الزيّ والذميّ الدمشقي في العصر العثماني المتأخر (1/2)

” لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب”، عبارةٌ تقليدية أصبحت رديفاً لحديث معظم الكتّاب والدعاة العرب عند وصفهم للفتوحات الإسلامية أو الخلفاء المسلمين، لكنّ الحديث عن المحبة الأسطورية والتسامح اليوتوبي الذي يصوّر المسلمين “كمبعوثي سلامٍ من الأمم المتحدة” لا يلقى صدىً بين صفحات التاريخ، فالمسلمون- لاسيما في طور تأسيس الدولة – كانوا مجموعة من القبائل البدوية لم تستطع دائماً الالتزام بأوامر النبيّ محمّد، وكثيراً ما كانوا تصرّفوا وفق عقلية الغنائم والسبي، مما قادهم للهزيمة في معركة أحد بعد مخالفتهم تعاليم نبيّهم!

فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تكن مذبحة بني قريظة-التي تتفاوت الأرقام في تعداد ضحاياها ما بين (600) إلى (900) رأسٍ تدحرجت في خنادق حفرت لهذه الغاية1- انقلاباً أبيضَ، ولم تقتصر على الرجال بل نالت من الصبية أيضاً، حيث يروي الطبري والبلاذري وابن كثير أنّ المسلمين قد قتلوا كلّ من أنبت منهم-يقصد شعر العانة-2، كما يؤكّد لنا رواة السيرة والأخبار جميعاً، أنّ غزوة خيبر قد فشا فيها إتيان المسلمين لنساء اليهود على ملأ، ففشت السبايا الخيبريات في المسلمين، إلى حدّ دفع النبيّ إلى وقف اغتصاب النساء الحبالى، مناشدا رجاله: “لا يحلّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره”.3

كما تجلّى التسامح العربيّ في مقتل الإمام الحسين مقتلا وحشيا، وإذلال آل بيت محمّد على يد جيش يزيد بن معاوية مؤسّس الحضارة العربية الإسلامية الأموية !

لا أهدف من بحثي هذا إلى الدفاع عن المسيحيين واليهود ولا مهاجمة المسلمين، فعقلية التعصّب وإلغاء الآخر تشكّل أساساً لكينونة واستمرارية الديانات والأحزاب جميعاً دون استثناء؛ لكني أتناول حقبةً تاريخيةً تعرّي دجل التاريخ العربيّ الذي لا يقوى على الوقوف أمام أخطائه، علّه ينهض من سباته الأزليّ، ويستبدل جمجمته الطافحة برمال الصحراء بعقلية نقدية متناغمة مع إيقاع العقل الكونيّ الأعظم وصيرورة الإنسانية.

ومن المؤسف أنّ تناول حدثٍ تاريخيٍ في زمن مضى قد يثير زوبعةً في البلاد العربية والإسلامية، ومازال الشيعة والسنة في العراق مثلاً يقتتلون ويتجادلون في أحقية علي أو أبي بكرٍ بالخلافة! ولم يختلف أسلوب تعامل الطالبانيين في أفغانستان مع الآخر، شيعياً كان أم مسيحياً أو يهودياً، عن أسلوب تعامل بعض الولاة العثمانيين ورجال الدين الذين فقدوا آنذاك وظيفتهم التنويرية ليلعبوا دوراً تحريضياً في توجيه عامّة المسلمين لإذلال ما عرف بأهل الذمّة.

ولا بدّ لنا من القول بأنّ التضييق المتطرف على أهل الذمّة قد جرّ الاستخبارات الأجنبية إلى بلاد الشام، والتي بلغت أوج نشاطاتها خلال القرن التاسع عشر؛ وعملت على استقطاب اليهود والمسيحيين من خلال منحهم البراءات السلطانية (وهي تسهيلات وامتيازات حصل عليها الأجانب من خلال المعاهدات والامتيازات التي قدمتها السلطنة العثمانية لأوربا دون مقابل)، وقد شكل هؤلاء فئة المستأمنين والمتفرنجين ومثلّوا طبقة البرجوازية الوسيطة. وكان حاملو البراءة (الحمايا) في دمشق بلا استثناءٍ من أبناء الأقلّيتين المسيحية واليهودية، وإنه لمن الصعب تقدير أسباب عدم منح الأوربيين الحماية للمسلمين. ومن المرجح أن العثمانيين لم يكونوا ليقبلوا بهذا الأمر، أو أنّ أصحاب الرساميل من المسلمين كانوا مطمئنين إلى مقدرتهم على التعامل مع الأوربيين دون الحصول على وضع “الحمايات”. ومن المحتمل أيضاً أنّ الأوربيين كانوا متحاملين على المسلمين المحليين. فمثلاً رأى القنصل البريطاني ريتشارد وود -الذي كان مسؤولاً عن حصول عددٍ من يهود دمشق على وضع “الحمايات”- في “الأفندية والأعيان” عقبة في وجه الإصلاحات اللازمة. وعبّر عن عدائه للشريعة الإسلامية وممثليها “العلماء”.4

وقد تمادى أصحاب “الحمايات” وبدعمٍ من القناصل الأجانب ونوابهم في استفزاز المسلمين، ونهب أموالهم من خلال كسبهم لمعظم الدعاوي القضائية عن حقٍّ وغير حقّ.

فمثلاً نقرأ في إحدى وثائق محكمة التجارة في مركز الوثائق التاريخية بدمشق ما تعرّض له بعض الحرفيين من إلزامهم من قبل الشركات الأجنبية باستلام البضائع المستوردة، مهما كان نوعها، ولو كانت غير مطابقة للمواصفات المطلوبة، نتيجة التدخل الأجنبي الواسع في شؤون السلطنة العثمانية5، تقول الوثيقة:”ادّعت شركة ألبير بياجني تابعية إيطاليا على خياط من تبعة السلطنة بالشام، وقد حكم عليه بإلزامه باستلام الجوخ غير المطابق للمواصفات المتفق عليها بالمقاولة (الاتفاق) وتغريمه رسوماً بلغت(196 غرشاً)”.6

وحتى القناصل أنفسهم تمنعوا عن دفع أجور بعض العمال لديهم ليتخلصوا من الواجبات. واعتبروا الناس خدماً لديهم، لا يستحقون أجورهم حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

” أن محمود الفحام القواص*عند قونسلاتو دولة إنكلترا، يطالب بدين 9 ليرات عثمانية والقونسلاتو ممتنع عن الدفع”7 كما أخذ أغنياء اليهود في نهاية القرن التاسع عشر يفتشون عن دمشقيين يملكون أراضي وعقارات، جنوب سورية، ويريدون تأجيرها أو بيعها. وإذا تمنعوا كانوا يغرونهم بمبالغ كبيرة من المال وخاصة في مناطق فلسطين وحوران والقنيطرة والجولان8.

وقد لعبت أسرة روتشيلد اليهودية الشهيرة ذات التبعية الفرنسية، دوراً مهماً في الاستيلاء على مساحاتٍ واسعة في قضاء القنيطرة؛ حيث نقرأ في إحدى الوثائق “استأجر هرون مدير مكتب الأليانس الإسرائيلي بدمشق الشام، من طائفة اليهود ومن تبعية دولة فرنسا المعرّف به من قبل جبران لويس أحد وكلاء الدعاوي، أراضي من حضرة الموسيو البارون إدمون بن هامس ده روتشيلد من تبعية دولة فرنسا الموجود الآن بباريس، حسب ما وكله بموجب الوكالة المحررة لدى مقاولات مدينة باريس باللغة الفرنساوية …” ثم تعدد الوثيقة أسماء الأراضي والقرى التي تم استئجارها مع تحديد حدودها والأجرة والمدة المتفق عليهما.9

كما لعبت المدارس الإرسالية والتبشيرية دوراً سلبياً في تمزيق الصف المسيحي بين كاثوليك وروم وبروتستانت، وعملت على إذكاء نار الفتن بينهم وتقسيم ولائهم بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا والنمسا..

ولم تكن العلاقات بين طوائف دمشق المسيحية طيبة، بل كان كلٌ منها يدسّ للآخر، وورد ذلك في تقريرٍ رفعه والي سورية عبد اللطيف صبحي باشا إلى الصدر الأعظم بتاريخ (الأول من ذي الحجة 1288هـ/الموافق الحادي عشر من شباط 1871م)، شكا فيه من بطريرك السريان الكاثوليك ووصفه بأنه “رجل مزور ومحتال يسعى دائماً لإثارة المتاعب للولاية عن طريق إغراء جماعة من أبناء طائفته بمهاجمة كنيسة الأرمن الكاثوليك بدمشق وإتلافها” واقترح إبعاده عن دمشق.10

وفي سنة (1235هـ/1820م) تولّى محمد درويش باشا- الصدر الأعظم السابق- الولاية على دمشق، واستمرّ فيها حوالي ثلاث سنوات، وكان سيروفيم بطريرك الروم الأرثوذكس آنذاك وكانت له السلطة على كنيسة الروم الكاثوليك رغم انفصالها عن كنيسته، وقد حصلت بينه وبين الكاثوليك سلسلة من المشاحنات دفعته إلى اتهامهم بالتواطؤ مع الإفرنج ثم التآمر على قتله11؛ وقد تمكّن بعد بضعة أيام من استحصال قرارٍ ” بتحقير النصارى ومنعهم أن يرتدوا ثياباً حمراء ولا سيما الحذاء الأحمر، وفي يوم صدور الأمر كان في بيت ميخائيل مشاقة بضعة من عيون لبنان أحذيتها من النوع المحظور فخافوا أن يخرجوا خارج البيت قبل أن سودوها”.12

استغل ولاة دمشق الصلاحيات الكبرى التي منحهم إياها الباب العالي لابتزاز الكاثوليك والأرثوذكس على حدّ سواء، ونهب أموالهم، وإيقاد نار الفتنة بينهما.

وكان المسيحيون السوريون ألعوبةً للباشوات الأتراك وتعصبهم وأنانيتهم حيث كانوا يصبون عليهم جام غضبهم حينما تهيج القبائل الإسلامية، وكانوا يفرضون عليهم الغرامات عندما يحتاجون للنقود. كما كانوا يحاولون بازدرائهم أو اضطهادهم للمسيحيين نيل حبّ المسلمين وثقتهم. حيث كان الحرص على الإسلام آنذاك يتجلى دوماً في بغض الأديان الأخرى.13

{{مفهوم الذمّيّة}}

عرف الفقه الإسلامي هذا الاصطلاح بأنه يطلق على من يجوز عقد الذمّة معهم من أهل الكتاب، كاليهود والنصارى في ديار الإسلام، واعتبر المجوس من أهل الذمّة وأخذت منهم الجزية، واعتبر السامرة والصابئة من أهل الذمّة بشرط أن يوافقوا اليهود والنصارى أصل عقيدتهم؛ وكان دفعهم الجزية مقابل حماية الإسلام لهم وكانوا يعفون من الخدمة العسكرية. وخصصت لهم الدولة العثمانية في ولاية دمشق ديواناً خاصاً بهم لجمع أموال الجزية أطلقت عليه اسم “ديوان الجوالي”. ورغم تكليف بعض اليهود بجمع أموال الميري كملتزمين، إلا أنّ أموال الجزية لم تدخل في شروط التزامهم الأموال الميرية.14

يقول بن عابدين:”الجزية خراج رأس وهذا أمارة المجاز، وبنيت على فعلة دلالةً على الهيئة التي هي الإذلال عند الإعطاء، أو تسمى جالية من جلوت عن البلد جلاء الفتح والجد: خرجت، وأجليت مثله، والجالية: الجماعة، ومنه قيل لأهل الذمّة الذين جلاهم عمر(رض) عن جزيرة العرب: الجالية؛ ثم نقلت الجالية إلى الجزية التي أخذت منهم، ثم استعملت في كل جزيةٍ تؤخذ منهم. وإن لم يكن صاحبها جلى عن وطنه. فقيل: استعمل فلان على الجالية، والجمع الجوالي. فإطلاقها على الجزية مجاز بمرتبتين؟ قوله: (لأنها جزت عن القتل) أي قضت وكفت عنه، فإذا قبلها سقط عنه القتل. أو لأنها وجبت عقوبةً على الكفر كما في الهداية.”15

وكانت الجزية تؤخذ من الذمّيّ بنفسه فيعطيه قائماً والقابض قاعداً وتدفع الجزية بأول السنة على عكس خراج الأرض.16

ويجب أن تكون يد المؤدّي (الذمّيّ) أسفل ويد القابض أعلى، كي لا يفوت المأمور به من إذلاله عند العطاء، قال تعالى ” حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون” (سورة التوبة: الأية29)، وفي روايةٍ: يأخذ بتلابيبه ويهزه هزاً، ويقول: أعط الجزية يا ذمي. وقوله: (ويصفعه في عنقه). لكن الأخذ بالتلابيب والهز والصفع لا شكّ يؤذيه، لذا ردّ بعض المحققين من الشافعية ذلك بأنه لا أصل له في السنة ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين.17

كان وضع الذمّيّ معلقاً بين التفاسير والفتاوى، وكانت حياته برمّتها مرهونةً بالتأويلات الفقهية التي تنتقي ما تشاء من القرآن والسنة والإجماع والقياس؛ وتنسب ما ترغب بفرضه إلى النبيّ محمّد. وإذا كانت الشريعة الإسلامية بالنسبة للمسلمين ديناً وقانوناً، فهي بالنسبة لغير المسلمين قانون ما داموا يعيشون في ديار الإسلام.

{{أهل الذمّة في العصر العثماني}}

ورثت الدولة العثمانية وضع الذمّيين من المماليك بعد احتلالهم بلاد الشام (1516م) وتركتهم على حالهم السابقة حتى قيام التنظيمات في الدولة العثمانية، في عهد السلطان عبد المجيد (1839-1861م).

وراعت الدولة العثمانية شروطاً لدخول أهل الذمّة في ذمة الإسلام، شأن ما سبقها من الدول الإسلامية، وكانت الشروط مستحقّة ومستحبّة، أمّا الشروط المستحقة فكان على الذمّيّ ألا يذكر القرآن بطعنٍ فيه ولا تحريفٍ له، أو الرسول بتكذيب له ولا ازدراء، أو دين الإسلام بذم له ولا قدحٍ فيه، وألا يصيب مسلمةً بزنى ولا باسم نكاح، وألا يفتن مسلماً عن دينه، وألا يتعرض لمال المسلم ولا دمه، وألا يعين أهل الحرب على المسلمين.18

أما الشروط المستحبة فكان على الذمّيين أن يلبسوا الغيار(وهي ملابس ذات لونٍ مخالف للون لباس المسلمين) مع شد الزنار، وألا تعلو أصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم ولا قولهم في عُزير والمسيح، وألا يتجاهروا بشرب الخمر، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم، وألا تعلو أبنيتهم فوق أبنية المسلمين، وألا يخفوا دفن موتاهم، وألا يجاهروا بالندب عليهم والإناحة، وأن يمتنعوا عن ركوب الخيل ولا يُمنعوا من ركوب البغال والحمير.19

وكانت مخالفة أهل الذمّة للشروط المستحقة تعتبر بمثابة نقض للعهد مع المسلمين، أما مخالفتهم للشروط المستحبة فلم تعتبر كذلك. إلا أنّ الجهل الذي سيطر على البصائر والتعصب الذي ران على الأفئدة في هذه الفترة، بسبب تركة الحروب الصليبية وما تلاها من أحداث، قد أجّج تلك النار، فاعتبر الذمّيّ الذي يخالف الشروط المستحبة، كأنه مخالف للشروط المستحقة، الأمر الذي عرضه للإهانة في بعض الأحيان، على يد الجهلة من عامة المسلمين، وأحياناً أخرى للقتل على يد بعض عناصر السلطة الحاكمة في دمشق.20

وباستعراض أحداث تلك الفترة في دمشق نجد أنّ جام الغضب انصبّ على المسيحيين أكثر من اليهود، للأسباب السالف ذكرها، إضافةً إلى استمرار الصدام بين الدولة العثمانية المسلمة والدول الأوربية المسيحية، فتراءى لهؤلاء أنّ لبعض المسيحيين على صلةٍ بالأوربيين، ولم تكن السلطات بعيدةً عن تأجيج تلك النار لتشدّ المسلمين إليها، باعتبارها الرابطة الوحيدة التي تربط السكان العرب المسلمين بها.

لهذا كانت معاملة اليهود على يد السلطات العثمانية أفضل من معاملة المسيحيين، ومن جهةٍ أخرى اندمج يهود دمشق شأن يهود البلاد العربية، في حياة العرب، وتمتّعوا بجميع الحقوق التي يتمتع بها المواطنون العرب، وهذا أمر لم يتوفّر لليهود في أي مكانٍِ آخر.21 وكان السلطان محمد الفاتح قد سمح لليهود بالاستقرار في إسطنبول وعيّن لهم “حاخام باشي” أو حاخاما أكبر، وخلع عليه سلطات واسعة على كلّ يهود الإمبراطورية شبيهة بتلك التي كان يمارسها بطريرك طائفة الروم22.

قام النظام العثماني مبدئياً على إقصاء الأتراك أنفسهم عن مراكز السلطة السياسية وأهمّ أقسام الجيش الممثلة بالفرق الإنكشارية؛ التي كان السلطان يعهد بها إلى العبيد المولودين مسيحيين وخطفوا في طفولتهم ليربّوا في مدارس خاصة. وقبل نهاية القرن السادس عشر لم يكن ممكناً لأيّ تركيّ ولد حرّاً أن يصبح انكشارياً أو أن يتولّى وظيفةً حكوميةً هامّة، وفي مثل هذا النظام كان وضع اليهود في مجالهم مماثلاً لوضع الانكشاريين في مجالهم. وهكذا كان وضع اليهود في أفضل أحواله عندما كان النظام منفصلاً عن الشعوب التي يحكمها، ومع قبول الأتراك أنفسهم (وبعض المسلمين الآخرين، قبل الألبانيين) ضمن الطبقة الحاكمة في الإمبراطورية العثمانية، أخذ وضع اليهود بالتدهور. ولكنّ هذا التدهور لم يكن حاداً بسبب استمرار الطابع التعسّفي اللاقومي للنظام العثماني.23

وقد حكمت الدولة العثمانية عدداً كبيراً من أهل الذمّة فاق كثيراً عدد أهل الذمّة ممن كانوا قد خضعوا لحكم دولٍ إسلاميةٍ سابقة، وبقي عدد أهل الذمّة في الدولة العثمانية أكثر من عدد المسلمين فيها، إلى أن استولى العثمانيون على البلاد العربية بعد انتصارهم على المماليك في معركة مرج دابق عام 1516م. وقد عاملت الدولة العثمانية أهل الذمّة باعتبارهم أعضاء في طوائف ينتمون إليها، ويعود ذلك إلى طبيعة التنظيم العام للمجتمع العثماني، والذي انقسم بموجبه إلى قسمين كبيرين هما جماعة المسلمين وطوائف غير المسلمين من مسيحيين ويهود، أما الأجانب من غير المسلمين فقد عرفوا باسم “مستأمنين” أي الذين منحوا أماناً، وهم لا يعتبرون من رعايا السلطان العثماني.24

{{موضة أزياءٍ أم زيٌّ عنصري}}

ينكر معظم الباحثين العرب ذوي النزعة الإسلاموية التمييز ضدّ من سمّوا بأهل الكتاب أو أهل الذمّة، ويمضون أبعد من ذلك فيصوّرون الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة وكأنها جنّة أهل الكتاب على الأرض؛ فمثلاً يعتبرون الأزياء التي فرضت عليهم بألوانها المحددة مسألةً اجتماعيةً بحتة بذريعة أنه لا يمكن الحديث عن أزياء يهودية، لأنّ الأزياء، شأنها شأن اللغة، رموز اجتماعية لا يبتدعها المرء وإنما يتلقاها من المجتمع، وقد يحاول التغيير في بعض التفاصيل.25

لا أدري إن كان تجاهل الواقع والتاريخ يلغيانهما، ففي الحقيقة اتخذت بعض المحددات الفقهية الخاطئة في العالم الإسلامي، لاسيما في الألبسة والأبنية، صبغةً إلزامية مما ساهم في الإيحاء بأنّ أهل الذمّة وحدةٌ مغايرة داخل محيط العالم الإسلامي،26 وألزم أهل الذمّة (النصارى واليهود والسامرة) بزي خاص يميزهم عن المسلمين، وإن تشابه الجميع في قطع الزيّ فقد اختلفوا في ألوانها وأطوال ملبوس الرأس، وفرضت عليهم بعض القيود في مجال البناء وركوب المطايا وطريقة مخاطبة المسلم.

ونجد لدى ابن طولون الدمشقي الذي يروي تاريخ الشام ما بين خروج المماليك ودخول العثمانيين إشارةً إلى هذه القيود الإلزامية ففي “يوم الأحد رابعه (عام 923هـ/1517م) نودي بدمشق أن لا يركب فرساً، ولا حماراً، ولا غير ذلك، نصراني ولا يهودي ولا سامري ولا إفرنجي في دمشق، ولا في مجامع الناس من ضواحيها “.27

وكان اليهود قبل عام (1009 هـ/1600 م)، يرتدون على رؤوسهم قبعاتٍ حمراء بدون حواف، ولكن في حدود ذلك التاريخ أصدر الصدر الأعظم أوامره بإجبارهم على ارتداء القبعات الزرقاء (التربانات) على أن يبقى الشاش أحمر، وحتى اليهود الأوربيون في الدولة العثمانية أجبرهم الحاخام بالتقيد بذلك. أما السامرة فمنذ أوائل عهد السلطان ناصر بن قلاوون امتازوا بزيّ خاص يميّزهم عن اليهود الربانيين والقرائين، وفرض التمييز في التربانات فيما بين أهل الذمّة، من حيث حجمها ولون شاشتها على أن يكون التربان لدى اليهودي أصغر من تربان المسيحي، وتربان المسيحي أصغر من تربان المسلم.

وقد ألزم أهل الذمّة في هذه الفترة من العهد العثماني بارتداء الغيار في الملبس الذي يميزهم عن المسلمين، ويميزهم فيما بينهم، فألزم النصارى باللون الأزرق أو الكحلي، واليهود القرّائين والربّانيين باللون الأصفر والسامرة باللون الأحمر.28

وكان اليهود يطلقون لحاهم ويرخون سوالفهم، ولقد أبطل السلطان العثماني قبل (1799م /1213-1214 هـ) لبس القاووق(وهو من ملابس الرأس أسطوانية مستديرة الشكل).29

ويخبرنا مؤلف مجهول معاصر لتلك الأحداث عن لبس القاووق،” ففي ذاك الزمان كان هناك ترتيبٌ قديم يقضي بلبس قواويق ذات شاشٍ أبيض بالنسبة للإسلام وشاشٍ كحلي بالنسبة للنصارى وشاشٍ أحمر بالنسبة لليهود وكلٌ معروفٌ أمره ولا أحد يتعدى الرسوم، والذي كسمه شال لا يمكنه يلبس قاووق”

ولكن مع مجيء العسكر آنذاك من بلاد الروملي(الولايات العثمانية الأوربية) صار هؤلاء ” يلتفتون للنصارى أرباب القواويق يظنونهم أغنياء فيبلصونهم*ويهينونهم مع اليهود. فالتزموا الجهتين أن يغيروا لبس القواويق وتلبسوا شال سنجابي و كحلي، واليهود أبطلوا لبس الأحمر وصاروا يلبسون حكم (مثل) النصارى حتى ما عادوا ينعرفون إلا من لهم سالف شعر”30.

“أما الإسلام (المسلمين) فإنهم بقيوا على كسمهم يلفون على القاووق شال أبيض والأشراف أخضر إلى بعد مدة سنين صدر أمرٌ سلطاني بإبطال لبس القاووق كليا،ً ولم يعد له وجود ولا أحد يعرفه من المحدثين”.31

وفرض على المسيحيين وضع صليبٍ من الحديد أو الرصاص أو النحاس في رقابهم عند دخولهم الحمامات، وحرّم عليهم ركوب الخيل والبغال النفيسة داخل دمشق عدا الرئيس الديني، وحرّم عليهم حمل السلاح والتقلد بالسيوف، ولبس العمائم الزاهية32.

كما شدّد والي دمشق الكنج يوسف باشا الخناق على أهل الذمّة بعد توليه ولاية دمشق في شهر صفر من عام (1222هـ/1807م)؛ ” فبعد أيام من توليه صدر منه أمرٌ بمناداة أنّ النصارى لا يشربون خمراً وعرقاً والذي عنده يهرقه خارجاً، وأنه بعد ثلاثة أيام ينزل بنفسه يفتش بالبيوت، ومن وجد عنده درهماً واحداً يقتله حالاً. فخاف النصارى ونزعوا كل ما عندهم. ثم أمر أيضاً أن النصارى لا يدخلون الحمام بين الإسلام بل لهم يومان بالجمعة ويكون لحمام المسك والخراب فقط لا غير. ومنها أنه يبطل لبس المقصب والمصاغ لكامل النساء إسلام ونصارى..”33

وبعد عجز هذا الوالي عن هزيمة الوهابيين الذين استولوا على طريق الحج وفشله في فتح هذه الطريق، التي شكلت آنذاك عصب التجارة ومصدراً أساسياً من مصادر الدخل الدمشقية؛ “بدأ يختلق للدول العلية الأعذار الفارغة، ويدعي قلة جنوده، وطوراً وعورة الطريق، وأخذ يشغل الشعب عن الحج بأمورٍ تافهة، ومنها أنه أمر المسلمين بإطلاق لحاهم على السواء، ومن خالف الأمر جزاؤه الإعدام، وأمر النصارى أن ترتدي الأسود نساءً ورجالاً على السواء، واليهود الأحمر نساءً ورجالاً على السواء، مع أنّ الأسود كان شعار الدولة العباسية..”34وقد فرض هذا الوالي على الرجال والنساء لبس الأسود لحدّ الحذاء، كما فرض عليهم” أن يعلوا أبواب كنائسهم حتى إذا دخل المسلم لا يحني رأسه، وأن النصارى تكرم الإسلام ولا يرفعون أصواتهم عليهم على سائر الوجوه”.35

” كما أصبح كامل المسلمين من عمر أربعة عشر سنة وصاعداً يسيبوا (يرخون) لحاهم ويكحلوا عيونهم ويحنوا ذقونهم والذي يخالف لا يأمن ما يجري عليه. “36

كان فرض اللباس على أهل الذمّة شكلاً من أشكال التعبير عن السلطة وقدرة الوالي على السيطرة على أمور ولايته؛ فقد لعبت المناطق البعيدة عن متناول السلطة في دمشق، دوراً في تراخي قبضتها عن فرض تلك القيود، كما حصل لنصارى حوران وجبال القلمون.37 مما دفع السلطان محمود الثاني(1808-1839) إلى إرسال درويش باشا الذي كان صدراً أعظم إلى الشام، وكلفه سنة (1822م) بإعادة سلطة السلطنة العثمانية إلى بعض مناطقها، فأصدر درويش باشا قراراً يشدّد فيه على تقيد أهالي صيدنايا بقيود اللباس، وهذا هو النص الحرفي:

(( صدر مرسومنا هذا المطاع إلى مشايخ واختيارية أهالي قرية صيدنايا المسلمين، ليجروا بحسبه ويعتمده، فالبادي: هو أنّ النصارى عندكم عمال يقلدوا الإسلام في ملابسهم وعمائمهم ونعالهم، وتعدّوا درجاتهم، وخالفوا فهذا ضد إرادتنا ولم يُعط به رخصةٌ منا، فبناءً على ذلك بعثنا لكم مرسومنا هذا أجل أن تحذروهم، وتنذروهم من عواقب ذلك حالاً، وتنبهوا عليهم لا يلبسوا إلا ملبوس أزرق وعمامة سوداء ونعال سود، ولا تدعوهم يقلدوا المسلمين بشيءٍ لا نساءً ولا رجالاً، وإن بلغنا أن واحد تعدّى الحدود المذكورة، فماله لا يُغني عنه، وخطيئته في عنقه، ونطلع من حقكم وحقه، فبناءً على ذلك أرسلنا لكم مرسومنا هذا من ديوان الشام على يد رافعه فخر أقرانه جندي باشا أرقداش محمد آغا، فبوصوله تعملوا بموجبه وتتحاشوا مخالفته، إعلموه واعتمدوه، والحذر من الخلاف.

في 19رمضان سنة 1236هـجرية*.

الختم

محمد درويش38))

كان لون عمائم النصارى بشكلٍ عام خلال هذه الفترة الأزرق أو الكحلي، واليهود اللون الأصفر والسامرة اللون الأحمر. وفرض على النصارى أن يشدوا على أوساطهم الزنار وهو غليظ كالحبل ويشد إلى أوساطهم، أو يكون من الكتان فوق الثياب. ويبدو أن الزنار كان كافياً في بعض الأحيان لتمييز النصارى لأنه من لون الثياب الملزمين بلبسها.

أما نساء أهل الذمّة فقد قيدن بدورهن بأزياء مللهم، فكان على المرأة المسيحية أن تشدّ الزنار فوق ثيابها ومن تحت الإزار (الملاءة) الزرقاء(الكحلية)، وكان على المرأة اليهودية أن ترتدي الإزار الأصفر والسامرية الإزار الأحمر.39 وعند خروجها من بيتها كانت تلبس الإزار وتترك إحدى الذراعين حرة. 40

كما فرض على المرأة الذمّيّة انتعال خف من لونين متباينين ليميزها عن المرأة المسلمة. وفرضت على أهل الذمّة القيود في مجال بناء الجديد من أديرتهم وبيعهم وكنائسهم وحتى أبواب بيوتهم، بحيث تكون بارتفاعٍ معيّن حتى لا يضطر المسلم لخفض رأسه إذا دخلها.41

وقد كان التشدّد في قيود اللباس يخضع أحياناً لمزاج الوالي، فوالي دمشق محمد باشا العظم، مثلا، كان متساهلاً في ذلك، في حين كان والي دمشق الكردي الأصل الكنج يوسف باشا متعصباً، وقد تشدّد في ذلك42، فأرسل منادياً في الأسواق ينادي على النصارى أن لا يلبسوا أخضر ولا زيتي وأن الحريم يجعلوا أغطيتهم وملبوسهم أسود إلى المشد والبابوج.43

وقد اعتقلت” جماعة فلاحين من الجبل وزحلة متزنرين بحزام صوف أخضر يساوي خمسين فضة. فلما نظرهم الباشا تداخله العجب والانذهال وصار يصفق بيديه ويقول:ما هذا الحال! ويصير يستعفي من الإمام عمر بمطاولة النصارى. ثم التفت إليهم وقال: إيش (ما هو) مذهبكم. قالوا: نصارى، فقال:كيف تلبسون الأخضر وتتجاسرون على ذلك، فقالوا:كذا يلبسون بالجبل، فقال: هذا لا يجوز، يجب أنكم تسلموا وإلا أقتلكم. ومن الوهم (شدة الخوف) اثنين منهم أسلموا. أما الثالث زحلاوي فما ارتضى يسلم فأمر بقطع عنقه، فاحكى معه الخدام كثيراً وما رضي يفوت (يترك) دينه وقُتل بوقته، والذين أسلموا فيما بعد هربوا لبلادهم ورجعوا نصارى”.44

وقام بعض الولاة بمساومة النصارى، على مبلغٍ من المال مقابل غضّ الطرف عن قيود اللباس.45 وكان المسيحي حيثما مرّ وتوجه يُنعت بالكافر ويُشتم صليبه ويُحتقر وتُقلب عمامته ويُصفع ويُرفس، وكان إذا مرّ في حيّ المسلمين لحقه صبيان الأزقة معيرين قائلين له46:

” نصراني، كلب عواني.. دقوله بالصرامي..قالت أمه فينه..ضربة تقلع عينه”

وكان المسلم إذا مرّ بمسيحي يقول له :أشمل..يريد بذلك أن يسير عن يساره فيفعل صاغراً. وإذا كثرت الناس بين ذاهبٍ وآيبٍ كثر شقاؤه ولا يعلم كيف يذهب فيدعى للطورقة فيطورق أي يمشي في الطاروق؛ وهو عبارة عن منخفض في وسط الشارع تسير به البهائم ينحط عن رصيف المارة قدماً تقريباً وعرضه من أربعة إلى ستة أقدام تتجمع به الدواب محملةً وفي فصل الشتاء يجتمع به ماء الشتاء وفي الصيف الأقذار .47

استندت هذه التصرفات لتبرير شرعيتها الفقهية إلى حديثٍ منسوبٍ للنبيّ محمّد، ففي صحيح مسلم نقرأ:”حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز(يعني الدراوردي)عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيقه”48

وفي حديثٍ آخر يوصي النبي محمد أتباعه بعدم ردّ السلام الإسلامي كاملاً (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) بل الاكتفاء بكلمة (عليكم)، “..أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر عن جده أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ..”49

وكان كثيراً ما يُسخّر المسيحي من قبل أصحاب الدكاكين لقضاء حوائجهم. أو يستعملون إهانته واسطةً لإذهاب مللهم وتفريج كربهم فيناديه بعضهم تعال يا معلم، فيذهب إليه فيصفعه ويكلفه أن يذهب بحاجته أو يلبسه حذاءه أو يشتغل (عنه) شغلاً ما؛ وإذا كان مازحاً يهمس في أذنه شتماً أو إهانة أو يأخذ عمته ويصفعه على أمّ رأسه ويرمي العمّة إلى جاره وهذا إلى الذي يليه وهلم جراً ويقول له: اذهب وخذها منه، فيذهب فيكرّرون عليه العملية إلى أن يملّوا فيتركوه، وكانت تلك العمامة كبيرة مستحكمة الربط كي تتغلب على ما تقدم وتقي ضمنها ورقة الجزية لأنه لو سار خطوةً بدونهما عرّض نفسه لخطر الإهانة، لأنه قد يُفتش كل يوم مراراً وتكراراً وويلٌ له إن لم يبرزها عند كلّ سؤال.

وكان قانون الحكومة إذ ذاك يُكره المسيحي أن يحمل على كتفه كيساً يسمونه كيس الحاجة، وليس له أن يخرج من بيته بدونه، والمقصود من هذا الكيس أن يضع به من الأغراض وحوائج المسلمين ما يسخره هؤلاء بحمله من بقول وخضار وغيرها.50

واتفق غير مرّة أن النصراني كان يقضي يومه مسخراً ببعض الأوقات، رغماً عن كونه صاحب عائلة تعيش من عمله، ومضطراً للعمل لتحصيل قوتها، ومتى قضى يومه مسخراً باتت تلك العائلة بدون قوتٍ، أو تقتات على صدقات أهل الرحمة.51

ولكثرة تكرار هذه الحوادث صار المسيحيون يحسبونها أمراً اعتيادياً، وكانوا عندما يجتمعون في سهراتهم يسألون بعضهم بعضاً من نوع التباسط (الفكاهة) إن كم مرّة شُتمت وصُفعت وكم حملاً حملت فيقول هذا كذا وذاك كذلك.52

وفي طرابلس لم يكن يُسمح للمسيحيين بحمل جثة الميت على الأيدي، وعليهم أن ينقلوا الجثة على حمار ويتحملوا على الطريق إلى المقبرة إهانات السواد المؤمن.53

كما تزخر سجلات محاكم دمشق بالعبارات التحقيرية والإهانات التي كانت تستخدمها لنعت الذمّيّ فتصفه بالصعلوك والذمّيّ الهالك.54

توقف هذا التشديد على أهل الذمّة على الظروف الداخلية والخارجية التي أحاطت بالدولة العثمانية. فمثلاً عند هزائمهم أمام الأوربيين (المسيحيين) كانت تصدر الأوامر للتضييق على المسيحيين كما حصل إبان الثورة اليونانية، أو عندما تتكرر هزائم الدولة العثمانية أمام روسية، وعلى المستوى الداخلي والمحلي، لعب رعاع المسلمين والجهلة منهم دوراً في عملية الإذلال تلك، وشكل عقلاؤهم سياج حماية للمسيحيين.55

وفي فترة ولاية محمد درويش باشا حدثت حرب المورة (1236هـ/1821م) في البلقان بين الدولة العثمانية وروسيا؛ حيث رغبت الأستانة في الانتقام من مسيحيي دمشق كردّ فعلٍ على ما فعله الأوربيون بالمسلمين، ولم ينقذهم من ذلك سوى رفض علماء دمشق، الذين أوضحوا أنّ مسيحيي دمشق لم تبدر منهم أعمالٌ توجب ذلك، وأنهم ملتزمون بتقديم ما عليهم من واجباتٍ وفروض، معتمدين على الحديث النبوي: “من آذى ذمياً فقد آذاني”.56 وكان السلطان قد قتل البطرك كيرللس في إسلامبول (إسطنبول) مع مطارنة وقساوسة حيث شنقهم في يوم أحد الفصح بجرة أهل المورة؛ ثم أورد أوامر لقبرص بقتل مطرانها وجملة أناس، ثم جاء أمر بقتل ساروفيم بطرك الشام وخلصه درويش باشا، ثم جاء أمر بضبط سلاح من عند النصارى.57

ومنذ حادثة قيام المورة وشنق البطرك ضعفت شوكة بطرك الروم بدمشق، ورجع إليها جميع كبراء الكاثوليك النازحين منها مع قسوسهم اللذين كان البطرك ساروفيم قد نفاهم.58

{{عهدٌ جديد}}

بقيت أوضاع أهل الذمّة بين مدّ وجزر، مرهونةً بعقلية الولاة ورجال الدين والأحداث السياسية الناجمة عن حروب الدولة العثمانية الكثيرة، حتى دخول إبراهيم باشا إلى دمشق في (15 تموز،1832م/16 محرم،1248هـ)59 حيث أعلن المساواة التامة بين الدمشقيين “ومشى الرعايا جميعهم بالسوية النصراني واليهودي والمسلم حكم واحد”.60

وحدثت ثورة شعبية في مجال الحقوق المدنية ولا سيما الأزياء، لكن المسيحيين سيستغلون قانون المساواة للقيام باستفزازات عديدة تجاه المسلمين انتقاماً من سنوات الذل الطويلة مما سيقود بعد عقدين من الزمن؛ وبسبب التدخلات الأجنبية وتعصب والي دمشق أحمد باشا وبعض الأعيان ورجال الدين الدمشقيين، إضافةً إلى حاجة أوربة بعد الثورة الصناعية لذريعةٍ تمكنها من إدخال جيوشها وجواسيسها لاستغلال سوق بلاد الشام والمواد الخام التي تزخر بها، إلى حرب أهليةٍ مدمرة بدأت شعلتها في لبنان وامتدت لتلتهم دمشق في التاسع من تموز عام 1860.

وللحديث تتمة

ملاحظة: اقتضت أمانة البحث المحافظة على لغة المصدر الأصلي التي كانت مزيجاً من اللغة العربية الفصحى واللهجة العامية فاقتضى التنويه.

{{ الهوامش:}}

60 الطبري :تاريخ الأمم و الملوك، الجزء الثاني،منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت،نسخة مطابقة للنسخة المطبوعة بمطبعة ” بريل” بمدينة ليدن في سنة 1879، ص 250.

2 البلاذري : فتوح البلدان، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة،1956، الجزء الأول، ص 23.

الطبري :تاريخ الأمم و الملوك، المصدر السابق، ص 252.

ابن كثير: البداية والنهاية، الجزء الرابع، حققه ودقق أصوله وعلق حواشيه علي شيري، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص 144.

3 ابن هشام: السيرة النبوية، الجزء الثالث، الناشر: مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، ميدان الأزهر – مطبعة المدني، مصر،1963، ص 795.

4 شيلشر، لينا: دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترجمة عمرو الملاح ودينا الملاح، مطبعة دار الجمهورية، الطبعة الأولى، 1998، ص 105.

5 سركو، ماري دكران: دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني(1276-1908م)، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2008، ص64.

6 سجل محكمة التجارة (18)، ورقة (143)، تاريخ (1306هـ/1889م).

7 سجل محكمة التجارة رقم (118)، ورقة (144)، تاريخ (1333هـ/1918م). انظر أيضاً :سركو، ماري دكران: المرجع السابق، ص103.

*القواص :هو من يخدم القناصل من الأجانب الموجودين، خدمةً خاصةً لذاته ولحرمه. يصاحب القنصل أو حرمه ويمشي في الطريق أمام القنص لابساً أثواباً من الجوخ، مزخرفة بأنواع الشريط المقصب، متقلداً سيفاً أينما أراد القنصل الذهاب، ويكون ماشياً أمامه أو راكباً بجانب العربحي (سائق العربة) ويستخدمه بمهماته الخاصة. انظر القاسمي، محمد سعيد-القاسمي، جمال الدين–العظم، خليل: قاموس الصناعات الشامية، تحقيق ظافر القاسمي، جزأين في مجلد واحد، الطبعة الأولى، دار طلاس للنشر،دمشق، 1988، الجزء الثاني، مهنة 295، ص368.

8 سركو، ماري دكران: المرجع السابق، ص 89.

9 السجل رقم (1212)، الورقة (79)، تاريخ (1321هـ/1904م).

10 أرشيف إسطنبول، مجلس مخصوص، وثيقة رقم (1751)، تاريخ (1ذي الحجة 1288هـ)؛ نقلاً عن محمد عوض، عبد العزيز: الإدارة العثمانية في ولاية سورية،1864-1914م، دار المعارف، مصر، 1967،ص 317.

11 مشاقة، ميخائيل: منتخبات من الجواب على اقتراح الأحباب، تحرى نصوصها ووضع مقدمتها وفهارسها الدكتور أسد رستم وصبحي أبو شقرا، مخطوطة من العام 1873، الطبعة ثانية، منشورات المكتبة البولسية،1985،ص78-79.

12 مشاقة، ميخائيل– خليل عبده، ملحم– شخاشيري، أندراوس حنا، مشهد العيان بحوادث سورية ولبنان، مصر، 1908، ص77. راجع أيضا مشاقة، ميخائيل: منتخبات من الجواب، ص 80.

13 بازيلي، قسطنطين: سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني، ترجمة طارق معصراني، دار التقدم، موسكو،1989،ص162.

14 نعيسة، يوسف جميل: مجتمع مدينة دمشق (1772-1840)، الجزء الأول، دار طلاس، الطبعة الثانية، دمشق،1994، ص333.

15 ابن عابدين، محمد أمين: حاشية رد المحتار على الدر المختار، الجزء الرابع، دار الفكر، بيروت، 1995، ص 377-378

16 ابن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمّة، الجزء الأول، دراسة وتحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 2002، ص35.

17 ابن عابدين: المصدر السابق ، ص384.

18 الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق الدكتور أحمد مبارك البغدادي، الطبعة الأولى، 1989، ص184-185.

19 الماوردي: المصدر السابق، ص 185.

20 نعيسة، يوسف: يهود دمشق، الطبعة الثانية، دار المعرفة، دمشق، 1994، ص6.

21 نعيسة، يوسف: المرجع السابق، ص7.

22 محمد عوض، عبد العزيز: الإدارة العثمانية في ولاية سورية،1864-1914م، دار المعارف، مصر، 1967،ص 307.

23 شاحاك، إسرائيل: التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة، ترجمة صالح علي سوداح، الطبعة الأولى، دار بيسان، بيروت ،1995،ص 93.

24 محمد عوض، عبد العزيز: المرجع السابق، ص 301.

25 العجلاني، شمس الدين:يهود دمشق الشام، توزيع مكتبة العلبي، دمشق،2008، ص 397.

26 عناية، عز الدين: الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري، منشورات الجمل، كولونيا (ألمانيا)- بغداد، الطبعة الأولى،2006، ص 274.

27 ابن طولون الصالحي الدمشقي، شمس الدين: مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، وضع حواشيه خليل المنصور، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1998، ص 368.

28 نعيسة، يوسف جميل: مجتمع مدينة دمشق (1772-1840)، الجزء الثاني، دار طلاس،الطبعة الثانية،دمشق،1994، ص624.

29 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 631.

30 مؤلف مجهول، تاريخ حوادث الشام ولبنان أو تاريخ ميخائيل الدمشقي (1782-1841م)، تحقيق وتقديم أحمد غسان سبانو، دار قتيبة، الطبعة الثانية، دمشق،1982، ص23.

* يبلصونهم : يغرّمونهم، يصادرون أموالهم.

31 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص24.

32 نعيسة، يوسف جميل : مجتمع مدينة دمشق (1772-1840)، الجزء الثاني، دار طلاس، الطبعة الثانية، دمشق،1994، ص624.

33 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص37.

34 مشاقة، ميخائيل: مشهد العيان، ص68.

35 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص38.

36 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص39.

37 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 625.

38مشاقة،ميخائيل، مشهد العيان، ص28- 29. انظر أيضاً: مؤلف مجهول: حسر اللثام عن نكبات الشام، الطبعة الأولى، مصر، 1895، ص44.

*يوافق هذا التاريخ حسب التقويم الميلادي عام 1821-1822.

39 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 625 .

40 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 632 .

41 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 625 .

42 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 626.

43 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص41.

44 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص41.

وحول هذه الحادثة انظر أيضاً:العبد، حسن آغا: قطعة من تاريخ حسن آغا العبد، حوادث بلاد الشام والإمبراطورية العثمانية، تحقيق الدكتور يوسف نعيسة، دار دمشق، الطبعة الأولى،1986، ص142.

45 نعيسة، يوسف جميل : المرجع السابق، ص 626.

46 مشاقة، ميخائيل، مشهد العيان، ص26.

47 مشاقة، ميخائيل، مشهد العيان، ص27. انظر أيضاً حسر اللثام عن نكبات الشام، ص36-37.

48 ابن مسلم، الجامع الصحيح، طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطاتٍ و نسخٍ معتمدة، الجزء السابع، دار الفكر، بيروت، لبنان، ص5.

49 ابن مسلم، المصدر السابق، ص3.

50 مشاقة، ميخائيل، مشهد العيان، ص27. انظر أيضاً حسر اللثام عن نكبات الشام، ص38.

51 مشاقة، ميخائيل، مشهد العيان، ص27.

52 مؤلف مجهول:حسر اللثام عن نكبات الشام، ص39.

53 بازيلي قسطنطين: المصدر السابق، ص 163.

54 سجل المحكمة الكبرى بدمشق رقم (240)، الورقة (44)، تاريخ (1211-1216هـ / 1796-1802م)، والسجل رقم (239)، الورقة (60)، تاريخ (1210-1211هـ /1795-1797م ).

55 نعيسة، يوسف جميل:المرجع السابق، ص 625.

56 كرد علي، محمد : خطط الشام، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، مطبعة الترقي بدمشق، 1925، ص39. انظر أيضاً مشاقة، ميخائيل: منتخبات من الجواب،ص80.

57 مؤلف مجهول: تاريخ حوادث الشام ولبنان، ص68.

58 مشاقة، ميخائيل: منتخبات من الجواب،ص 80.

59 وثائق قصر عابدين، محفظة (235)، رقم (104-107)، رستم، أسد: المحفوظات الملكية المصرية، بيان بوثائق الشام وما يساعد على فهم مقاصد محمد علي الكبير، المجلد الثاني،ص 21.

60 مؤلف مجهول: مذكرات تاريخية، ص50.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This