السلطة الباغية وتناغم خفيّ مع الرعاع من السفلة

من الظواهر اللافتة في التراث الإسلامي تلك العلاقة المدهشة بين السلطة المستبدة، والأسافل من العامة، وهى علاقة تجلي إمكانات التعامل الخفي غير المتوقع بل أشواق التبادل وهواجسه المغوية بين الطرفين الذيْن يحكم علاقتهما شغف جارف، وميل عارم للابتذال والفضآئحية!!
وسنتخذ من حديث التوحيدي عن الصاحب بن عباد نموذجًا لافتًا فى هذا الصدد.
يقول أبو حيان: –
“كان الأقطع المنشد الكوفي يقول.. إني رجل قطعت في اللصوصية.. لم يبق فى الدنيا منكر إلا أتيت .. وهو (الصاحب) على هذا يغري بي ويلجّ معي ويؤذيني ويمنعني من الرجوع إلى بيتي وامرأتي، حبسني في داره هكذا، فإذا اغتلمت جلدت عميرة ضرورة.. و.. ابن عباد كان يتعلم منه كلام المكدين، ومناغاة الشحاذين، وعبارة المقامرين .. ويضجر ويكفر وينخر ويشق المئزر، ويبزق في الجو، وكان لا يجد هذا عند أحد كما يجده عنده، فلذلك كان يتمسك به .. وكان ابن عباد يطالب الأقطع بأن يحفظ قصائده..  وينشدها في الناس.. وإذا لم يحكم ضربه.. فقلت له: من كلفك الصبر على هذا الضرب، احفظ تحفظ، واربح الدراهم، وتخلص من الألم. فقال: والله لو ضربني بكل عصا في الأرض، (كان أخفّ على من حفظ من شعره الغثّ وإنشاد .. وقافيته الباردة.. وكان (ابن عباد) لا يدع الأقطع لينصرف إلى منزله .. وكانت امرأته تأتيه إلى دهاليز الباب .. وكان يوماً الدهليز خالياً.. فراودها وطرحها.. وأخذ في عمله.. فرمقه بعض الستريين ورفع حديثه إلى ابن عباد .. فهاج من مقيله .. حاسراً حافياً.. حتى وقف على الأقطع، وهو يولج .. فقال له: يا أقطع ويلك يا بن الزانية إيش هذا في داري؟! فقال: أيها الصاحب: اذهب ليس هذا موضع النظارة، هذه امرأتي .. اذهب، اذهب، يهذي ولا يعقل حتى أفرغ، وسيدي على رأسه يضحك ويصفق ويرقص.. ثم أخذ بيده على تلك الحال، وهو يشد تكّته، وابن عباد يعينه، وأدخله مقيله يعاتبه ويٍسأله عن العمل والحال، وكيف استطابه وكيف هاج؟ ثم خلع عليه ووهب له، ووهب لامرأته ثيابًا وطيبًا.. قال الجيلوهي: من خواص ما فيه (ابن عباد) حبه للعامة، وذاك بقدر بغضه للخاصة.. أما حبه للعامة فبمناظرته لهم، وإقباله عليهم، وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم”
وبعيدًا عن تجنيات أبي حيان وكتابته الثالبة الثأرية واتهاماته الواضحة للصاحب بالوضاعة الأخلاقية والفساد الديني والسياسي، فإن هذه العلاقة الملتبسة بين العامة والسلطة تثير الاندهاش، وتطرح العديد من التساؤلات. ولعل أول هذه التساؤلات يدور حول نوعية العامة التى تتعامل معها السلطة، وفى حالتنا هذه، فإنّ المنشد الأقطع، ومن خلال وصفه لنفسه يمثل الهامش اللاأخلاقى للمجتمع ككل، بل للعامة أيضًا، فهو لصّ ارتكب كل الجرائم والموبقات ناهيك عن كونه مصدرًا لكلام المكدين ومناغاة الشحاذين وعبارة المقامرين، وهو ما يوضح طبيعة الفضاءات التى كان يتحرك داخلها وينتمي إليها. وها هو ابن عباد يتعلم منه كلام هؤلاء، ويشاركه ممارسات فجة مبتذلة لا تنتمي لآداب الخاصة كالنخر والبزق فى الجو …الخ. ويحدونا السؤال فى هذا الصدد، حول تلك المساحة الجامعة بين ابن عباد والأقطع، أو السلطة والعامة فى أسوأ وأدنى تجلياتها، هل هي مساحة تشابه في العمق، بحيث يغدو سوء الفهم أو انعدامه فى هذه الحالة مجرّد ظاهر سطحيّ مخاتل؟ حينئذ ربما لن يغدو التناقض الحقيقي من حيث نسق المعرفة والقيم قائمًا بالضرورة بين السلطة (التي هي الأعلى في هرم الخاصة والنخب)، من ناحية، والعامة من ناحية ثانية. بل لعله يكون قائما بين السلطة الحاكمة، والخاصيّ من الأشراف والنبلاء وأصحاب البيوتات العريقة، أو على الأقل بين ممارسات هذه السلطة، والقيم المعلنة ذات الطابع المثالي لتلك النخب بمستوياتها المتعددة، رغم كل مظاهر التجانس والتوافق الخارجي الذي تحكمه مساحات تبادل الطابع المثالي لتلك النخب بمستوياتها المتعددة، رغم كل مظاهر التجانس والتوافق الخارجي الذي تحكمه مساحات تبادل المصالح. وربما كان الفهم العميق واللغة المشتركة، والوضوح العاري، بل الصادم والتواصل الفعلي هو ذلك القاطن في عمق علاقة السلطة بالعامة، خاصة من يمثلون الهامش اللاأخلاقي لهم أو الخارجون المنفلتون من نسق القيم السائدة. ولعلهم هؤلاء الذين يبدون للوهلة الأولى بلا ولاءات اجتماعية من أى نوع ذات طابع أخلاقي ملتزم ومعياري.
وقد يكون الفهم العميق بين السلطة وهذا العامي الدنيء هو أحد أسباب تصعيد حدة الشعور السلطوي بالتهديد الحاد من قبل هؤلاء الرعاع، ولا يعنى هذا أننا نناقض ما سبق أن ذكرناه حول صراع عدم الفهم بين الخاصة والعامة، بل بينهم وبين السلطة الحاكمة من ملوك ووزراء ورجال دولة على وجه الخصوص. ذلك أننا حينما نتحدث عن السلطة الحاكمة عامة، لا نتحدث عنها بوصفها كيانًا واحدًا متجانسًا، لكنها كيانات متعددة متنوعة من حيث طبيعتها وأصولها العرقية وعقائدها وتوجهاتها وتحالفاتها وسياساتها …إلخ. وهى قوى متصارعة فيما بينها، متحاورة بدرجات ما حول مساحات متفق عليها للمصالح الأساسية التي إذا اختلت دخلنا في صراعات التصفية العنيفة والفعلية، وليس كالقرن الرابع خير شاهد على هذا التنوع والاختلاف السلطوي بتعقيداته اللافتة وتشابك مصالحه وعلاقاته. غير أن التنوع لا يقدم وحده التفسير المنطقي المقبول لإمكانية عدم وقوعنا في التناقض سالف الذكر. ولعل التفسير الأكثر منطقية هو ذلك الذي يكمن في المفارقات القارة في عمق ممارسة الفهم العميق ذاتها بين السلطة الحاكمة والعامة. ذلك أن الفهم العميق المتبادل بين الطرفين قد ينطوي بدوره على مساحات عدم الفهم والتباساته المحيرة المضللة. فمن ناحية، يغدو الفهم العميق فخًا لكلا الطرفين موحيًا بإمكانية امتلاك الطرف الآخر السيطرة عليه سيطرة كاملة، والتنبؤ الآمن بكافة تداعياته، والتوقع الصحيح لكل ممارساته وسلوكياته المستقبلية. وهو الأمر الذي يمكن أن ندعوه بفخ الثقة والطمأنينة المعرفية الزائفة، مما يؤدى لنمط من أنماط العمى وعدم الرؤية أو الالتفات لبعض الثغرات والمساحات المضمرة الخفية التي لا تطولها مساحات الفهم العميق الآمن. حينئذ يأتي عدم الفهم أو مباغتته وصدمة اكتشاف عدم الفهم الكامل من حيث لا يتوقع ولا يحتسب لدى الطرفين. ومن ناحية ثانية، فإن ّالفهم العميق سيعي لا محالة الطبيعة المنفلتة خارج حدود المعقول والمنطقي لدى كل من السلطة الحاكمة، والعامة الدهماء بما يجعلهم مرايا تتجلى في عمق وعبر بعضها البعض، مرايا للاستبداد الوحشي والعبثي، استبداد الفرد الطاغية، والجموع الباغية (الحشد) بما يفاقم من إمكانات اللامتوقع، وغير القابل للتنبؤ أو الفهم. وهكذا يفتح الفهم العميق كلا الطرفين على مساحات المجهول لا نهائي التداعي، إنه خطر الإمكانية المفتوحة لدى طرفي اللعبة.
وليس هذا الخطر واردًا بالدرجة نفسها أو الصورة في إطار علاقة السلطة بالخاصة الذين يلعبون بشروطها أو يتحركون ضمن فضائها بدرجة ما، ويسعون لحماية أوضاعهم ومصالحهم فى ظلها، ومن خلال حماية مصالحها واستقرارها، وتحت حمايتها بوصفها مظلة أمن وملاذ من خطر العامة الرعاع، وإن كانت مظلة الحية الرقطاء التي ينبغي أن تظل يقظًا منتبهًا إزاءها، وإلا لدغك الموت!!
تتأرجح العلاقة بين السلطة الحاكمة، والعامة، متوترة وملتبسة بين عدم الفهم، والفهم العميق عبر فضاء المناظرة أو التشابه، وتبادل التمرئي عبر مرايا بعضهم البعض، والتحاور الخفي التبادلي بين الطرفين، ووفقًا لهذه العلاقة المعقدة ينطوي هذا التناظر المربك على إمكانات الاستئناس والسطوة والقمع في آن!! فمن ناحية يستأنس النظير بنظيره ويأتلف معه مبتهجًا ومتمتعًا بحضوره وحديثه ومجالسته ومنادمته، بل مشاركته مساحات الانفلات خارج النسق القيمي، إذ تمارس كافة المتع المبتذلة واللاأخلاقية بلا رادع أو مساءلة أو عقاب!! ويصل استئناس السلطة بهذا العامي إلى درجة الاحتياج الحاد، ولعله الهوس الطفولي القاسي بوجوده، حتى أن الصاحب كان يحبس الأقطع عنده، ويمنعه من الرجوع إلى داره. غير أن هذا الاستئناس ينطوي على قدر لا يستهان به من القمع والاحتقار، بل الاستخدام السلطوي الواضح للعامي الشيء، أداة التسلية المستباح، منتهك الخصوصية والحرمة إلى درجة مراقبته والفرجة عليه، وهو يضاجع زوجته!! وهو ما يتنافى مع المعايير الأخلاقية والدينية السائدة لدى العامة والخاصة على حد سواء في هذا المجتمع الوسيط، أو على الأقل مع ما هو معلن فيه، غير أنه يكشف عن كم الانحلال أو التداعي الأخلاقي داخل البلاط السلطوي!! ومن المثير للانتباه في هذا السياق، ذلك الحديث عن محنة نديم الملك أو صاحبه فى الحرم إذ يمتحن الملك رجاله في حفظ الحرم، يقول الجاحظ في التاج:
“إنها محن الحكماء من الملوك .. محنته في الحرم، إذ خف الرجل على قلبه، وقرب من نفسه، وكان عالما يظهر التأله، وكان عنده ممن يصلح للأمانة في الدماء والفروج والأموال على ظاهره، أحب أن يمتحنه بمحنة باطنة. فيأمر به أن يحول إلى قصره، ويفرغ له بعض الحجر التي تقرب منه، ولا يحول إليه امرأة ولا جارية ولا حرمة، ويقول له “إني أحب الأنس بك في ليلى ونهاري، ومتى كان معك بعض حرمك: قطعك عنى  وقطعني عنك فاجعل منصرفك إلى منزل لسانك في كل خمس ليال ليلة” فإذا تحول الرجل وخلا به وآنسه، وكان آخر من ينصرف من عنده، فيتركه على هذه الحال أشهراً… ثم يدس إليه جارية من خواص جواريه ومعها ألطاف وهدايا، وأمرها أن لا تقعد عنده في أول ما تأتيه.. حتى إذا كانت المرة الثانية أمرها (الرجل) أن تقعد هنيهة وأن تبدي بعض محاسنها حتى يتأملها، ففعلت ثم انصرفت، فلما كانت المرة الثالثة، أمرها أن تقعد عنده وتطيل.. ومن شأن النفس أن تطلب بعد ذلك الغرض من هذه المطايبة، فلما أبدى ما عنده، قالت “إني أخاف أن يعثر علينا، لكن دعني أدبر في هذا ما يتم به أمرنا” ثم انصرفت، وأخبرت الملك بكل ما دار بينهما .. ثم [أرسل له جارية ثانية، ففعل معها ما سبق، فلما استوثق من أمره]، أمر أن تخرج له عصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى، وأن ينفى إلى أقصى حد المملكة، وتجعل العصا فى رأس رمح تكون معه حيث كان، ليحذر منه من لا يعرفه. فلما أخرج الرجل من المداين.. أخذ مدية فجبّ بها ذكره .. ومات من ساعته!!”
ولعلنا نلاحظ طبيعة المفارقة الفادحة بين موقف الملك هنا إزاء احتياجات نديمه الجنسية، وموقف الصاحب إزاء ممارسة الأقطع مضاجعة زوجته في الدهليز!! إنها المفارقة الجلية بين الطابع التراجيدي (طابع المحنة والابتلاء)، والنهاية المأساوية للرجل الذي قربه الملك منه، وحرمه ممارسة احتياجاته وحقوقه الطبيعية شهورا، ثم مارس ضده ضغوطا لم يستطع احتمالها، وضعفت إرادته إزائها، فعاقبه عقابًا فضائحيا قاسيا قضى على وجود الرجل حيث جعله موسوما بفضيحته، مشهرا ومنتهكا بها دوما، فغدا فقدان الذكورة والموت أفضل من حياة الفضيحة ووصمة العار المشهرة دوما فوق رأسه، من ناحية، وبين الطابع الكوميدي الساخر العبثيّ لحكاية ابن عباد والأقطع والتي لم تكلف صاحبها شيئا يذكر، بل جعلته الأكثر قربا وإمتاعا للصاحب، من ناحية ثانية!! ولنتجاوز هذا الوضوح المبدئي، باحثين في مساحات الخفاء والمعاني المضمرة!!
إن أوّل ما يسترعى الانتباه هو الفرق الطبقي بين نموذج الرجل الحكيم العالم المتأله الأمين، من ناحية، وبين نموذج الأقطع المنشد الكوفي الذي ينتمي لأدنى مستويات العامة، كما سبق وذكرناه!! وبالطبع، يعكس هذا الفرق الطبقي اختلافا جوهريا في طبيعة العلاقة المبتغاة بين الملك، والطرف الآخر، فالعلاقة الأولى هى علاقة اقتراب نفسي وقلبي بين الملك، والحكيم المتأله الأمين، أو لنقل ائتناس عقلي وروحي، وهى العلاقة المشتهاة الحلم لدى المثقف الراقي، صاحب العلم والحكمة، والتي يندرج داخل فضائها طبقة الأشراف والعلماء على اختلافهم وتنوعهم. ولعلنا نلاحظ تلك الإيماءة النصية لكون هذه العلاقة المشتهاة تشكل حلما بالائتناس والحميمية لدى الملك، كما هي لدى الرعية من الحكماء والعلماء والأشراف!! أي أن الحلم متبادل، لكنه ممتحن دوما إما بغدر السلطة أو خيانة الرعية وسقوطهم الأخلاقي في غوايات ومحن السلطان!! أما العلاقة الثانية، فهي علاقة اللهو والهزل والمجون والمعابثة التي يحدثنا عنها الجاحظ بوصفها أحد احتياجات الملك، ويضع لها شروطا تجاوزتها السلطة كثيرًا، وانفلتت خارجها.
ولو أننا أمعنا النظر بعض الشيء لوجدنا أن الفرق بين النموذجين سطحي ومخايل، ولا يلبث النص أن ينقضه من جذوره، ذلك أن الحكيم المتأله، صاحب الأمانة في الدماء والفروج والأموال، أمانته ظاهرة، والغدر والخيانة في باطنه!! ورغم مثالية الطرح وعدم خلوه من المغالاة الأخلاقية، حيث يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الحكيم المتأله في احتياجاته وضعفه الإنساني، فإن الحكاية تخبرنا بما يؤكد كمون الغدر والخيانة في طبيعة هذا الحكيم . فما لم نذكره سابقا من أمر الجارية الثانية التي أرسلها إليه الملك هو أنها حين دعاها إلى ما في تركيب النفس من الشهوة، قالت له: إن الملك سيمضي بعد ثلاثة إلى بستانه، ويقيم هناك، فإن أرادك أن تذهب معه، فتمارض، فإذا خيرك بين المقام هنا أو الانصراف إلى أهلك، والمقام عند نسائك إلى حين رجوعه، فاختر المقام هنا متذرعا بصعوبة الحركة عليك، فإذا أجابك، جئت إليك أو الليل ولبثت عندك إلى آخره!! ثم أخبرت الملك بالأمر، فلما أتى أوان الانصراف للبستان استدعاه الملك للذهاب معه، فتمارض، فخيره كما سبق، فاختار البقاء انتظار لوعد الجارية!! وهنا صدق حدس الملك فيه وفى طبيعته الخائنة، وعاقبه بما سبق وذكرنا!!
وهكذا سقط الحكيم المتأله في فخ الغواية الملكية، ولم يترك لنفسه أي إمكانية لتبرير سقوطه الأخلاقي أو خيانته لحرمات الملك الذي خيره بين الحلال والحرام، فاختار الحرام وتآمر من أجل نيله والحصول على لذته الطازجة!! ورغم كل ما يمكن أن يقال عن غواية الممنوع، وشهوة اختراق مساحات الخطر، والانفلات خارج القوانين، وخاصة ما يمس منها السلطة، فإن الكلام لا معنى له في سياق هذا الطرح الأخلاقي المثالي للنموذج والعلاقة المشتهاة!!
ولعل الحكاية تود لفتنا منذ البداية لتلك المفارقة الأخلاقية بين المعايير المثالية المعلنة أو المتشدق بها نفاقا ورياءً، وصياغة لصورة اجتماعية محددة، ومقبولة في مجتمعات الخاصة ظاهريا، من جهة، وبين الباطن الفاسد قيميا لهذه النخب صاحبة الإدعاءات والمزاعم الأخلاقية العريضة، من جهة أخرى!!
وعلى النقيض من هذا النموذج المرائي، يتبدى نموذج الأقطع الكوفي (نديم الصاحب بن عباد) العامي الدنيء، الذي لا يتكلف سلوكا راقيا، أو يدعى قيمة أخلاقية ما لا يمتلكها، بل هو تجسيد سافر جلي للابتذال وانعدام القيم، فلا مراءاة ولا مباهاة زائفة أو صياغة كاذبة لصورة اجتماعية معيارية وهمية ..الخ!! ومن ثم، فليست المسألة هنا محض الفرق الطبقي بين النموذجيْن، بل هو فرق القيمة الإنسانية الحق. ذلك أنّ النموذجيْن، رغم الفارق الظاهري طبقيا، سيندرجان في النهاية في فضاء واحد هو فضاء الابتذال وانعدام القيم، وانتهاك الحرمات المقدسة إن أتيحت الفرصة في الخفاء ودون حساب أو عقاب!!
ومن المثير للانتباه، أن يتبدى الأقطع العامي الدنيء في هذا السياق، الأكثر أمانة وصيانة لحرمات الملك أو الصاحب، حيث لم يتعد على حرماته، بل إنه كان إذا اشتدت به الغلمة، جلد عميرة العبد، لكنه لم يعتد على حريم الصاحب من وراء ظهره، وما نال إلا حقه الطبيعي في زوجته!!
وأيا كانت حقيقة التفاصيل المعلنة أو المضمر منها في الحكايتين، فلا أظن صاحب السلطة يتهاون فى حرماته سواء كان من انتهكها هو الحكيم المتأله أم العامّيّّ الدنيء!!
ولعل خيانة الحكيم المتأله أشد تهديدا للسلطة وحرماتها وهيبتها من خيانة العامي الدنيء، لكون الأول من الخاصة أو النخبة الراقية معرفيا وقيميا، والتي من المفترض أنه قد تم تدجينها والسيطرة عليها فعليا، واستيعابها بصورة كاملة في فضاء السلطة، ناهيك عن صورتها المعيارية المفترضة، ومصالحها الشائكة المرتبطة بالرضا السلطوي…إلخ أما الثاني، فمن السفلة الدهماء الرعاع، فما يتوقع من الأول غير ما يتوقع من الثاني!! أو لنقل إن السلطة تخشى أن تؤتى إتيان المباغتة من حيث لا تتوقع ولا تنتظر، فهذا السلوك اللامنطقى العبثي قصر عليها، وخاص بها وحدها، وهى لا تغفر أن تجهض سيناريوهاتها المرسومة سلفا بإحكام لأهل خاصتها ومن يحيطون بها عن قرب!! ومن ثم، يكون عقابها فادحا ومخيفا، ليغدو وحدودها وتصوراتها!! أما المثال الأقطع، فلعلهم بالنسبة لها كالبهائم الهاملة التي تستمتع السلطة بحصارها، والسيطرة عليها وترويض جموحها، وقد فقدت في عينها طابعها الآدمي الإنساني، وغدت وسائلا للتسلية والترفيه المبتذل!! ولا يعنى هذا أن أمثال الأقطع لا يشكلون تهديدا خطيرا للسلطة وهيبتها، بل ربما كانوا الأكثر خطرا على الإطلاق.
على أية حال، دعونا نمعن النظر في هذه العلاقة، ونتأملها بتأني. فعلى سبيل المثال، سيغدو حبس الأقطع ومنعه من الرجوع إلى داره في ظل هذه الممارسات شكلًا من أشكال الضغط السلطوي الذي يحرك الأداة ويدفعها فى الاتجاه المثير المستفز الذي يؤدى هذه المرة إلى تفجير مواقف مسلية ومبهجة وفضائحية لإمتاع السلطة، ومداعبة عهرها وجنونها الخفي!! إنه الضغط القصديّ على الاحتياجات الأساسية والملحة، والذي يؤدى الحرمان منها إلى فقدان المرء صوابه، وسيطرته على ذاته، بل إنسانيته، إن صح التعبير، وتعرية الجانب الوحشي البهيمي من طبيعته بصورة تورث العار وتدمر مساحات الحياء والخصوصية، وهى مسألة قد يتساوى فيها الخاص والعامي لتساوى إنسانيتهما إلا أن قصدية السلطة مختلفة اختلافا بينا، كما هو واضح لدينا ما سبق!! غير أن عزل العاميّ هنا قد يبدو وكأنه عزل عن بيئته ومحيطه الأصليّ مما قد يقلل من فاعليته ومساحات تأثيره، وإمكانات خطورته، ويجعله رهين القبضة السلطوية، خاضعًا لنظرتها المراقبة المتفرسة، لكنه فى الوقت نفسه، قد يفجر مساحات هوسية ووحشية عميقة لا مرئية داخل هذا العاميّ، مما يزيد من احتمالات خطورته وانفلاتاته غير المتوقعة!! أي أن محاولات التدجين قد تؤدى إلى نقيضها في أحيان كثيرة، خاصة أننا إزاء حالة منفلتة من الأصل!! ولعل الرغبة السلطوية المضمرة، والكامنة وراء احتجاز العامي المبتذل داخل محيطها هي استخدامه عينًا فاضحة للمساحات الخفية بل شديدة الغور اجتماعيا كمساحات اللصوص والكدية والمقامرين …إلخ، والتي لا تستطيع كل أجهزة الدولة، وأدواتها الرقابية الوصول إليها، وهو الأمر الذي يعنى مدى خطورة هذه المساحات، وإغرائها الساحر للسلطة فى آن!! ومن المثير للانتباه حقًا في هذا الصدد، أن تحبط هذه الرغبة بصورة مّا ولا تتحقق تمامًا إزاء إمكانات المراوغة والعرى الفاضح المحتجب الذي قد يمارسه هذا العاميّ المبتذل إزاء محاولات السلطة لاقتحام عوالمه السرية وتعريتها!! إن مجون الأقطع ومبالغته الفاضحة قد يكونان شكلًا من أشكال تلك الممارسة شديدة الذكاء والتخفي والمراوغة لرغبات السلطة!! .
وبينما يكشف لهو السلطة غير البريء والقاسي عن هوسها الاستبدادي من ناحية، فإنه يعرى هواجسها ومخاوفها الحادة من تهديد العامة والرعاع من ناحية أخرى، متجاوبًا مع تحذيرات الحكماء والمثقفين، لكن بطريقة عكسية!! إن السلطة تواجه مخاوفها بإعلان قسري للهيمنة على أدنى أنواع العامة وأكثرهم ابتذالًا باستيعابهم داخل فضائها، وفقًا لشروطها التي تفتح لهم مساحات جرأة الاقتراب والتطاول، دون أن يحققوا الاختراق الفعلي المهدد، أو هذا ما تصوره لنفسها!!
وبالطبع يشكل أدنى أنواع العامة وأكثر ابتذالًا، التهديد الأكبر والخطورة الأشد، لأنهم الأكثر انفلاتًا، والأقل ولاء!! ذلك أن هذا النوع المنفلت خارج نسق القيم بكافة مستوياتها وتنوعاتها تكون ظهورهم إلى الجدار، يعيشون العبث فى أعلى تجلياته، لا يأملون فى شيء، ولا يهددهم شيء، لا يخشون خسارة، ولا يتوقون إلى مجد أو مكاسب إستراتيجية عظيمة، لا يبالون بسر أو هتك ستر، مستباحون مستبيحين، لا ولاء ولا عهد ولا ذمة لهم!! وهذه هي الصورة التي شكلوها لأنفسهم وصدروها للآخرين، ومارسوا عبر فضائها كافة انتهاكاتهم وحرياتهم العبثية.
هنا يبزغ لائح مضمر، وغير معقول يكاد يشي بندية ما بين السلطة النرجسية الطاغية، والعامي المبتذل، فها هو الأقطع يناوئ ابن عباد، رافضا حفظ أشعاره وإنشادها في الناس، معلنا بطريقة غير مهذبة مدى رداءة هذا الشعر وبرودة قافيته، ومفضلا الضرب وخسارة الدراهم على حفظ الشعر وإنشاده. والصاحب لا يفعل شيئًا إزاء هذا الرفض المعلن لشعره وقدراته البيانية وفصاحته التي كان يعتز بها اعتزازا شديدا سوى أن يحرم الأقطع من الدراهم، ويضربه بالعصا.  وبالطبع تغدو هذه الممارسة من قبيل النوادر والفكاهات إذا ما قيست بقسوته وعنفه الدموي إزاء من يناوئه من الخاصة، ولو في أمر أقل من هذا كثيرا. ولعلنا نلاحظ مدى مساحة الجرأة والندية التي حازها الأقطع لدى ابن عباد، والتي تصل إلى حد التطاول، ولعله التطاول المسموح به للحمقى والمهرجين ومضحكي الملوك!! وهو تطاول ينطوي على إمكانية لافتة لإعادة إنتاج القمع على الرمز السلطوي بصورة لا تؤدى إلى الصدام المباشر أو العقاب الدرامي؛ لأنها ممارسة من قبل من لا يعتد به على كل المستويات، أو هذا هو المعلن!! ذلك أن مساحة التسامح اللافتة لدى الصاحب، والتي تنعّم بها الأقطع تنطوي على قدر هائل من الاستهانة والاحتقار واستباحة الحرمات، لكنها في الوقت نفسه، تحوي فى عمقها قدرًا من الحذر والتوجس والخشية. فالصاحب يحبس الأقطع عنده، ويؤدبه بالعصا إذا عصى أوامره، ويجعل عيونه تراقب كل حركاته وسكناته، لكنه لا يمتحنه امتحان الملوك لمن يصطفونه لأنس الروح والعقل!!
إن لامبالاة الأقطع بمراقبة الصاحب له حين كان يضاجع امرأته ونهره إياه ثم إكماله الأمر بغض النظر عن عدم ذهابه أو بقائه على رأسه يراقب ويضحك ويصفق، مسألة تشي بدلالتها اللافتة!! ولعلها ندّية الاستهانة والافتضاح المتبادل!! حيث يغازل هذا النموذج العامي العاهر المتدني ويفضح أشواق السلطة الهاجعة الخفية للانفلات والخلاعة وممارسة حرية العبث غير المسئولة، خارج كافة معايير  المتن الاجتماعي الرسمي وقيمه، وقواعده السلوكية المعلنة.
إنها لذة تبادل الانتهاك والاستباحة الصادمة لكل مساحات الحياء والآداب والأخلاقيات العامة بوصفها قيودًا شكلية وضعت للتنميط أو التدجين الاجتماعي، وضمان الهيمنة، وحصار جموح الأفراد والجماعات باسم الدين والأخلاق والحرمات المقدمة !! إنها لذة أن يكون الظهر للجدار، بلا مخاوف ولا توجسات ولا أحلام، لا مكاسب ولا خسارات لا وعد ولا وعيد، لا حقوق أو واجبات، لا أوامر أو نواهي أو محظورات إلخ. وهو ما يدمر بالضرورة الهيمنة من جذورها!!(70)
وها هو أحد الوزراء ينصح ابنه الذي يعده للوزارة ويربيه في حجرها، قائلا:
“اعلم أن أكبر الصيانة لك تسّترك من العامة وامتناعك من مكاثرة من ينمى إليها، لأن في طباعها إهانة من خالطها، وانتقاص من لابسها”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق