الرّموز الدّينيّة سلاح بيد الخطاب الإسلاميّ السياسيّ

لكلّ مجتمع جملة من التّمثّلات والقيم والعادات والتقاليد الّتي تشكّل جميعها متخيّله الجمعيّ أو لاوعيه الجمعيّ. ولكلّ جماعة دينيّة ما ثوابتها وقيمها ورموزها الّتي قد تختلف وقد تتّفق ورموز جماعة دينيّة أخرى. وما يمكن قوله أنّ هذه القيم تمثّل جوهر تلك الجماعة الدّينيّة بل وترسم معالم هويّتها المخصوصة بالضرورة. لذا عندما تُمسّ هذه القيم أو الرموز تردّ تلك الجماعة الفعل بعنف بدافع الدّفاع عن الهويّة التّي يقع اختزالها في تلك الرموز الديّنيّة.

والجدير بالذكر أسطرة تلك الرّموز الّدينيّة وأسطرة الهويّة وأسطرة الذات. والخطير في الأمر تحوّل الرموز الدينيّة إلى خزّان للذاكرة الشعبيّة وتذكيتها للمتخيّل الشعبيّ وبذلك يصبح تغييرها أو حتّى محاوله فهمها من الصعب بمكان.

وللرموز الدّينيّة المشتركة بين أفراد الجماعة الدّينيّة الواحدة الدور الهامّ في تحقيق الإجماع.كما تكون للرموز الدّينيّة المختلفة بين الجماعات الدّينيّة المختلفة الّتي تشترك في المكان أو الوطن الدور الخطير في نشوء الفرقة بين أفرادها بل الصراع والتناحر.

وما نودّ الإشارة إليه هو أنّ الصراع بين الجماعات الديّنيّة المختلفة لا يتّخذ فقط شكل المواجهة المباشرة العنيفة بل قد يكون أخطر صراع هو صراع الخطابات وصراع الرموز.

فالحجاب رمز دينيّ واللحى الطويلة رمز والعمامة رمز والعلامة على الجبين رمز والجبّة رمز.

وحرب الرّموز نراها الأخطر لأنّها تستنزف المشاعر الدّينيّة وتستنزف الذاكرة الشعبيّة وتُستغلّ من أجل كسب الحروب السياسيّة الّتي تركب الدّين من أجل تحقيق أهدافها. ويمكن أن تكون دراسة تلك الرّموز مدخلا أساسيّا وضروريّا لفهم طرائق تفكير تلك الجماعات الّدينيّة. ففهم الرّموز الدّينيّة مدخل أساسيّ لفهم المتخيّل الجمعيّ لتلك الجماعة.

فالحجاب حجب وستر وشطب وإقصاء وإلغاء والثقافة الّتي تقول بالحجاب هي ثقافة تقوم على الحجب والمنع والانغلاق. حجب الحقائق ومنع التفكير في مواضيع تُعدّ من المحرّمات والتابوهات وغلق الأبواب أمام كلّ محاولة للتفكير الحرّ.

ولأنّ العورات فقط هي الّتي يقع سترها يمكن القول بأنّ هذه الثّقافة هي ثقافة العورات ذلك أنّها تقول بضرورة ستر الأجساد والعقول على السواء. ترى بأنّ كلّ جسد المرأة عورة.

وترى أنّ كلّ ما يتعلّق بالثالوث المحرّم:الدين والسياسة والجنس عورات لا يجب كشف الغطاء عنها ويحرّم الخوض فيها أو مقاربتها.

اللحية الطويلة، وحبّذا لو تخضّب بالحنّاء اقتداء بالسنّة، ترمز إلى الرّجولة والفحولة وتُذكّر الرّجل على الدّوام بالقوامة، حسب الخطاب الإسلاميّ السياسيّ المتشدّد طبعا. وثقافة تقول بقوامة جنس على آخر وبسيطرة جنس على آخر هي ثقافة تسعى إلى إبراز الفروق بين الجنسين تحدّيا لقيمة المساواة المصانة من قبل كلّ التشريعات الإنسانيّة.

والعمامة وغيرها من أنواع الرّموز الأثوابيّة الّتي تميّز بين المجموعات الدّينيّة المختلفة في العقائد والمذاهب. فلباس رجل الدّين السنّي غير لباس رجل الدّين الشيعيّ ورجل الدّين المسلم غير رجل الدّين المسيحيّ. قد نفهم الاختلاف العقائديّ ونحترمه وندعو إلى احترام الآخر كيف ما كان ولكنّنا نرى أنّ الاهتمام المبالغ فيه في إبراز وإظهار هذه الرموز الديّنيّة بل وإجبار الآخر على ارتدائها يسهم في تغذية الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

ثقافة مثل هذه الثقافة هي ثقافة التمييز بامتياز، ثقافة لا تحترم حق الآخر في الاختلاف، الاختلاف العقائدي أو الاختلاف المذهبي أو الاختلاف الدّينيّ بل هي ثقافة تقوم على إبراز الاختلاف لتذكية التمييز وتزكيته ورفض الانصهار داخل الدولة الوطنيّة الواحدة والتّمرّد على العلمانية تفكيرا وسياسة، ثقافة تصرّ على صهر الدّينيّ في السيّاسيّ والسياسيّ في الدّينيّ وترفض قيمة المواطنة المشتركة.

وما نودّ الإشارة إليه في هذا الإطار هو دور الرموز الدّينيّة في الجمع بين أفراد الجماعة الدينيّة الواحدة وفي التفريق بين الجماعات الدّينيّة المختلفة علاوة على دورها في تحدّي القيم الإنسانيّة الكونيّة المشتركة بين جميع البشر. فالجماعات الدّينيّة غير المجتمعات المدنيّة ولها الدور الخطير في الحيلولة دون تكريس المجتمع المدنيّ المتشبّع بحقوق الإنسان وبالقيم الإنسانيّة.

لذا نقول بأنّ الرموز الدّينيّة مرآة عاكسة للأنا الجمعيّة لجماعة دينيّة ما.

والجدير بالذكر أنّ هذه الرموز الدّينيّة قد اكتسبت صفة التقديس وارتبطت بالمقدّس أضحت من المقدّسات الّتي يحظر التفكّر فيها.

و قد أنشأ الإنسان الرموز الدينيّة كما أنشأ الأساطير والخرافات وبذلك تحكّم في المقدّس. غير أنّ الملفت في الأمر أنّ أولئك الّذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الدّين ومتحكّمين في المقدّس يسعون جاهدين إلى تفعيل الرموز الدّينيّة (الحجاب، اللحى الطويلة،الجبّة، الجبهة المعلّمة…) لتظهر كعلامات دينيّة سياسيّة تُدلّل على مدى تديّن هذا المجتمع أو ذاك. فكانت هذه الرموز- العلامات مقياسا يقاس من خلاله مدى تديّن أصحابها. كما كانت بمثابة ردّ فعل دفاعيّ على ما يعتبرونه هجوما على الدّين الإسلاميّ.

والطريف في الأمر أن تتحوّل تلك الرموز أو المظاهر التّديّنيّة إن صحّ التعبير بعضا من مظاهر الدفاع عن الهويّة أو صون الخصوصيّة الثقافيّة.

ومن الملاحظ تزامن بروز هذه الرموز الدّينيّة إلى السطح من جديد مع ما تعرفه الحريّات الأساسيّة من نكوص وارتكاس، إضافة إلى ما تستشعره هذه المجتمعات من هزائم عسكريّة وثقافيّة وفكريّة وعلميّة أمام الآخر، بمعنى انتهاك الحقوق الأساسيّة داخليّا والاستهداف من الآخر خارجيّا، ما جعل من عودة مظاهر التّديّن إلى البروز من جديد تكاد تكون حتميّة تاريخيّة.

والطريف في الأمر أيضا تزامن كلّ ذلك مع استشراء قنوات الشعوذة والسحر من جهة وقنوات أخرى دينيّة تفتي وتُحلّل وتُحرّم كلّ شيء. الأولى تدّعي “العلم الرّوحانيّ” وتعلن الحرب على العلم وعلى الطبّ وتدعو الناّس إلى التداوي ببعض آي أو سور القرآن أو بترداد بعض الأدعية وإلى التبخّر ببعض أنواع البخور، وتُرجع أمراض البشر إلى سيطرة الجان والشياطين. و أمّا الثانية فتدعو إلى ثقافة الحجاب و تفتي في كلّ شيء وتحرّم كلّ شيء حتّى أضحى كلّ ما يأتيه الإنسان من سلوك هو من باب الحرام والمحظور وغير المباح.

وما نريد التنبيه إليه في هذا السياق هو أنّ مظاهر التديّن هذه الّتي باتت مستشرية في أغلب الدول العربيّة الإسلاميّة، لاسيّما في بعض الدول الّتي تُعدّ الأكثر علمانية في سياستها وطرائق تفكير شعبها، هي مظاهر استعراضيّة يقصد إليها الخطاب الإسلاميّ السيّاسيّ قصدا.

فهذه العلامات أو الرموز أو المظاهر الدّينيّة هي بمثابة الشعارات المتنقّلة الّتي يُعبّر من خلالها الخطاب الإسلاميّ المتشدّد عن مقولاته.

لنعد إلى رمز من الرموز الدّينيّة وهي تلك العلامة أو “الزبيبة” على جبين المصليّ الّتي كثيرا ما جعلتني أتساءل: هل هي فعلا نتيجة لكثرة السجود أم أنّها تُصنع صنعا من قبل ذلك الّذي يحملها ليقول للآخر: ” أنا متديّن أكثر منك…، أنا مصيري جنّة النعيم والحور العين وأنت…”. و قد قال لي ذات مرّة تلميذ لي وقد أخذنا النقاش مأخذا بأنّ تلك العلامة على الجبين تُصنع باستعمال ” الثوم”. لم أكن متأكّدة من هذه المعلومة ولكنّي متأكّدة من أنّ تلك العلامة التي على الجباه ليست بفعل السجود أو على الأقل ليست دائما بفعل الصلاة فوالدي يصليّ منذ سنين عديدة ولكنّ جبينه غير معلّم وفي المقابل أرى صبيانا معلّمي الجباه.

كما أن تلك المحجّبة وهي تضع الحجاب تقول لغير المحجّبة بأنّها تفوقها تديّنا ولذا يقال عن التّي ترتدي الحجاب:” فلانة تديّنت” و كأنّ تديّنها لا يكتمل إلاّ بوضع الحجاب، وكأنّها وحدها التّي ستفوز بجنّة النعيم و سواها من السافرات مصيرهنّ الجحيم… ولست متأكّدة إن كان مصيرها في الجنّة سيكون كمصير الرجال أم سيكون مصيرها في الآخرة كمصيرها في الأولى؟

ونظنّ أنّه يمكن اعتبار هذه الرموز الدينيّة بمثابة الأسلحة الوحيدة التي يُتقنها الخطاب الإسلاميّ المتشدّد دون أن ننسى ما يمتلكه من الأسلحة البشريّة الملغومة التي تكون عادة أجسادا شابة فتيّة…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق