الروائي الصومالي نور الدين فرح.. كاتب الثلاثيّات

انه أحد أصوات افريقيا الكبيرة الذي رشحته لجنة نوبل عدة مرات لجائزتها، من غير ان تحسم حتى الآن لصالحه. نورالدين فرح ابن الصومال يكتب بالانكليزية وتتعارض رقة ملامحه مع المآسي التي يرويها في كتابه الجديد «منافي»، عن الفوضى التي غرقت فيها الصومال بعد نهاية العهد الديكتاتوري لرئيسها سياد بري الذي كان مدعوماً من السوفيات. مجلة «نوفل اوبزرفاتور» التقته (23 حزيران 2010)، وهنا أهم ما جاء في حوارها معه:

«نوفل اوبزرفاتور»: حياتك مليئة بالتمزّقات المتتالية. هل طفولتك كانت أهدأ؟

نورالدين فرح: أمي كانت شاعرة وسط جماعتنا الصغيرة. لم تكن تهتم بما وراء الكون، بل بالحياة اليومية. كانت تؤلف اشعارا بمناسبة الأعراس والولادات، ومرثيات من أجل الحياة وغنائيات من اجل أولادها. كنت قريبا جدا منها. كانت تطلب مني ان أحفظ قصائدها وترسلني الى الاشخاص الذين طلبوها منها لكي أنشدها أمامهم. كنت أجلس بالقرب منها عندما كانت تحضّر القشدة وتطْرقها لتحولها الى زبدة. هذه اللحظات مع أمي هي أسعد أيام حياتي كلها.

«نوفل اوبزرفاتور»: هل كبرت في الصومال؟

نورالدين فرح: ولدتُ في جنوب الصومال، الذي كان آنذاك تحت الوصاية البريطانية، بعد هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية. أبي كان يعمل مترجما للحكومة البريطانية. كان يترجم من اللغة الصومالية الى اللغة السواحلية. ثم استقر في اثيوبيا حيث اشترى مزرعة. وفي اثيوبيا كانت بعثة مسيحية انغلوفونية؛ كنت اذهب الى المدرسة الانكليزية صباحا والى المدرسة الدينية الاسلامية بعد الظهر: الانجيل والقرآن اجتمعا لديّ. عشتُ باكرا جدا هذا التناقض حيث كان يتعايش شكسبير مع هذا الشاعر العربي او ذاك.. وفي المساء كنت استمع الى الاغنيات الصومالية والى قصائد أمي.

بعد ذلك دخلتْ الصومال في الحرب وانقلبت حياتك رأسا على عقب…

نور الدين فرح: اضطررنا الى مغادرة منطقة اوغادن عام 1963-1964 عندما اندلعت الحرب الاثيوبية الصومالية. كان عمري 17 عاما. وكنا فقدنا كل ممتلكاتنا. تابعتُ دراستي في الصومال، وعملتُ طابعا للدكتيلو من أجل كسب المال لي ولعائلتي. كتبتُ أيضا قصصا صغيرة. وهكذا حتى وجدت نفسي بعد عامين على عودتنا الى مقديشو أمام منحتين دراسيتين: واحدة من جامعة ويسكونسي في الولايات المتحدة لدراسة الأدب والصحافة، والاخرى من جامعة هندية لدراسة الفلسفة. كل الناس كانت تحلم بالولايات المتحدة، اما أنا فاخترت الهند.

«نوفل اوبزرفاتور»: الهند؟ لماذا؟

نورالدين فرح: كنت قد قرأت رواية لسمرست مغهام تحكي قصة رحّالة بريطاني الى الهند حيث يكتشف الفلسفة الهندية. كان سمرست مغهام كاتبي المفضل، وروايته جذبتني للهند وللهندوسية، فذهبت بدوري الى هناك حيث عشت أربعة أعوام. وفي الهند أيضا كتبت روايتي الاولى «مولودة من ضلع آدم» (…).

«نوفل اوبزرفاتور»: كيف عشتَ ابتعادك عن بلدك الصومال؟

نورالدين فرح: بحزن كبير؛ كنت كمن يحمل بلده كله في عقله. كنت أشعر بالضياع، لا أعرف ماذا أفعل. التقيتُ وقتها بزميل من الجامعة الايطالية حيث كنت محاضرا، فاقترح عليّ ان أقيم في مدينة تريستا الايطالية، وكان يمتلك فيها شقة. هو نفسه كان ذاهبا الى الصومال ليعلّم في احدى جامعاتها. عشتُ في هذه المدينة مدة ستة أشهر (…). بعد صدور الجزء الاول من ثلاثيتي، حكم علي بالاعدام بسبب كتابتي عن السلطات العليا.

«نوفل اوبزرفاتور»: أنت متهم بأنك ادرت ظهرك لجذورك الافريقية…

نورالدين فرح: نعم. اتهمت أيضا بالارتداد عن الدين لأنني لم أتاثر بالثقافة الصومالية فحسب، بل بالأوروبية بمعناها الواسع أيضا. انا رجل الكتاب وكل ما أقرأه يعبر ذهني ويعلمني أشياء (…).

«نوفل اوبزرفاتور»: لماذا تفضل تأليف الثلاثيات؟

نورالدين فرح: أكتب الثلاثيات لأنني لا أريد فقط الكتابة من زاوية نظر واحدة، الزاوية الانسانية فقط. بل أريد ان أعطي الصوت للنساء والحيوانات والطبيعة والنجوم؛ أريد ان تلتقي في صحفتي كل الكائنات بكافة أحاسيسها. النساء عندي تحتلّ مكانا رئيسيا، والاطفال كذلك، إضافة الى الحيوانات أيضا، لأن لديها شيئا تقوله.

«نوفل اوبزرفاتور»: اليوم هل حصل انك عدت الى بلادك، بالرغم من الحرب الاهلية؟

نور الدين فرح: أعود الى الصومال سنويا. كنت هناك منذ عام ونصف. الوضع هناك رهيب. ولكن عليّ الذهاب لأنني اريد الكتابة عن كل مرحلة من مراحل تاريخ بلادي؛ وما يحصل اليوم هو بالتأكيد تعبير عن مرحلة فاصلة محورية ومخيفة (…). الناس هناك يتعذبون ومن واجبي ان أسجّل هذا العذاب.

«نوفل اوبزرفاتور»: هل حصل انك جازفت بحياتك؟ أو انتابك الخوف؟

نور الدين فرح: خفتُ نعم. كدت أُقتل عام 2006. كان الاسلاميون يسيطرون على مقديشو فيما الجيش الاتحادي يقف على اطرافها. كنت أمرّ بسيارة تاكسي في منطقة «محايدة» بين «المعسكرين»، واذا بحوالي عشرين شابا يطوّقون السيارة ويصوّبون بنادقهم الى رأسي مطالبين بدولارين. أجبتهم بأنني لن ادفع الدولارين (…).

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق