السلطة السياسية وتعدّد الرّقابات..

لا يكاد ينفصل مفهوم الرقابة عن السلطة السياسية باعتباره أداة ضبط المجتمع، بكلّ ما يعنيه أو يستلزمه ذلك الضبط من أشكال ممارسة السيطرة والعنف، كما أوضح “ميشيل فوكو” في كتابه “المراقبة والمعاقبة”، مع أنّ أشكال الرقابة تختلف من مجتمع لآخر تبعاً لتباين السلطة السياسية وتطوّر أدواتها، بحيث لا يكاد الفرد في المجتمعات الليبرالية يُحسّ وطأة الرقابة الموجودة في حياته اليومية، بينما تحضر الرقابة في المجتمعات التي تميل باتجاه السيطرة الكولونيالية أو التوتاليتارية، ومنها مجتمعاتنا العربية طبعاً، في شتّى مظاهر السلوك وتفاصيل الحياة، وتزداد وطأتها اطّراداً مع اتّساع المسافة ما بين السلطة السياسية والأفراد ضمن المجتمع، تلك المسافة لتي تبقى مسكونة بالخوف والشكّ والاتّهام والعداء.

فأنظمة الرقابة العربية كبّلت الأفراد، وبشكل خاصّ المثقّفين والتعبيرات الثقافية التي انتقلت من صيغها الفردية/ الأهلية كالنوادي والنقابات، باتّجاه صيغة الاتحادات التابعة للسلطة السياسية، كما حصل في اتّحاد الكتاب واتّحاد الصحفيين، وصولاً إلى الاتّحاد الرياضيّ العامّ واتّحاد الحرفيين، حيث تخلّت هذه التعبيرات الجديدة عن طبيعتها الأهلية، وعن وظيفتها النقابية في الدفاع عن أعضائها وحماية مصالحهم، لصالح تأييد السلطة السياسية وتبرير سياسات الأجهزة السياسية والأمنية، حتّى لو تعارضت هذه السياسات مع مصالح أعضاء الاتّحاد.

دعونا نلاحظ كيف بدأت هذه التحوّلات في أنموذج اتّحاد الكتّاب العرب، الذي تمّت استعادته عام 1969 في سوريا، إذ اشتكى أعضاء مكتبه التنفيذيّ في أوّل لقاء لهم مع رئيس الجمهورية الراحل حافظ الأسد بُعيد الحركة التصحيحية من وطأة الرقابة التي تمارسها وزارة الإعلام على منشورات الاتحاد، فكانت استجابته لهذه الشكوى سريعة، عبر منح سلطة الرقابة على المطبوعات للاتّحاد نفسه. ويؤكّد القاصّ “زكريا تامر” في هذا الصدد أنّ السنوات الأولى لاتّحادهم لم تشهد منع أيّ كتاب في سوريا.

مع ذلك ظهرت في سبعينات القرن الماضي حالات من التدخّل الرّقابيّ لأسباب غير أمنيّة، عبّرت عن ضغوطات اجتماعية هنا أو هناك، وبلبوس ٍ دينيّ أحياناً، كما حصل مع مسرحية “ليل العبيد” للراحل “ممدوح عدوان”، والتي أوقف عرضها في ليلة الافتتاح إثر اعتراض مفتي البلاد حينها، مع أنّ نصّ “عدوان” كان مطبوعاً في الإدارة السياسية للجيش والقوات المسلحة. كذلك أوقف ولأسباب اجتماعية أو جهوية – حسب تعبير أشقّائنا في المغرب العربيّ- عرض مسلسل “السنوات العجاف” المأخوذ عن رواية “الحفاة وخفّي حنين” للراحل “فارس زرزور” بحجّة أنّه يُسيء إلى سكّان منطقة حوران جنوب سوريا.

لكنّ هذه الاستثناءات تؤكد أنّ الدولة كانت لا تزال ممسكة بآليات الرقابة وسلطتها، دون أن تسمح لما عداها أن يتدخّل فيما هو مسموح أو ممنوع، كما حصل في مصر مع دعاوى “الحسبة” مثلاً، والتي قادها الاتّجاه الدينيّ هناك، ولا يزال، وقد ذهب ضحيتها عشرات المفكّرين والمتنوّرين. بينما في سوريا لم نعرف هذه الظاهرة، والحمد الله. حتّى الحالات الرقابية التي ظهرت بما فها السلطة الرقابية الممنوحة لاتّحاد الكتاب أو سواه، جاءت باسم السلطة السياسية وليس بصفتها تعبيراً أهلياً أو نقابياً أو حتى دينياً متعارضا مع هذه السلطة. ظهرت هذه الرقابات نتيجة انحطاط هذه المؤسّسة في ظلّ الرئاسة الطويلة للسيّد علي عقلة عرسان إلى مجرّد بوق لإعلان التأييد السياسي، وسلطة رقابية على أعضاء الاتّحاد أنفسهم في سلوكهم وإبداعاتهم، حتى رأينا أهمّ مثقفي سوريا وكتّابها يغادرون صفوف الاتّحاد آنذاك: أدونيس- سعد الله ونوس- هاني الراهب…

يقول السيد فواز القادري في موقع “الحوار المتمدّن”: “وحديثنا عن الرقابة في سورية لا بدّ أن يتمّ من خلال الحديث عن مؤسّسة ثقافيّة مثل اتّحاد الكتاب العرب، هذه المؤسّسة النموذج الأكثر تعبيرا عن هذه العلاقة الشائنة بين المؤسّسة والرقيب من جهة، والمبدع الحقيقيّ المقموع من جهة أخرى، (دون نسيان اتحاد الصحافيين ووزارة الإعلام والتلفزة والإذاعة والصحافة الرسمية والمجلات) المؤسّسة التي اختارت دورا لرقيبها ليست له علاقة بالثقافة بأيّ معني من المعاني، وحدّدت له مهامّ هي في أحسن أحوالها، لا تبتعد كثيرا عن مهامّ المخبر الجميل الطموح والمخلص لأن يكون جديرا بالمهامّ الموكلة إليه من قبل أسياده”.

غير أنّ المعادلة بدأت تتغيّر في السنوات العشر الأخيرة، لصالح أشكال من الرقابة المجتمعية لم تجد إلى دعاوى “الحسبة” سبيلها، فشرعت في حرب “قضم المواقع الرقابية” ونجحت في اقتناص آليات جديدة لا تقوم على التعارض مع السلطة السياسية كما حدث في مصر، بل على التداخل والتشبيك معها، كما حصل في اتحاد الناشرين السوريين مثلاً. ومهازل الرقابة في السنوات الأخيرة ضمن معرض الكتاب، بل إنّ السيد عدنان سالم رئيس اتّحاد الناشرين وصاحب دار “فكر” لم يخفِ تبرّمه من الرقابة الرسمية لأجهزة السلطة داعياً إلى رقابات مجتمعية أو أهلية، قائلاً بهذا الصدد: “أعتقد أنّ الكتاب كان بألف خير قبل أن يكون لدينا وزارات إعلام وثقافة، كانت الرقابة رقابة مجتمع لا سلطة. رقابة السلطة سحبت الرقابة من يد المجتمع واستأثرت بها. الرقابة المجتمعية تتمّ في العلن (في الصحف، الندوات، المؤتمرات)، ولكن حينما أصبحت الرقابة سياسية وتجري في الأقبية وفي الكواليس فقد أثّر ذلك في المجتمع وأدّى إلى ثقافة اللون الواحد. نحن، كاتحاد الناشرين، ضدّ ثقافة اللون الواحد” راجع “راشد عيسى” صحيفة السفير 22 آب /أغسطس، وهو ما يعكس طموح التيار الدينيّ إلى لعب دوره في الحياة الاجتماعية والثقافية السورية.

فهل نستغرب مثلاً أن يوقف عرض مسرحية “طقوس الإشارات والتحوّلات” للراحل “سعد الله ونوس”، التي أنتجها الاتحاد الأوروبي بتعاون مع وزارة الثقافة/ مديرية المسارح والموسيقى، إثر اعتراض مفتي حلب، فيما كانت قد عرضت في مدينتي حماة ودمشق مثلاً دون أيّ اعتراض!!

وهل نستغرب إيقاف عرض مسلسل “أسمهان” الذي حصل على كلّ الموافقات على السيناريو والتصوير والعرض، بما فيها حكم محكمة بهذا الخصوص، ومع ذلك أوقف عرضه على القضائية السورية بأمر من وزير الإعلام بعد عرض عدة حلقات منه في الدورة الرمضانية قبل الأخيرة، إثر اعتراض جهويّ أو عائليّ، مع أن فضائيات عربية أخرى استمرّت بعرض العمل!!

وهل نستطيع أن نفهم قدرة هذه الرقابات الأخرى على فرض شروطها على الهيئة العامة للكتاب ومن خلفها وزارة الثقافة، التي يُفترض أنها مرجعية الرقابة على الكتب والأنشطة الثقافية، حيث مُنع توزيع كتابي “منصور بن سرجون التغلبي”، و”يوميات البديري الحلاق”، علماً أنّ هذا الأخير موجود في الأسواق بطبعة سابقة لم يتعرّض لها أحد بالرقابة أو المنع؟!

نعم إنّ ما يريده السيد عدنان سالم قد أخذ طريقه إلى الممارسة في إطار رقابات اجتماعية كانت ولا تزال هي أخطر من أيّ رقابة رسمية، لأنها تنطلق من منطلقات فئوية وماضوية خارج العصر من جهة، ودون حدود الوطن/ الدولة من جهة ثانية، وإن كنّا نحن مع حرية الفكر والتعبير والنشر، وضدّ أيّ رقابة سواء كانت رسمية أم دينية أم جهوية، إلا أننا ندرك كون هذه الرقابات الأخيرة أخطر من الرقابة الرسمية لأنها تدكّ القاعدة العلمانية لوحدة المجتمع وتطوّره، وهذا يُبشّر أو يشي بنتائج تدميرية على صعيد الهويّة ووحدة المجتمع بآنٍ معاً، ويدفعنا للتساؤل إن كان ظهور هذه الأشكال الجديدة من الرقابات يعني في جملة ما يعنيه ضعف سيطرة الدولة القائمة أساسا على السيطرة، والأخطر من كلّ هذا أنّ هذا الضعف أو التراجع في سيطرة الدولة يتمّ لصالح التيار الدينيّ الذي نجح في حرب أو لعبة قضم المواقع الرقابية، في ظل دولة مازال يحكمها حزب بعث يرفع شعار العلمانية، ويقود جبهة وطنية تقدمية تدّعي كلّ أحزابها العلمانية!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق