السلاح أحد مكوّنات أزمة المنطقة

منذ ذلك اليوم لذي أعلن فيه الشرق، أن (خلوا السلاح صاحي)، نامت عيون الحياة، وتراجع الأمل بالمستقبلات البديلة غير تلك التي، لا يصوغها بل يفرزها، النظام التسلحي، الذي ارتبط بسيادة العسكر والمعسكرات، وسيادتهما على كلّ نشاط، إلى حدّ   الزواج القسريّ بين السلاح والفعاليات والأنشطة وحتى الأحاسيس، فباتت الثقافة مسلّحة (لاحقا ستصبح ثقافة المقاومة، بعد أن مرت بأطوار الصمود والممانعة..)، وصارت السياسة تدار بقانون الطوارئ (الحربي) المدعوم بسلاح السلطة، وحتى المجتمع ناله نصيب من حفلة السلاح تلك، فأصبح المجتمع المسلّح والذي سيعاين -عندما يثقل السلاح كاهل الدولة (السلطة)- حقيقة السلاح وجوهره : إنّه أداة القتل البشريّ وأداة التدمير العمراني والأخلاقي.

    أجيال من السلاح عرفتها المنطقة، منظومات تقادمت وصدئت، بعضها لم يحقّق أيّ مردود عملياتيّ في ساحة الصراع مع العدوّ، تقنيات هائلة ابتلعتها المخازن، غير أنّه بالمقابل كان كلّ سلاح يمتلك سحرا وسرّا يزيد من هيمنة قوى التسلط، ويثقل مكانتها الداخلية، وعلى وقع كلّ سلاح جديد، ينوس الداخل ويتراجع، يتنازل عن حقوقه في الحرية والتنمية، ليتمّ اختزاله بعد تناسل منظومات السلاح وتسلسل تنازلاته، إلى شعب على ضفاف السلاح .

    وبالتوازي مع توالد أجيال السلاح ومنظوماته، كانت منظومات القيم في الشرق تتهرّأ، إذ يتحوّل السلاح في يد من يمتلكه، وهي غالبا فئة، إلى ناظم ومحدد للواقع الاجتماعي، بحيث تصبح تلك الفئة التي بيدها السلاح (والدولة بالتبعية) في أعلى الهرم الاجتماعي، وتتحدد مصائر بقية الفئات انطلاقا بمدى قربها من الفئة المسلحة وموالاتها وخضوعها لها، ولك أن تتصوّر حينما يصبح السلاح ضابطا وقيما اجتماعيا.

     وبالتوازي مع ذلك أيضا، كانت الحداثة في المجتمعات العربية تتهاوى، أو تحبو خجولة، مقابل صعود منطق الكراهية، فللسلاح ثقافته الخاصة جدّا، والتي من مكوّناتها، الحقد على الآخر والحذر منه والاستعلاء عليه، ورفض مفهوم التعايش، والارتكان إلى الغلبة بوصفها الحلّ الوحيد لضمان الاستقرار، وليس مهمّا أن يكون هذا الاستقرار وهميّا وانيا، المهمّ أن ترى الفئات المسيطرة صورتها في مرآته وهي مزنّرة بأشدّ أسلحة الفتك والتسلط .

     المشكلة في السلاح (العربي)، الذي يجري تقديسه ويصار إلى حمايته برموش العيون، أنّ العلاقة معه لا تعدو ان تكون هامشية ؛ فهو لا يخذل في الحروب وحسب، وإنّما لم تستبطن العقلية العربية تكنولوجيته، فهو ليس جزءا من النتاج العربي، ولم يصر إلى توطين تلك التكنولوجيا، وبالتالي فهو يختلف في وظيفته عن السلاح في العالم الغربي، الذي يأتي ضمن سياق الإنتاج الصناعي، ويكون جزءا من تطوّر الحالة التكنولوجية العامّة، وبالتالي يصبح مساهما فعالا في عملية التحديث الصناعي، وتطور البحث العلمي عموما، في حين أنّ السلاح في الواقع العربي يشكل عبئا اقتصاديا تتمّ تغطية نفقاته (تطفّله)  على  حساب مجالات التعليم والصحة والتنمية.

وحتى في إسرائيل، ورغم الفارق التكنولوجي والعلمي بينها وبين العرب، فقد كان لتراكم السلاح أثر سياسيّ واجتماعيّ بالغ السوء، إذ بات السلاح، وصناعته كما الحصول عليه، المحدّد الأساسيّ لعلاقات إسرائيل مع محيطها، وقد يكون هو ذاته الذي يحدّد شكل مستقبل إسرائيل، هذا ناهيك عن أثره الاجتماعي الملحوظ والمؤثر، في كونه شكّل أحد محفّزات صعود اليمين المتشدّد بقوّة الذي يؤمن بأهمية التفوق (التسلحي) في مواجهة الأخر ( الفلسطيني والعربي ).

لقد شكل السلاح، على مدار العقود الماضية، أحد مكوّنات بنية أزمة المنطقة، تماما مثله مثل التخلف والاستبداد والظلامية، ولم يكن حلا لأزماتها، ولن يكون، إذ تثبت تقارير التسلح التي تصدر سنويا عن مراكز بحثية متخصصة، أن المنطقة أنفقت في السنوات السابقة مليارات من الدولارات، وأهدرت ثروات غالية، في منطقة تندر فيها الثروات، كما أن الموجود منها في طريقه إلى النضوب خلال مدى لا يتعدّى عقودا قادمة في أحسن الأحوال …، أما آن لهذا السلاح أن ينام، أو يصار إلى سحبه من المشهد الشرق أوسطي، وإحلال بدائل أخرى تضمن كرامة  البشر ورفاههم؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق