الرَحّالة الغربيّون وأسرار الشرق الإسلاميّ

 

 

 

لقد ولّد الشرق صورة فردوسية في مخيلة الغرب، فسعى الرحّالة الغربيون إلى تنظيم رحلات فردية وجماعية لاكتشاف هذا السرّ الغامض والمحاط  بالجمال العصيّ عن الوصف على حد تعبير –ماري لويز دفرنوا- شرق مرادف للصور الغرائبية التي حفّزت مخيّلة الفنّانين والرّوائيين والشعراء على تصويره اعتمادا على المحمول القبْليّ عن الشرق عند الغربيين، حتى جاءت الرحلات الفعلية للشرق لتكريس هذه المفاهيم وتغذّيها لتصبح فيما بعد وثائق يعاد انتاجها من الحقل الثقافيّ، الى الحقل الإيديولوجيّ لتصبح مسلّمة وبديهية لفهم الآخر الشرقيّ من قبل العقل الغربيّ والفرنسيّ تحديدا. وهو ماذهبت اليه د. مي عبد الكريم محمود في دراستها الانطولوجية ( تائهون في صحراء الاسلام) إذ تقول” حاولنا في هذا الكتاب الذي وضعناه بهيئة انطولوجيا صورية متفرقة ومتنوعة عن الصحراء، أن نترجم أكثر الفقرات دلالة وتعبيرا عن النظام الذي يسود المخيلة الغربية في تعيين الصحراء العربية في إطار الثقافة كما رسمها أو تخيلها الأدباء الرومنطيقيون الفرنسيون في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر مثل( فولني ، شاتوبريان، لامارتين ، فولتير، لوتي)، ولقد تتبعنا أكثر الفقرات تعبيرا عن حياة البدويّ الهائم في الصحراء، وكذلك العادات الاجتماعية والطابع الاثنوغرافيّ والثقافيّ للعرب في القرن التاسع عشر”. ولم تتوقف المؤلفة عند حدود البحث في ترسيم العلاقة بين الشرق والغرب كما جاءت في وثائق الرحلات، بل اجتهدت في تفسير هذا الفعل عبر تبنّيها أطروحة (مارسيا إلياد) التي تفيد، بأنّ الانسانية منذ عصورها الأسطورية تتجاذبها صورتان نمطيتان أصليتان هما، الخوف من مغادرة المركز الكونيّ، والسقوط منه بتأثير قوى الظلام الى الفضاء السّديميّ، الجنّ والأموات. اذ تحيل نمطية المركز الأصلية الى القبلية المتعالية للانسان، وإنّ ما يحرك عاطفة الخوف هذه لدى المرء هي(الفاتح/ الغازي/ العدو) ليعود الى طور الفضاء المترجرج الذي لا شكل له، والعاطفة الأخرى هي عاطفة انجذاب إلى المكان الآخر حيث سيتحقّق للمرء حلمه باستعادة الفردوس المفقود.

 

وفي عودة الى تقصّي جذر عبارة -الرحلة الى الشرق- في الأدب الفرنسيّ تفيدنا المؤلفة بأنّه لم تظهر هذه العبارة الا في عام 1835 على يد ( لامارتين)في كتابه(ذكريات وانطباعات وافكار ومشاهد مقدمة من خلال رحلة الى الشرق). كما حددت لنا الفرق بين رحلة لامارتين الى الشرق بوصفه حاجّا متشوّقا الى زيارة( الجبال التي نزل الربّ عليها)، وبين عنصرية شاتوبريان ونظرته المتعالية في جميع أعماله التي عالجت التماسّ الحضاريّ والدينيّ، والذي بدا كـ”عوليس” جديد إذ يقول” انا أتحدث على نحو أدبيّ عن ذاتي ومن خلال هذا الفهم المتناقض للشرق عن طريق فهم الرحالة الفرنسيين نستطيع تلمس أبرز سمات الرحلات”.

خصائص الرحلات


1-خضوعها الى الطابع المفكك في الكتابة… ويظهر البعد السيرويّ من خلال تفكيكها وفوريتها ومباشرتها.
2-حرص الرحالة على تقديم المادة الكتابية دون عناية لكي يستطيع الحصول على أكبر قدر من ايهام القارئ حتى جاء جيل جديد استطاع الخروج من دائرة الوهم الذي مارسه الرحالة كما وصفهم (بير لوتي) بـ(المبرّؤون من السحر).
3-اشتراك الرحلات في الميل المضطرد لمعالجة واقع الشرق بوصفه لوحة شعبية من الدرجة الثانية.
4-الرحلة هي صورة فوتوغرافية اكثر منها رحلة.
5-كان الشرق في الرحلات هو إعادة تقديم للمادة الاصولية المُسيرة بالارادة الجمالية والفاعلة، والقادرة على تحريك الاهتمام لدى القارئ.
إذن هناك شرقان، شرق واقعيّ يزوره الرحّالة فعليا، وشرق مفبرك صنعه الأدب، ولم تنفع الوثائق العلمية في تصحيحه كما تؤكد المؤلفة.


 
ادوارد سعيد والاستشراق


 
يشير سعيد الى انّ الرحالة قد تأثروا على مرّ العصور بكتابات من سبقوهم، فقد أخذ جميع الرحالة الى الشرق بالاعتبار اعمال (شاتوبريان) و(لين).حتى وصل بهم الأمر الى نسخ اعمالهما . والى ” تاثر فلوبير بـ(لين) وكذلك فعل نرفال الذي استعمل نصوصا وتوصيفات لـ(لين) دون الاشارة الى مصادرها، اعتقادا منه بانها اكثر اصلية من غيرها” .

الدكتورة مي تعضد رأي ادوار سعيد بالقول” ان شرعية المعرفة التي انطوى عليها الاستشراق في القرن التاسع عشر، لم تأت من السلطة الدينية كما هو الحال قبل عصر الانوار، بل يمكن تسميته بالاستشهاد الترميمي للحجة لسابقة”


 
أقنعة الرحالة


بين لامارتين وخيال الخصب او نزعته العرفانية في وصف رحلته للشرق وبين شاتوبريان الحاج الصليبي المتغطرس، يظهر غوته في مؤلفه (الديوان الشرقي لمؤلف غربي)، ويظهر فيكتور هيغو في (المشرقيات)اذ اظهر هذان الكاتبان نوعا من الاغتراب الروحي الذي توصفه المؤلفة، “بالحالة الوجدانية العنيفة القوية التي يشعر الاديب او صاحب الفن بحاجة ملحة الى بيئة اخرى جديدة وجو مخالف ومغاير ومشاعر واحاسيس مختلفة عن تلك التي في بيئته، ولكن هذه الاحاسيس وتلك الحياة ليستا حقيقيتين، وانما متخيلتان، فهو يحلق بروحه من البيئة الجديدة محاولا ان يحيل نفسه الى طبيعتها… ومن هنا فان البيئة تُختار غالبا من البيئات المجهولة بعض الجهل، لان الخيال لا يستطيع ان يبذل نشاطه بحرية وانطلاق الا اذا استشغل في مجهول” وقد اعتمدت المؤلفة في رايها على ما كتبه عبد الرحمن بدوي في ترجمة للديوان الشرقي لغوته.


الشرق العربي والمرجعيات الغربية


تجلى الشرق امام الفرنسيين باشكال عديدة،فهو حديقة زكية في تقليد الدين القروسطي وعالم عدائي اثناء الحروب الصليبية، وبلد العجائب والسحر في كتاب ماركو بولو، ثم انتعشت الذائقة الى الشرق في منتصف القرن السابع عشر. ومن المراجع المهمة التي كان لها دور في تقديم صورة الشرق في ذلك القرن هو المكتبة الشرقية التي اصدرت معجما كان بمثابة شهادة على ما كانت عليه المعارف الشرقية في فرنسا عام 1697 ، فضلا عن ترجمة الف ليلة وليلة او ما يسمى بالليالي العربية، وكان الفرنسيون يعتقدون بانهم يمثلون معيار الكائن البشري بكل خياراته في الوقت الذي كانوا فيه يجهلون مناخ الاوطان الغربية كما تذهب -دفرنوا-.

ان صورة الشرق في القرن التاسع عشروالتي نشأت من ترجمات الف ليلة وليلة قد دشنت العصر الشرقي في ذلك الحين، واسهمت في ترسيخ الملامح الرئيسية لهذه الصورة، لقد قدمت الليالي الى الغرب صورا غاية في التنوع وذلك عبر عالم السراي والحريم ومكائد النساء والجواري والاستعباد والزنا والرسائل السحرية واللقاءات المفاجئة والتحولات والمسوخ. ومن هذا الفهم لمرجعيات الغرب نحو الشرق تستنتج المؤلفة مسألة مهمة اذ تقول” ان عالمنا العربي والاسلامي تم تحويله الى نتاج ادبي وثقافي ليشكل نوعا من السلطة، التي تحولت الى نظام احالي في المدونة السياسية وبالتالي تشكلت منظومة سياسية لفهم الشرق، وكان الرحالة هو شاهد عدل يعاين ويفحص ويقدم الوثيقة، وحتى الوثيقة المتخيلة فانها تؤدي دور الشاهد، ومن هنا تاتي خطورة الرحلة الادبية، فالرحالة سارد يتسم احيانا بالعفوية والسطحية والتحيز،وهذا هو شكل من اشكال ردة الفعل الدفاعي من الثقافات الاخرى” لقد توافرت المؤلفة د.مي عبد الكريم على قدر كبير في ادارة الحجة في مقدمتها الغنية بالافكار في الرد او التضمين وبعد الانتهاء من المقدمة التي تجاوزت الخمسين صفحة، ندخل الى عالم رائع من الاستشهادات المُترجَمة لاعمال الرحالة بلغة شاعرية شفافة قل نظيرها، كما توافر هذا الكتاب على جهد نظري يناقش مركزية الغرب وسراب فهمه الى الشرق باستخدامه عينات لم تمثل الشرق الحقيقي. ان كتاب (تائهون في صحراء الاسلام) هو رحلة معرفية ومراجعة للحوار واعادة الاعتبار للنص الاصلي في قراءة ثانية، كما هو دعوة للحوار المتكافئ عبر الوثيقة والخيال لصياغة الاسئلة، محور وجودنا الانساني لقيمة الكشف لا الحيازة.

 

هامش: تائهون في صحراء الإسلام،  د. مي عبد الكريم محمود
دار النشر: الأهالي للطباعة والنشر- سوريا

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق