحث عن جذر الخوف أو الحذر الشديد الذي تبديه السلفية منذ القديم تجاه المسالك الروحية الصوفية التي تمدح  الوصول أو الفناء أو غير ذلك من الحالات والمقامات التي قد توحي بضرب من التسوية بين المقتدي والمقتدى به، كما قد تحدّ من أحادية المرجعية الجماعية وقدرتها الإلزامية المتأتّية من الإجماع الحاصل حولها داخل الفرقة. فسلطة الأسوة النبويّة أو غيرها إنّما تستمدّها من كونها فذّة، متعالية، جوهرية الاختلاف. فإذا ما تداعت هذه الصفات أو تمّ تعميمها فإنّ المحصول هو ظهور نماذج جديدة للقدوة. وهي نماذج قد تظلّ داخل إطار الأمة وقد تخرج عما يسمّيه المنصف بن عبد الجليل بالعقيدة الدنيا، لتصبح ديانة هامشية مستقلة(7).                         
                                                                            
    
        لم يكن من المفكّر فيه داخل أبنية الثقافة التقليدية بمختلف فروعها العقلية والنقلية أن يظهر فهم للقدوة يدمج الخطأ أو المحدودية معطى بنيويا في النماذج العليا الموضوعة للاقتداء. وقد يبدو في هذه الملاحظة ضرب من التناقض الذاتي إذ كيف تكون هناك قدوة تجسّد الخطأ أو تمتدحه؟ ثم أليست المثالية – سواء وجدت ضمانتها الأنطولوجية في مفاهيم العصمة أو الحفظ أو العدالة أو غيرها – هي الصفة الجوهرية لكلّ شخصية تحاول الارتقاء إلى مستوى القدوة الجماعية؟  وكيف كان المسلم يستطيع أن يتّخذ نماذج أخلاقية غير تامّة ومخترقة بمحدودية جوهرية في بيئة تتنافس فيها الديانات على تقديم أبطالها المؤسسين في صورة قد ترتفع أحيانا إلى مستوى التألّه؟                                            

        إذا ما نظﺮنا إلى النص القرآنيّ فإننا نجد النبيّ قد امتدح بأنه "أسوة حسنة" (الأحزاب 33) وبأنّه "على خلق عظيم"( القلم 168). ويبدو الرسول في القرآن"بشرا" لا تنضاف إلى بشريته إلا صفة واحدة هي صفة "الرسالة"(8)، ولا تعني البشرية هنا إلا انفتاح وجوده على الخطإ والانزياح عن الإرادة الإلهية التي كانت كثيرا ما تتدخّل لتعيد إدماج التجربة النبوية في الأفق الذي أراده الله لها ضمن منظور الخلاص الخاص بالنبوة الخاتمة(09). هذا القول يعني أنّ المثالية لم تكن معطى أوّليا بل هي صيرورة، حركة وجهد. ولكنّ المقالات الإسلامية على اختلافها لم تستطع أن تنظر إلى تلك الحركة بل اختزلت التجربة النبوية في نهاياتها الحقيقية أو المتخيّلة سواء في مستوى التشريع أو في مستوى القيم. فالعصمة التي كانت هي ضمانة الوحي أو التبليغ  أصبحت ضمانة مطلقة لكلّ أفعال النبي  لتحجب أيّ إحالة إلى الاجتهاد النبويّ، ولتصبح النّبوة ذاتها مجرّد تجربة سلبيّة. فكأنّما الرّسول- من باب التناقض الصريح الذي لم تعبأ به الثقافة الإسلامية بمختلف فروعها المعرفية – هو المجلى الأشهر لمبدإ عقدي كان القرآن قد رفضه كلّيا، ألا وهو مبدأ "الإلجاء" أو حمل الناس على الإيمان كرها من غير اختيار.      
.   
       إنّ الشخص الذي جاء مبشّرا ومنذرا لم يكن حرّا في رسالته لأنّه لم يكن يستطيع الخطأ. فالرسول معصوم من الخطإ في الكبائر والأرجح عند العلماء العصمة عن الخطأ في الصغائر أيضا. ماذا يعني ذلك بالنسبة لمفهوم الأسوة ولإمكانيات تمثّلها من قبل المتلقّي السنّي في المجال الإسلامي التقليدي؟                                                                                                                              إنّه يعني أنّ المسلم لن يرى في الشخص النبوي إلا مثالا بعيدا، مثالا يطلب ولا يدرك وذلك لاختلاف جوهري أنطولوجي يفصل ين المقتدي والمقتدى به. إنّه لن يرى "الإنسان" الذي كان نبيا بل الرسول الخاتم، القدوة التي تمّ تشكيلها فرقيا والخاضعة لمتطلبات "القانون" بالمعنيين النفسي والاجتماعي للكلمة، بحيث لن يسمح بتداول كلّ ما من شأنه أن يحدّ من سلطة هذا القانون. فمثالية "النموذج المعصوم" هي  وجه من الوجوه الرمزية  لصيغ "الإلزام" التي تساعد العالم والسلطان في إخضاع  المسلم الخطّاء. فهذا المسلم يعيش واقعية الرمز الأعلى و حقيقته  في المستوى النفسي بطريقة لا تقلّ عن واقعية ما قد يحدث له من انزياحات في عالمه المحايث الذي عليه أن يسعى جاهدا لردم الهوّة بينه وبين العالم المرجعي الذي يوجّه سلوكه وانتظاراته الدنيوية والأخروية.                                                                                        
   

      ونحن نرى أنّ استقراء التجربة النبوية من غير وساطة المنظورات الفرقية يبين عن مفهوم أكثر ثراء وإنسانية من المفاهيم التراثية المتنازعة على بناء معنى الأسوة العقدية  والسلوكية.  وهو ثراء يمكن الاستدلال عليه من جهتين :                                                                              
1-من جهة أنّ النبي في القرآن يبدو جزءا من إطار مرجعي كبير. وهو إطار عامّ يسبق الحدث الإسلامي ويؤمر النبي ذاته بإدماجه ضمن لسلطات المرجعية التي عليه استلهام تجاربها أو "هداها" بالمصطلح القرآني-أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده -الأنعام 6/90 .                                                                                                                                                          2- من جهة أنّ الرسول يبدو في القرآن بشرا "عاديا" لا يتميّز عن الناس إلاّ بالرسالة، ولم يتمّ الارتقاء به إلى مستوى العصمة، وهو ما  جعل من المفهوم الفرقي للاقتداء فاقدا لكلّ معنى حقيقي على الأقل في المستوى الوجودي. فماذا يعني أن يقتدي  المسلم بشخص لا يخطئ  وماذا يعني أن يعيش الخطأ باعتباره علامة الكائن وأفقه  دون أن يجد أمامه شخصية مرجعية أو رمزا أعلى قد جّرب الخطأ، اقترب منه أو تجاوزه؟ ولا يجب أن نفهم الخطأ هنا بالمعني الفقهي الاختزالي بل بالمعني العامّ والعميق حيث تدخل في معني الخطأ كلّ الأبعاد الشعورية أو السلوكية التي قد تخالف النموذج والمثال"العقليّ-الإيماني"، ولكنها قد لا تدخل ضرورة تحت الأحكام الفقهية .                                             
      
           لابدّ أن تكون النظرة التي تعيد بناء الأسوة من خارج المنظورات التراثية، نظرة في صيرورة المرجع الأعلى وحركته الفعلية داخل التاريخ حيث لن تكتفي بالمآلات أو النهايات بل تحاول رؤية "الحدث التأسيسي" أو الفعل النبوي في كلّيته المتحرّكة. تلك الكلّية  التي لن تهمل البعد "المثالي" في الأسوة، ولكنها ستتعامل مع المرجعية العليا باعتبار نقصها وكمالاتها، أي باعتبارها "مرجعية وجودية" يمكن لمحدودية الكائن وانحرافاته أن تلتمس فيه بعض" التّعزية"عن حتمية الخطإ الذي منه يدخل العدم والألم إلى الوجود. فالمسلمون الذين ذهبوا- استنادا إلى القرآن- إلى أنّ المسيح قد بشّر بمحمد من بعده  وسمّاه "بالمعزّي" أو الفارقليط، لم يستطيعوا أن ينحتوا من مفهوم "التّعزية" فلسفة في الأسوة لا تنحصر في البعد المثالي لشخص الرسول بل تعترف ببشريته ومحدوديّته وتتحمّل ما ينتج عن ذلك من تغيرات جذرية في مفهوم النبوة أو العصمة أو الزمن التأسيسي أو غيرها من المفاهيم المركزية المشكّلة للمنظورات الفرقية. ولكن هل كانت المجتمعات التقليدية قادرة على التفكير في هذه  الصياغة المتحرّرة كثيرا من الأبعاد الوظيفية لمعنى الأسوة؟ وعلى افتراض ذلك جدلا، فهل كانت قادرة على تحمّل نتائجه الواقعية؟                                                                                                         
  
          إننا نذهب إلى أن الفكر الديني المنظّم للمجتمعات التقليدية لم يكن قادرا قبل ظهور الحداثة الغربية على أن ينتج مقالات في القدوة تنفصل عن وظيفتها في الدمج الاجتماعي وما يتطلّبه ذلك في المستوى الرّمزي من نماذج عليا "موحّدة" ومؤمثلة. ولم تكن تلك النماذج قادرة على تأدية وظيفتها إلاّ إذا ما غلب عليها في  مستواها البنيوي  البعد المتخيّل من جهة أولى، والصبغة المثالية من جهة أخرى. ولذلك كان من غير الممكن أن تنتج الثقافة بمختلف قطاعاتها المعرفية نماذج للاقتداء تستطيع الانفكاك عن ذينك المحدّدين. أمّا الحداثة فقد استطاعت أن تظهر إمكان تجاوز التسييجات الملّية- الفرقية  وذلك بالانفتاح على تجارب كونية تخترق الدوائر التقليدية للانتماء الجماعي.                                      
      
ونحن نقدّم في نهاية هذه المقالة فرضية للنقاش مؤدّاها أنّ من أكبر مظاهر "عطالة" الأطروحات العلمانية-العقلانية –التي هي الخطاب الحداثي الأبرز في المجال الإسلامي- أنّها لم تستطع أن  تدمج "السلطات الفرقية العليا" وخاصة النبيّ ضمن هرميّاتها المرجعية، وهو ما كان يعني واقعيا  فسح المجال للمقالات السلفية لتبسط هيمنتها على الواقع الإسلامي وتشكّله بطريقة لا تفعل سوى إسقاط المنظورات الفرقية التراثية على واقع متحوّل، معقّد، يحتاج إلى منظورات جديدة قد تسهم في بناء معنى لوجود المسلم الفرد في زمن الانفتاح على "العبثية" و"العدميّة" أو"يوم الله" السلفيّ الذي هو المظهر الديني للفكر العدمي بامتياز.
      
       تحاول السلفية تسكين غربة الكائن بإعادة إحياء الأسوة بالمعنى التقليدي للكلمة، وذلك في مختلف أبعادها العقدية والتشريعية. وهو ما نراه من أهمّ أسباب اغتراب المسلم وانفصاله عن واقعه المحايث نتيجة المفاصلة النفسية العميقة التي تنشأ بين هذا المسلم ومحيطه، وذلك عندما يعيشه بمنظور تراثي لن يفعل غير تقوية النزعات الانفصامية لديه. لكنّ "العلمانية" ليست أحسن حالا  ولا خير منقلب في مجالها العربي الإسلامي، وذلك  لعجزها عن استثمار الموروث "الجمعي" وإعادة صياغته بطريقة تكفل تحقيق وظيفتين متكاملتين في المستويين الواقعي والرمزي وهما :
1- عدم التصادم المطلق مع مقدسات الجماعة وإظهار إمكان وجود تأويلات كانت غير منظورة أو كانت غير مفكّر فيها بالنسبة إلى المعارف التراثية. ولكن من غير أن تتحوّل الخطابات الحداثية إلى "فتاوى معلمنة" تستند إلى ضمانة متعالية جديدةun garant transcendant  هي سلطة العقل (10) في مواجهة إطلاقية الوحي وحرّاسه من ذوي النزعات السّلفية المحافظة.

2- الاندماج في الثقافة الحاضنة لفعل الإبداع من خلال استثمار رمزيتها الجماعية  بطريقة تحدّ من هيمنة القراءة السلفية وتظهر نسبية تلك القراءة، بل عدم قدرتها على تأدية وظائفها النفسية والاجتماعية داخل المجتمعات الحديثة، وبالتالي مشروعية بناء مقالات مستأنفة تروم "ترجمة" مسالك القداسة ورمزيتها التقليدية إلى لغة حديثة في مفاهيمها و مناهجها وإشكالياتها.
        لقد استطاعت المقالات السلفية أن تهيمن على المجال العامّ من خلال قدرتها على توظيف الموروث  الجماعي وتشغيله بطريقة تخدم فهمها" الرّسومي" للإسلام- على حدّ  التعبير الصوفي-. ذلك الفهم الذي يبرز فيه "الإسلام المعياري" محكوما بهوس تنظيمي تشريعي  يكاد يحجب كلّ الأبعاد الأخرى التي لا تقبل التعميم أو المراقبة أو المأسسة. وهذا البعد التشريعي لا يمكن أن يكون فاعلا إلا إذا ارتبط بمرجعيات عليا جسّدت الإسلام المعياري في أعلى صوره. ولم تكن تلك الشخصيات المرجعية لتكتسب سلطتها الرمزية  إلا بمثاليتها التي رأينا أنها لا يمكن أن تنفصل عن  التأويل الذي لا يمكن اشتقاقه  ضروريا  من الملفوظات القرآنية، ويمكن بالتالي تجاوزه للبحث عن فهم محدث لمعني الأسوة.  فكلّ الأطروحات التراثية، على اختلافها، تنطلق من رؤية ترتكز  أساسا  على أفق القداسة والكمال وتعرض عن مساراتهما الحقيقية القابلة "للترجمة" بالمعنى النفسي العميق للكلمة. تلك المسارات التي حاولنا البرهنة جزئيا وفي حدود ما يسمح به مقال مفرد، على أنّها مرتبطة  في المجال الأصلي لتنزّلها في التاريخ بمعنيين مترابطين : اعتبار الأسوة أفقا مزدوجا ينفتح فيه الكائن على عالم المثل والكمالات الأخلاقية، ولكنه أيضا ينفتح قبل ذلك على إمكانية الخطإ، وهو خطأ "عابر" غير ثابت أو متوارث،  فلا يتحوّل مطلقا إلى خطيئة كما هو الحال في الدوغما المسيحية وفهمها للحدث المركزي في سفر التكوين.
        إنّ القدوة التي يجب التفكير فيها من منظور حداثي مرتبط بالمجال الإسلامي الخاص ومنفتح على الكوني، هي قدوة لا تشبه "إله المسيحية" الذي يجعله نسبه السماويّ أفقا مستحيلا، ولكنها أيضا لا تشبه "الإنسان الأعلى" النتشوي وريث العدمية ونبتها، بل هي إمكان ثالث قد يكون قدر الثقافة الطّرفية أن تنتجه إن هي أرادت أن تخرج من حال "السلبية" والتعدّد المرجعي-العبثي الذي يمثّل مظهرا من مظاهر العطالة والحصر الإبداعيين في مستوى الفرد والجماعة.

      
                                                                                    
    

     الهوامش:

1- إذا ما نظرنا مثلا في التصوّرات الأخروية المرتبطة بالمهدي المنتظر، فإنّنا سنجد أنّ كلّ فرقة قد صاغت عودته من منظور اختياراتها التاريخية وضمن أفقها الفكري الخاص.فالمهدي أو حتّى المسيح يسكبان في قالب فرقي ليس فيه للبعد الأممي أو الملّي إلاّ حضور بعيد بل يكاد يختفي بالكلّية. 

2- Watt.montgemery : la pensée politique de l’islam .(trad : reungoat
sabrine) éd P.U.F , paris 1995 , p31

3- في القرآن يتمّ نعت المؤمنين بالإخوة في أكثر من موضع . ويتمّ أيضا نفي الأبوّة الحقيقية أو البيولوجية عن محمّد لأيّ من رجال الأمّة مع الإبقاء على الأمومة الرمزية لنسائه اللاتي اعتبرن أمّهات المؤمنين. وهذه الوضعية التأسيسية المختلفة عن المسيحية في رفضها القاطع للبعد الأبوي للإله أو حتّى للنبي،يمكن أن تفسّر إلى حدّ ما لماذا تحصر الأخوّة بعد النبي في إطار الفرقة لا في إطار الأمّة. كما إنّ أخذ هذا المعطى المبدئي بالاعتبار قد يساعدنا في فهم احتياج الفرق المتنازعة إلى "أبوّات رمزية" خاصّة هي جملة المراجع الفرقية العليا .وهي مراجع التي قد يتضخّم حضورها الفعلي إلى درجة يصبح فيها النبي مجرّد "سلف أعلى" يؤتى به لشرعنة اختيارات تلك الرموز العليا في صراعها على احتكار المجال الإسلامي و رساميله المادّية و الرمزية

4- آنظر:جورج  طرابيشي :من النبي الأمّي إلى  النبي الأممي-وهو جزء من كتاب  ما يزال تحت الطبع بعنوان:الانقلاب  السني :من إسلام القرآن إلى  إسلام الحديث-. وقد تمّ نشر المقال  على موقع الأوان بتاريخ 22 ماي  2010.   

5- هناك فرق بين "الأنا المثالي "و "مثال الأنا"الذي يعنينا في هذه المقالة وهما مفهومان مركزيّان تمّ تطويرهما منذ فرويد في المباحث النفسية التحليلية و الاكلينيكية. للتوسّع في هذين المفهومين آنظر:  

Réne kaes :l’Idéologie :Etudes psychanalytiques .éd Dunod ,Paris 1980

.pp146/164

6 -آنظر خاصّة :عبد المجيد الشرفي :الإسلام بين الرسالة و التاريخ-دار الطليعة ،بيروت 2001 وجورج طرابيشي:المعجزة أو سبات العقل في  الإسلام-دار الساقي ،بيروت 2008. ولقد استطاع هذان الباحثان باستثمار مداخل نظرية و شبكات مفهومية مختلفة أن يبيّنا أثر التاريخ في الاختيارات التي تبنّتها الفرق الإسلامية أو همّشتها أو لم تكن أصلا قادرة ضمن أفقها العقلي على التفكّر فيها.                                                                                        

7- آنظر : المنصف بن عبد الجليل : الفرقة الهامشية في الإسلام- مركز النشر الجامعي ،تونس 1998

8 – آنظر:محمّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، مادّة ب.ش.ر وطبيعة ارتباطها بالرسالة. حيث يؤكّد القرآن في أكثر من موضع أننّ صفة الرسالة هي الصّفة الوحيدة المميّزة للنبي محمّد- الكهف 18/110 و الإسراء 17/93- ولكنّ هذا الأمر لن يقبل به الوعي الإسلامي الذي انساق إلى نحت صورة متخيّلة للنبي لا تكاد تشبه في شئ الصورة البشرية للنبي القرآني وذلك بحكم عوامل ترتبط باحتياجات الجماعات المتنازعة من جهة و كذلك بحكم الابستيمي المسيطرعلى كلّ إنتاجات الثقافة في المجتمعات التقليدية ذات الشرعية الدينية من جهة أخرى                                                                       

9 – يبدو النبي في القرآن محكوما بهواجس بشرية مثل الخوف من الفشل أو الخوف من الموت غيلة أو الرغبة في التقرّب إلى وجوه الناس وكسبهم إلى دعوته و غير ذلك من المواطن التي كان الوحي يتدخّل فيها لعتابه أو تهديده . و لم يكن المسلمون بالطبع قادرين على تحمّل هذا الوجه البشري للنبي في فضاء يرتبط فيه البطل المؤسّس بالخوارق و الكمالات الخلقية والأخلاقية.ولذلك تمّ تأويل تلك الانفعالات أو الاختيارات النبوية بطريقة تجعلها ضربا من السلوك المثالي لأنّه و إن خالف المطلوب الإلهي فإنّه محكوم بدوافع أخلاقية إيجابية كما تمّ تأوّل الخطاب الموجّه إلى النبي باعتباره موجّها أصلا إلى عموم الأمّة و ليس إلى النبي الذي يكون بهذه  القراءة غير معني بالخطاب الإلهي الذي قد يمسّ الصورة المتخيّلة التي صنعتها الثقافة الإسلامية له و قدّستها. و هو منهج في التأويل يمكننا أن نضرب الكثير من الأمثلة له في التفاسير قديما وحديثا بدءا من جامع البيان للطبري.                                                                              

10- voir:Le gout de l’alterité (travail collectif sous la direction du Eugène enriquez)-éd desclée et brouwer,Paris 1999 .Article : Le Garant transcendant (nathalie zalzman)p.p245 /256

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This