الرّومنطيقيّة، أوّل عولمة ثقافيّة

 الرّومنطيقيّة لم تمت، هذا لا لبس فيه بالنّسبة إلى  العاطفيّة الأنيقة والفاتنة الّتي تضطلع الرّومنطيقيّة بالإشارة إليها في لغة التّسويق العالميّة، بل  لا نبالغ إذا اعتبرنا هذه الظّاهرة الحضاريّة الواسعة، الّتي انتشرت تدريجيّا  منذ نهاية القرن الثّامن عشر انطلاقا من بريطانيا العظمى وألمانيا في أوروبّا كلّها وفيما عداها، هي التّجسيد الأوّل لعولمتنا الرّاهنة.


 دون شكّ  أنّه قبل ظهور الرّومنطيقيّة،  كانت هناك نماذج ثقافيّة محدّدة قد أمكن فرضها مرارا وتكرارا، بطريقة مهيمنة وامبرياليّة، على مجموعة واسعة من الأقاليم أو الدّول :   لنتذكّر هنا مثلا في العصور القديمة قوّة التّجنيس الهائلة للهيمنة الرّومانيّة. وفي هذه المرّة، وفقا للمنطق الكوسموبوليتي، شهدت أوروبّا الأنوار بدورها في صلب نخب اجتماعيّة محدودة، ، تشكّل نوع من أمميّة للثّقافة تفوّق فيها، بمنأى عن الحدود، الشّعور بالتّقارب الفكريّ والفنيّ لدى أقلّيّة من المحظوظين happy few على الشّعور بالانتماء القوميّ. ولكنّ العولمة شيء آخر تماما : فهي تقتضي من جهة أولى تعميم أنماط اجتماعيّة عبر لعبة المبادلات متعدّدة القوميات عوضا عن تأثير الهيمنة السّياسيّة المباشر والحصريّ، كما تقتضي من جهة أخرى انخراطا جماعيّا وكثيفا في هذه الأنماط. بداية، لقد استوفت الرّومنطيقيّة هذين الشّرطين. وثانيا، لا بدّ من أن نتّفق على معنى هذه الكلمة. إنّ الرّومنطيقيّة لا تمثّل فحسب الحلم اليوطوبيّ بتوليفة متناغمة بين العقل والإحساس، بين الذّات والعالم، بين ما هو نفسيّ وما هو ماديّ – أو كذلك لو عدنا إلى الصّيغة المستهلكة اليوم، بين النّفس والجسد – في المجال العشقيّ. بل تقتضي كذلك أن تتحقّق هذه الرّغبة في التّناغم، الّتي تحكم دون وعي منّا معظم تصوّراتنا الحسّيّة الأكثر بساطة، في مصائر الشّعوب أيضا بحيث يصل الأفراد الّذين يشكّلون المجتمعات إلى شكل من السّعادة المشتركة.


  هذا البعد الاجتماعيّ والشّعبيّ للرّومنطيقيّة هو تحديدا ما يفسّر قابليّتها للعولمة : لقد احتاجت العولمة الثّقافيّة، بشكل متناقض، إلى أن يأخذ الشّعور الوطنيّ منذ البدء مكان مبدأ الخلافة الملكيّة وأن يعطي الشّعوبَ الوعيَ بقوّتها الجماعيّة. زد على ذلك أنّ الطّبيعة السّياسيّة للرّومنطيقيّة هي الّتي تسمح بفهم أنّ فرنسا كانت في قلب هذا المسار الكونيّ حتّى عندما تأتي المبادرة  كما رأينا من جيرانها الأنجليز والألمان. لقد كانت الثّورة الفرنسيّة في الواقع التّجسيد السّريع، الفاتن والمرعب معا، لهذه الأسطورة السّياسيّة للرّومنطيقيّة التّي كانت موجودة في أفق جميع ثورات القرن التّاسع عشر – في فرنسا وفي أوروبّا ثمّ عبر أمريكا اللاّتينيّة كلّها – وكانت مخبرا عظيما ودائما للتّجربة الدّيمقراطيّة، ممتلئة بالثّقافة الرّومنطيقيّة الفرنسيّة وأسمى إلى حدّ بعيد من الرّسم الكاريكاتوري الّذي روّجته عنها الطّباعة السّينماتوغرافيّة.


  رومنطيقيّ أيضا هو المذهب اللاّئكيّ للجمهوريّة الثّالثة، ورومنطيقيّة هي الثّورة الرّوسيّة بكلّ نسخها العالميّة والعالم – ثالثيّة، وكذلك هي، مثل الكثير من الزّوائد المنحرفة والضّارّة، جميعُ شموليات القرن العشرين وديكتاتورياته.


  الفعل الرّومنطيقيّ إذن متعدّد الأشكال ويطال جميع وجوه الحياة. فقد كان هناك الفنّ والأدب بطبيعة الحال : ولكنّهما ما كانا ليعنيا شيئا، رغم شعبيتهما العالميّة بالأمس واليوم، دون البقيّة بأكملها الّتي تعطيهما معنى. فالرّومنطيقّة قبل كلّ شيء هي، فلسفيّا، موقف معيّن من الحياة والواقع، قائم على ضرورة وجود انسجام كونيّ، ونجد له أثرا من جديد في المثاليّة الصّوفيّة للطّوائف الدّينيّة المعاصرة، وفي النّزعة الإنسانيّة الوجدانيّة الّتي هي ضرورة مطلقة في سياساتنا المعاصرة، وفي الخطاب الأيكولوجيّ الّذي يتّجه نحو أن يكون فلسفتنا الجديدة في التّاريخ. والرّومنطيقيّة أيضا، سياسيّا، هي المنبع المتدفّق للفكر الدّيمقراطيّ، حتّى وإن حوّل  تلاحم الثّقافة الأنجلو – سكسونيّة مجراه بشكل ملحوظ. من جهة أخرى، توجد رومنطيقيّة الوجدان، وهي تصوّر معيّن عن الشّعور والحبّ انتشر بفضل السّينما والتّلفاز في العالم بأسره، ومن الإجحاف الاستهزاء به سريعا لأنّ هذا الاعتبار لما هو حميميّ قد يكون أحد أكثر الأحداث أهمّيّة في ثقافاتنا الحديثة. وفي هذا الصّدد، لا شيء أقوى  من الرّومنطيقيّة الشّعبيّة ولا أكثر حيويّة منها : فأمس الأوّل كانت رومنطيقيّة الميلودراما أو الرّوايات المسلسلة لديما Dumas، وبالأمس كانت رومنطيقيّة السّينما الشّعبيّة الضّخمة (لجوان فيل لوبون Joinville-le-Pont أو سيناي سيتّا Cinecittà أو هوليود) واليوم هي رومنطيقيّة جميع القصص الخياليّة – بالصّور كانت أم بالكلمات أم بالأصوات – الّتي تطفح بها  وسائل الإعلام في جميع البلدان.


  إنّ الرّومنطيقيّة، حين يُنظَر إليها بالطّريقة الأكثر عموميّة ومنفصلةً عن إنجازاتها التّاريخيّة المتنوّعة، من القرن الثّامن عشر حتّى أيّامنا هذه، ليست في آخر الأمر سوى نمط شامل للحياة يتعلّق بجميع مظاهر الوجود : أي بطريقة الاعتقاد والالتزام والحبّ والتّسلية والتّخيّل والتّصرّف… صحيح أنّها لم تؤثّر بقدر متساو في جميع الشّعوب ولا في جميع الطّبقات، بيد أنّ هذا لا يمنع كونها أصبحت نوعا من المعيار المشترك والمستبطن إلى حدّ بعيد بحيث انتهى الأمر إلى تطبيعها، وأنّها أصبحت بالخصوص لغة كونيّة تمّ رهن الحوار بين الثّقافات بها : من هنا حدثَ سوء التّفاهم وانعدام الفهم مع جميع من ظلّوا، باختيار أو بسبب الظّروف التّاريخيّة، خارج هذه الرّومنطيقيّة المعولمة.


قطعا، إنّ للعولمة اليوم خصوصيات أخرى عديدة  تفسّر حداثتها الجذريّة : خصوصيات جغراسياسيّة واقتصاديّة وديمغرافيّة وتكنولوجيّة الخ. ولكن، يكفي الإصغاء إلى الجلبة الإيديولوجيّة الّتي ترافق، مثل موسيقى الوجدان السّاحرة، هذه التّحوّلات المذهلة حتّى نتبيّن بسرعة جميع قوالب الأمس (الاجتماعيّة والعرقيّة والثّقافيّة والنّفسيّة) وحتّى نشكّ في أنّنا لم نخرج، ولو تحت شكل منحطّ في العمق وغير مسيّس وفق عبارة بودلير، من العولمة الرّومنطيقيّة القديمة للقرن التّاسع عشر.

الرّومنطيقيّة وثورة الوسائط الإعلاميّة :


  إنّ مفتاح العولمة الثّقافيّة هو وجود نظام إعلاميّ شديد الفعاليّة إلى حدّ يعطي الانطباع بالتّزامن ويوهم بالحضور الكلّيّ. وبالنّسبة إلى رومنطيقيّة القرن التّاسع عشر، كان الأمر الجديد والحظّ الكبير هو في ظهور أوّل وسيلة إعلام حديثة ونجاحها، ألا وهي الصّحيفة المجعولة للإخبار والتّرفيه معا. إنّ ولادة هذه الصّحافة الّتي كانت تقوّي فعاليتَها المنافسةُ بين النّموذجين المتنافسين الكبيرين (الأنجليزيّ والفرنسيّ) هو الحدث الكبير في ذلك العصر. فمن روسيا القيصريّة حتّى أمريكا الجنوبيّة كانت الصّحف هي الفواعل المتحمّسة في الثّورة الرّومنطيقيّة الّتي كانت إذن، في بادئ الأمر، ظاهرة استثنائيّة من طراز عالميّ، والأولى من نوعها. وبفضلها، صار بيرون Byron ، الّذي سافر ليحارب إلى جانب اليونانيين ضدّ الأتراك، نجما عالميّا مشهورا على طريقة مالرو Malraux ، وينبغي أن نفكّر في نجوم السّينما أو الرّياضة لنتمثّل الشّهرة الفائقة للامرتين Lamartine أو بلزاك أو ديما  Dumas أو هيغو.


  انطلاقا من الرّومنطيقيّة، ستعيش الثّقافة إذن على إيقاع أنماط الوسائط الإعلاميّة (الموسيقيّة والأدبيّة والتّصويريّة والمتعلّقة بالأزياء والسّياحيّة…) المنتشرة في ما يوجد في العالم من بلدان متغوربة قليلا أو كثيرا، وقد أفاد هذا الوسيط الإعلاميّ قبل كلّ شيء المدينةَ الرّومنطيقيّةَ بامتياز، باريس، مدينة الأناقة والملذّات، الفرجة والثّورات، المركز الأسطوريّ والتّهويميّ للكون الرّومنطيقيّ.


  أخيرا، إذا كانت الرّومنطيقيّة عالميّة إلى هذا الحدّ فذلك لأنّ ثورة ثقافيّة أخرى قد بدأت معها، ولم ننته بعد من تقدير أهمّيّتها : إنّها ثورة الصّورة. لا يتعلّق الأمر مرّة أخرى بالسّينما ولا بالتّلفاز ولا حتّى بالتّصوير الفوتوغرافي. ولكن، بفضل التّكنولوجيات الجديدة للطّباعة الّتي دشّنها النّشر الرّومنطيقيّ، فإنّ المطبوعات هي القنوات الّتي يتدفّق منها تيّار متصاعد من الرّسوم التّصويريّة الّتي تجعل من الكتاب أو الصّحيفة واجهة زجاجيّة يمكن فيها لأيّ كان حيثما كان أن يستفيد مثل جميع المعاصرين له من مشهد العالم، أو أن يحلم بالصّور الملوّنة في نفس القصص المبتَدَعة. في هذا المسرح المعولم للثّقافة الإعلاميّة، لن يتوقّف البرنامج عن التّغيير بطبيعة الحال، غير أنّ السّتار لن ينزل من الآن فصاعدا.

–  المقال منشور على الموقع الالكتروني Sciences Humaines.Com في Dossier Web بعنوان L’histoire globale.
–  Alain Vaillant  أستاذ الأدب الفرنسيّ في جامعة باريس- Χ ننتار، مدير تحرير مجلّة Romantisme، ألّف خصوصا : بودلير، شاعر هزليّ، منشورات ران الجامعيّة، 2007. وكتاب أزمة الأدب، الرّومنطيقيّة والحداثة، ألّيڨ، 2005. وكتاب تاريخ الأدب الفرنسيّ في القرن التّاسع عشر، ناتان، 1998، وأعاد طبعه بمنشورات ران الجامعيّة، 2006.  

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق