الزندالي : من تجلّيات ثقافة المضادّة بتونس

لا شكّ أنّ عنوان المقال الذّي نحن بصدده، قد يطرح لدى البعض عدّة تساؤلات حول المصطلحات ودلالتها ومقاصدها، وهو ما سنطرحه في البداية لتطويق الغموض الذي يحوم حول مصطلحي “الزّندالي” و”الثّقافة المضادّة”.
“الزندالي” هو أحد فروع موسيقى “المزود”، الذي يمثّل شكلا من أشكال الموسيقى الشّعبيّة “الحضريّة” بتونس. هذا النّمط عادة ما ينسب إلى السّجون والسّجناء الذين يغتنمون فسحة “اللآريا” (Aria) لتأليف الأغاني التي تروي مآسيهم، وتوقهم إلى الحريّة. يتّهم هذا النّمط بالبذاءة بالانحطاط وقلّة اللّياقة، ممّا جعل العديد من الباحثين في الموسيقى الشّعبيّة والعلوم الموسيقيّة يتحاشون الخوض في تفاصيله ورموزه ودلالاته، ويقول الصّادق الرّزقي صاحب كتاب “الأغاني التّونسيّة” الذي يعود تاريخه إلى الثّلث الأوّل من القرن العشرين، حول أغاني الزّندالي: “هي من أغاني السّوقة، لا تتورّع عن البذاءة أحيانا، منحطّة في أخيلتها وتعابيرها …” [1] ويضيف فتحي زغندة في كتابه حول الطّريقة السّلاميّة: “أغاني الزّندالي عبارة عن أغاني المساجين، ولعلّ هذا المنطلق يفسّر اشتمال هذا النّوع من الغناء على ألفاظ مستهجنة غير لائقة وإن كانت ألحانها مستعذبة” [2]. وإن كانت موسيقى الزّندالي مادّة ثريّة للبحث في حيثياتها وخصوصيّاتها الموسيقيّة، فإنّنا في هذا المقال سنتناولها بمقاربة أنتروبولوجيّة لنقف على دلالاتها الإجتماعيّة والثّقافيّة.

في البداية نرى من الضّروري الخوض في إيتيمولوجيا المصطلح. لفظ “زندالي” مشتقّ من “زندالة” وهو سجن كان متموقعا بضاحية باردو[3]، بتونس العاصمة. والتّسمية “زندالة” ظهرت نتيجة التّأثير العثماني إبّان حكم البايات في تونس، حيث أنّ هذا اللّفظ يعود إلى كلمة Zindan والتي تعني في اللّغة التّركيّة “السّجن”. [4]
أمّا “الزّنادلة” (ممارسي هذا النّمط الموسيقي) فلقد انهالت عليهم كتابات النّخب التّونسيّة بشتّى أنواع الألفاظ التي تحمل في طيّاتها نزعة احتقاريّة للطّبقات الشّعبيّة مثل: السّوقة، الأوباش، سقط المتاع، المجرمين، الرّعاع، “الزّوفريّة” (مشتقّة من كلمة les ouvriers باللّغة الفرنسيّة وتعني العمّال وتطلق في اللّهجة العاميّة التّونسيّة على الصّعاليك والمتسكّعين).[5]

هذه الأحكام المسبقة والمسقطة، كانت نتيجة عاديّة للتّصادم الحاصل بين ثقافة النّخبة من جهة والثّقافة الشعبيّة والثّقافة المضادّة (La contre-culture) من جهة أخرى. حيث أنّ النّخب عادة ما ترفض التّمرّد على الضّوابط الاجتماعيّة والسّياسيّة التي يرسمون ملامحها ويقدّمونها على أنّها المنهج السّويّ والقويم في الحياة، وكلّ خروج عن النّمطيّة الأخلاقيّة أو الدّينيّة تعتبر جريمة عقوبتها التّهميش. والسّؤال المطروح هنا: ماهي المواضيع التي تتطرّق إليها أغاني الزّندالي لكي تجابه بالإقصاء؟

إنّ المبرّرات التي تقدّمها النّخب (البَلْدِيَّة – أصيلي الحاضرة) لرفضهم أغاني الزّندالي والمزود عموما، تعتمد على الضّوابط الأخلاقيّة والدّينيّة من جهة والفنيّة من جهة أخرى. حيث يجدون أن موسيقى المالوف (الموسيقى التقليديّة التونسيّة ذات الأصول الأندلسيّة) هي الموسيقى الوحيدة التي تشبع رغباتهم الفنيّة والطّربيّة. ويقول الصّادق الرّزقي في مدح المالوف: “فالأندلسويّون بلغوا في الشّعر والنّغم والتّوقيعات أقصى الدّرجات، فشادوا أركان هذه الفنون على القواعد العلميّة المتينة، ممّ تقدّم التّلميح إليه، فاخترعوا، وألّفوا، وعرّبوا من اللّغات شّيئا كثيرا، وكثر الشّعر بينهم، وتوفّرت أسبابه وتعدّدت مناحيه وعظم التّصابي به، فتلطّفت الطّبائع ورقّت الخواطر، وسما الذّوق.” [6]

هذا المدح يقابله في نفس الكتاب لنفس الكاتب ذمّا وتجريحا للفئات المتبنّية للموسيقى الشعبيّة فيقول: ” وبعض القهاوي العربيّة المنحطّة – وجلّها كذلك – يستخدم (الرّبوخ) وهو أنّ جماعة من سوقة العامّة يحسنون بعض الأغاني الدّارجة – التي هي غاية في السّقوط – ويحسنون نقر الدّربوكة والتّوقيع على المندولينة. وألحانهم مزعجة بضرب الأكفّ والغوغاء، فيجلسون في القهاوي حلقة، ويتغنّون بأغانيهم …” [7]

وفي الحقيقة، فإنّ عذوبة الألحان والنّغمات ليست حكرا على المالوف، فالحكم على جودة الأعمال الفنيّة عموما، يبقى حكما ذاتيّا خاليا من الموضوعيّة، خاضعا لذوق الفرد أو المجموعة.

أمّا في ما يخصّ الظّوابط الأخلاقيّة والدّينيّة، فعادة ما تبرّر النّخب معاداتها للزّندالي والمزود باحتواء كلمات هذه الأغاني على مواضيع محظورة مثل الخمر أو الجنس. وفي ما يلي بعض العينات:

موضوع الخمر
يا عمّي صالح … ويني الكليمة اللّي قلناها البارح
هيّا نديروها …. والعين الكحلا هيّا نجيبوها
يا عمّي ساسي … والشريبة الحمرا طلعت في راسي
قاع الدبّوسة … عليه نخسر ناسي مع من نشربوها [8]

موضوع الجنس
خيار المحبّة في الدّار … وبنات صغار
وأنا بيدي نختار … المليحة ليّا
خيار المحبّة في سرير … والعشق يصير
وسط ملاحف حرير … أنا والبنيّة [9]

لكن الغريب في الأمر أنّنا لا نجد أيّ احتراز على هذه المواضيع، عندما ترد في أغاني المالوف مثل :

يا حبيبي فرّجني … هذا هو زمن الفرجة
بايت نسكر ونغنّي … ما بين ليمة وترنجة

أو

إملا واسقيني يا أهيف … يا سيد الغزلان
من شراب صافي مقرقف … يبري الضّمآن

فالتعلّل بالأخلاق والدّين في رفض أغاني المزود والزّندالي مجانب للحقيقة، لأنّ أغاني المالوف لا تخلو من خروج عن ظوابط رسمها النّخب أنفسهم. وفي الحقيقة فإنّ تبنّي الفئات الشّعبيّة لهذا النّمط الغنائي هو الذي أدّى إلى نفور البلديّة منه. فلقد “كان من العار والفضيحة أن يستقدم “البَلْدي” هذه الجماعات [الزّنادلة والمزاوديّة] في منزله في أفراحه” [10] كذلك فإنّ مواضيع الزّندالي وما تحتويه من تمرّد وتنديد بالسّلطة والمطالبة بالحقوق، واستنكار ممارسات النّخب أدّى حسب رأينا إلى تجاهل المثقّفين والطبقات البورجوازيّة والحكّام لهذا النّمط الغنائي.

فالزّندالي، بكونه أغاني الصّعاليك الذين ذاقوا مرارة السّجون، يتضمّن نزعة سياسيّة تحرّريّة تتراوح بين السّخريّة من النّخب والسّلطة، والشّكوى من الظّلم والقمع والاستبداد والطّوق إلى العدالة، حاملا بين طيّاته مدلولات إجتماعيّة تعبّر عن ثقافة مكتملة المعالم لفئة الزّنادلة. ولعلّ أغنية “إرضى علينا يا الأمّيمة” للمغنّي الشّعبي صالح الفرزيط من أكثر الأغاني استنكارا لممارسات السّلطة:

إرضى علينا يا الأمّيمة … رانا مضامين
نستنّاوا في العفو يجينا … من ستّة وسبعين
إرضى علينا يا الأمّيمة … رانا مضامين
التّفتيشات اتبّع فينا … حتّى الملّاسين
إرضى علينا يا الأمّيمة … رانا أولاد صغار
التفتيشات اتبّع فينا … حتّى لباب الدّار [11]
يقول صالح الفرزيط: “يعتقد الجميع أنّ هذه الأغنية تعبّر عن الضّيم في السّجن وانتظار العفو الرّئاسي (نستناوا في العفو يجينا من ستّة وسبعين) لكن المقصود بالعفو هنا، استرجاع الحقوق المدنيّة، لأنّني غادرت السّجن في سنة 1976 ومن يغادر السّجن في تلك الحقبة، لا يمكنه العمل والانخراط من جديد في المنظومة الاجتماعيّة والاقتصاديّة ويكون مآله في الأخير العودة إلى السّجن. فألّفت هذه الأغنية للمطالبة بحقوقي” [12].

كما تتضمّن أغنية “إرضى علينا يا الأمّيمة” تنديدا بممارسات السّلطة: “التفتيشات اتبّع فينا حتّ الملّاسين” والملّاسين هو من الأحياء الشّعبيّة الفقيرة المتاخمة لتونس العاصمة، أمّا التّفتيشات فهي فرقة أمنيّة تابعة لوزارة الدّاخليّة إبّان الحكم البورقيبي كانت مهمّتها مجابهة النّزوح إلى المدن الكبرى وترحيل النّازحين إلى مسقط رؤوسهم. ويقول صالح الفرزيط في هذا الصّدد: “كانت تحاول السّلطة التخلّص منّا (في إشارة إلى الزّنادلة) مهما كان الثّمن وكانت فرقة التّفتيشات آداتها الظّالمة والمتسلّطة لتطبيق سياساتها” [13]

كذلك نجد أغنية “قالوا مجدة مشى وتفيّا” التي تفضح ممارسات القضاء الذي تمسك السّلطة بزمامه، وفي ما يلي مقتطف منها:

قالوا مجدة مشى وتفيّا … عند وكيل الجمهوريّة
محمّد فرحات
محمّد فرحات وأعضاده … والنّاس الكبرى بشهادة
ورفعت الجلسة
رفعت الجلسة وحكموه … بعد المال اللّي صرفوا بوه
على محمّد فرحات
قالوا مجدة مشى وغبر … واسموا ما عاد يتذكر
من تونس تمحى
من تونس تمحى وتفيّا عند وكيل الجمهوريّة
محمّد فرحات

“مجدة” هو تصغير لاسم مجيد أو عبد المجيد – “مشى وتفيّا” أي ذهب أدراج الرّياح، في إشارة لصدور حكم قاس في حقّ مجدة – محمّد فرحات هو وكيل عام للجمهوريّة مقرّب من بورقيبة [14] – وردت في الأغنية اتّهام مباشر لمحمّد فرحات بالارتشاء (بعد المال اللّي صرفوا بوه على محمّد فرحات) أي رفعت الجلسة وحاكموه بالرّغم من الأموال التي أعطاها والد مجدة لوكيل الجمهوريّة محمّد فرحات. كما نجد في الأغنية، إشارة إلى الأحكام طويلة المدى التي ترمي بالإنسان في غياهب السّجون والنّسيان – مشى وغبر واسمو ما عاد يتذكر من تونس تمحى.

إنّ النّزعة السّياسيّة التي وردت في أغاني الزّندالي التي قدّمناها وغيرها، كانت من الأسباب الجوهريّة للتّصادم الحاصل بين السّلطة و”الزّنادلة” وهو ما أدّى في السّبعينات من القرن الماضي إلى صدور قرار بورقيبي، بمنع بثّ موسيقى المزود والزّندالي بالخصوص في الإذاعة والتّلفزة التّونسيّة. لكن الذّاكرة الجماعيّة كانت أقوى من التّهميش والإقصاء، فحفظت هاته الأغاني وتواترتها الأجيال حتّى بداية التّسعينات من القرن الماضي، حيث شهدت موسيقى المزود عموما والزّندالي بالخصوص، انتشارا ورواجا واسعا عند مختلف الفئات الاجتماعيّة، فأصبح “المزاوديّة” نجوما يفرضون نسقهم على سوق الإنتاج الموسيقي في تونس.

هذه الأغاني التي أوردناها، ليست إلاّ عيّنة صغيرة من رصيد أغاني الزّندالي، التي تتطلّب مجالا أوسع لمزيد دراستها وتحليل مضامينها. لكن هذه العيّنة قدّمت الدّليل على أنّ الثّقافة المضادّة تترعرع وتبرز عندما تتحوّل الثّقافة الرّسميّة إلى أداة قمع وتسلّط ومدخل إلى تهميش وإقصاء الآخر المختلف.

قائمة المصادر والمراجع
[1] الرزقي (صادق)، الأغاني التونسية، تونس، الدار التونسية للنشر، الطبعة الثانية، 1989، ص. 245.
[2] زغندة (فتحي)، الطريقة السلاميّة في تونس أشعارها وألحانها، تونس، بيت الحكمة، 1991، ص. 78.
[3]LARGUECHE (Abdelhamid), Les ombres de la ville : Pauvres, marginaux et minoritaires à Tunis (XVIIIème et XIXème siècle), Tunis, centre de publication universitaire, 2ème édition, 2002, p.154.
[4]ZARINEBAF (Fariba), Crime and Punishment in Istanbul 1700-1800, California, University of California press, 2010. P. 243.
[5] أنظر : “الأغاني التونسيّة” للصادق الرّزقي وكتاب ” الطريقة السلاميّة في تونس أشعارها وألحانها” وكتاب محمّمد الأصرم “شذرات متفرّقة في الموسيقى”
[6] الرزقي (صادق)، الأغاني التونسية، ص. 44.
[7] الرزقي (صادق)، الأغاني التونسية، ص. 98.
[8] خواجة (أحمد)، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية: حالة تونس الحاضرة، قبيل الحماية وأثناءها وبعدها، سلسلة أضواء، تونس، أليف – منشورات البحر الأبيض المتوسط، 1998، ص. 181.
[9] خواجة (أحمد)، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية: حالة تونس الحاضرة، قبيل الحماية وأثناءها وبعدها، ص. 177.
[10] خواجة (أحمد)، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية: حالة تونس الحاضرة، قبيل الحماية وأثناءها وبعدها، ص. 174.
[11] هذه الصّيغة الأصليّة لأغنية “إرضى علينا يا الأمّيمة” مدّنا بها المغنّي صالح الفرزيط في مقابلة معه بتاريخ 15-11-2011.
[12] صالح الفرزيط، مقابلة بتاريخ 15-11-2011.
[13] صالح الفرزيط، مقابلة بتاريخ 15-11-2011.
[14] منصور الشّفي، فصل جديد من تاريخ الإتحاد العام التونسي للشغل (5)، جريدة الشّعب.
http://www.echaab.info.tn/pop_article.asp?Art_ID=8852

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق