الزعماء اللبنانيون، بُناة الهشيم

يحق للبنانيين جميعاً وعلى اختلاف انتماءاتهم وطوائفهم ابداء اشد القلق والخشية من الآثار التي قد تترتب على جريمة قتل الشابين زياد قبلان وزياد غندور بعد خطفهما. والحق أن القادة السياسيين اللبنانيين قد أبدوا حرصاً شديداً وبذلوا جهوداً مضنية في محاولة تطويق الذيول الأهلية التي قد تنجم عن حادثة كهذه في بلد وضعه قادته على حافة الانهيار الأمني. واجتهدوا أيما اجتهاد في تأجيج مشاعر الانقسام والعداوات المتبادلة بين اللبنانيين. لكن حجم التخوف من نتائج وآثار هذه الحادثة ما كان ليكون كبيراً ومقلقاً إلى هذا الحد لولا أن الانقسام الأهلي في لبنان بلغ حداً لم يعد ممكناً تلافي آثاره وتطويق نتائجه لمدة طويلة.

في هذه المناسبة لا يسع المرء، خصوصاً إذا ما كانت الفاجعة تجمعه بأهل الفقيدين، بوصفه يتشارك مع هؤلاء في العيش في بلد على شفير الانهيار، إلا أن يبدي أعلى درجات التعاطف والتضامن معهم، لأن المرء حين تكون هذه حاله، وهذا موقعه، يعرف أن المغدوريْن ليسا الضحيتين الوحيدتين في هذه الحادثة، بل أن الناجي والمعزي والمتضامن إنما يتضامن من موقع كونه ضحية أيضا في هذه اللعبة الخطيرة التي يُعرّض البلد لتبعاتها.

أي قراءة باردة لحدث حار كالحدث الذي شهده لبنان في الآونة الأخيرة، لا بد أن تصطدم بجملة من الوقائع ينبغي أخذها في الاعتبار. فالجريمة كما يصفها السياسيون جميعاً ليست سياسية. أي أن القرار السياسي بارتكابها أو تغطيتها ليس متوافراً. وهي في هذا المعنى في اسوأ أحوالها قد تكون جريمة مدبرة من طرف خارجي له مصلحة صريحة وواضحة في تفجير الوضع اللبناني برمته، وفي ألطف أحوالها جريمة ثأر عائلي تنصلت منه السياسة وعرابوها. لكن الآثار والنتائج التي يتخوف منها اللبنانيون لا تعادل حجم الجريمة المفترض. بل تفوقها بأضعاف مضاعفة وتتجاوزها نحو اندلاع فتنة أهلية لا تبقي ولا تذر. والحال، فإن جريمة فردية بهذا الحجم المحدود، يمكنها أن تجر البلاد إلى حرب أهلية ساخنة، لا يقوم للبلد بعدها قائمة، يجب أن تحضنا على إعادة التفكير ملياً في أحجام القوى السياسية ومقدراتها وفي استحقاقها أن تقود جماهيرها سياسياً وأهلياً وعسكرياً على حد سواء.

واقعة أن قادة البلد ومقدميه مهددون في أمنهم، ومعرضون للتصفية الجسدية باتت في لبنان من نوافل البدائه التي يعرفها جميع اللبنانيين. فقادة حزب الله يعيشون في ظل حماية أمنية ويتحركون وفق ترتيبات أمنية معقدة تكاد تجعل من حياة هؤلاء جحيماً لا يطاق. ذلك أن هؤلاء القادة مستهدفون إسرائيلياً كما لا يخفى على احد. وحيث أن قدرة حزب الله والدولة اللبنانية مجتمعة على حماية قادته من أي هجوم إسرائيلي يستهدفهم فرادى أو زرافات شبه معدومة، فإن هؤلاء يستعيضون عن انعدام القدرة بالتخفي والعيش في الملاجئ المحصنة، لكن قادة حزب الله وفريق 8 آذار عموماً لا يشعرون بأي تهديد من الجانب الآخر الذي يهدد قادة 14 آذار ويغتالهم كلما سنحت له فرصة في السياسة أو الأمن. والعكس صحيح من دون أي تعديل أو تبديل. والحال أن قادة الفريقين، الذين ينقسم الشعب اللبناني تحت راياتهم يقودون البلد من الملاجئ المحصنة، ويعجزون عجزاً بيناً عن المشاركة في حياة سياسية طبيعية. فكل اجتماع بين الطرفين يخضع لتحضيرات أمنية معقدة تكاد تشغل اللبنانيين جميعاً وتعطلهم عن أعمالهم. بل أن أعمال طاولة الحوار في وسط البلد كانت قد عطلت وسط البلد تعطيلاً كاملاً من قبل أن يحتله معتصمو حزب الله والتيار العوني ومن يحالفهما في ساحتي رياض الصلح والشهداء.

ذلك أن اجتماع قادة البلد في مؤتمر حوار أو على طاولة واحدة يقتضي أن يعطل البلد برمته وأن يستنفر جيشه وأجهزته الأمنية استنفاراً شاملاً، ليتم بسلام ومن دون كوارث وحوادث بالغة الخطورة. لكن هؤلاء القادة الذين لا يستطيعون عقد اجتماع من دون التحوط الشديد لاغتيال أحدهم أو جميعهم، لا يعرفون من العمل السياسي والشعبي غير وسيلة واحدة هي التحشيد الجماهيري الضخم الذي يريدونه كل مرة استفتاء على شعبيتهم الجارفة. الأمر الذي يتناقض جوهرياً مع عيشهم في الملاجئ والحصون. رغم ذلك ألف اللبنانيون مشهد الزجاج الواقي من الرصاص الذي يخطب من خلفه زعماؤهم، وهو مشهد لم تعرف له الحركات الشعبية الحاشدة مثيلاً في تاريخ الثورات من لينين وتروتسكي وحتى فيديل كاسترو وهوغو شافيز وأحمدي نجاد. انه بعض الابداع اللبناني، الذي قد يشع على أرجاء المعمورة بعد حين، حيث يجمع القادة اللبنانيون صفتين متناقضتين، صفة المقاتل ورجل العصابة والخارج على القانون التي يمثلها أسامة بن لادن وأبو ومصعب الزرقاوي، الخائف من الشعب نفسه، والذي يدير سياساته بعقلية رجل الأمن المرتاب بالجميع، وصفة القائد الكاريزمي التي يمثلها جمال عبد الناصر وفلاديمير اليتش لينين والذي يدير سياساته على أساس قدرته على تحريك الجماهير والتماهي مع مطالبهم وتطلعاتهم. وفي الجمع بين الصفتين دعوة بالغة الوضوح للجماهير المحتشدة للاقتصاص من سجاني القادة ومهدديهم، وتأجيج مشاعر الغضب العشائري على عشائر الخصوم ولو كان هؤلاء شركاءهم في الوطن. (غني عن القول ان القادة الذين يريدون هزيمة أميركا في لبنان لا يستطيعون هزيمتها من الملاجئ).

ليس هذا التناقض هو التناقض الوحيد الذي يطبع سلوك القادة اللبنانيين جميعاً. بل ثمة تناقضات لا تحصى في سلوكاتهم لا يقرها أي منطق. إذ يجمع هؤلاء جميعاً على تطلب وحدة البلد، لكن مقاتلي حزب الله ومناصريه يحتلون وسط مدينة بيروت وهو عصب الاقتصاد اللبناني الحديث. وبصرف النظر عن محاولات الجميع اقتناص السوانح الدستورية لتبرير ما يقومون به، فإن انتهاك وسط المدينة واحتلاله يضرب العصب الحقيقي للاقتصاد اللبناني عموماً، وهو مثلما يفترض به يجب ان يكون شأناً عاماً ويهم جميع القوى السياسة من دون استثناء. لكن الأمور لا تجري على هذا النحو في لبنان، بل أن الهيئات الاقتصادية اللبنانية تدعو ملحاحة إلى هدنة مئة يوم لكي يتسنى للاقتصاد اللبناني أن يعوض شيئاً من خسائره الفادحة، من دون أن تجد أذناً صاغية أو تفهماً من السياسيين. وإذا كان هذ شأن حزب الله وحلفائه في الاقتصاد، فإن شأن فريق 14 آذار في موضوع آخر لا يقل أهمية وتطلباً للإجماع الوطني أمر وأدهى.

فحين يدور الحديث عن السياسة الدفاعية أو الهجومية أو أي سياسة من أي نوع حيال دولة اسرائيل، لا يجد قادة 14 آذار غير إجابة مبهمة ومتقادمة العهد: العودة إلى مفاعيل هدنة 1949. وهذه هدنة مرت عليها أزمان وحروب وتغيرات ووقائع، ولم تعد موضع اتفاق أو توافق، أو موافقة إسرائيلية عليها. ما يعني غياب أي تصور لشكل العلاقة السياسية التي يريد أن يبنيها اللبنانيون في فريق 14 آذار مع إسرائيل، وهذا في حد ذاته نقص لا يمكن سداده بدعوات من قبيل ضرورة أن تبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، لأن مثل هذه النظرية لا تصمد أمام سؤال بسيط من نوع: من يستطيع أن يقدم للسيد حسن نصرالله وقادة حزب الله ضمانات أمنية تحول دون قيام إسرائيل باغتيالهم إذا ما فكك حزب الله منظومته الأمنية وانتظم تحت إطار سلطة الدولة الجامعة؟

والحق أن هذا غيض من فيض التناقضات التي تحفل بها السياسات اللبنانية المنقسمة مبنى ومعنى. لكن أدهاها وأمرها وأكثرها إثارة للشفقة هو ادعاء كل فريق من الفرقاء اللبنانيين القوة الكافية لمواجهة تطورات المرحلة المقبلة، وتأكيدهم في مناسبة وغير مناسبة استحالة انجرارهم إلى الحرب الأهلية. وفي هذا السياق اتت حادثة خطف الشابين وقتلهما والتمثيل بجثتيهما لتكشف ما كان قد بقي مستوراً من هزال الحياة السياسية اللبنانية وخطل ادعاءات ممثليها الشرعيين. فحين تكون الخطابات خطابات حرب أهلية والمواقف مواقف حرب أهلية، والانقسامات انقسامات حرب أهلية، ويصر القادة على الحؤول دون تحول هذه الانقسامات السياسية إلى انفجارات أمنية، يبلغ عزم هؤلاء القادة حداً من الهشاشة لا تخفيه التصريحات المنمقة، ولا المواقف العنترية عن انتصارات لبنانية في كل مجال. حيث يستطيع شاب متهور او مجموعة من المراهقين إقلاق راحة القادة جميعاً ويجعلونهم يجندون كل طاقاتهم المعنوية والمادية للحؤول دون خروج الأمور عن السيطرة. الأمر الذي يعني بداهة، أن مقدمي السياسة في لبنان وزعماء الحشود الطوائفية المليونية باتوا من الضعف والهزال إلى حد أنهم يخشون أشد الخشية أن يصطدم درزي بشيعي في حادث سير عرضي، فيشعل هذا الحادث النار في هشيمهم، وليس كل ما بنوه إلا هشيماً لا يصلح إلا أن يكون طعماً للنار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق