السوبرمان

لقد اجترحت كينونة الإنسان ثلاث مرات؛ وهو ما وضعها في موقف لا تحسد عليه. وخلف هذا الاجتراح بالنسبة إليها استياء عميقا وشعورا بالغبن، ومساسا بكرامتها وكبريائها. اجترحت كينونة الإنسان من خلال الإهانات التي عمّقت جراحها التي لم تندمل بعد، والتي لا تتوانى أو تعود القهقرى عن الحطّ من قيمتها العليا ونسف جميع المبادئ التي كان تتغنى بها في السابق.

ونجد في مقدمة هذه الإهانات؛ الإهانة الكوسمولوجية التي رضخ الإنسان لأوامرها السامية منفذا ما أمرت به، وهو إعادة النظر مليّا في كوكبه الذي كان يحلم على أنه مركز الكون. لكنّ الثورة العلمية أو القطيعة الإبستمولوجية مع كوبرنيك الذي كان اكتشافه ضربة موجعة للاعتقاد الوثوقي ، الدوغمائي الذي كان الإنسان ثابتا لديه لا يعتوره الشك أو الظن عندما بين أن الأرض ليست إلا جزيئة زهيدة في النظام الكوني.

في الإهانة البيولوجية خدشت كرامة الإنسان التي يعتز بامتلاكها، ودمرت صورة الإنسان إن لم نقل إنّها شوّهت، تلك الصورة المثالية التي يكون الأنا البشري محورها المركزي ككائن جميل يحوز النّبلَ والسموّ. مؤسسا إمبراطورية مسيّجا إياها بالحصون المنيعة مقصية بذلك الكائنات الأخرى، مانعة بكل قوة أن تطأ أقدامها إقليمها المقدس ودولتها الشريفة، والتشكيك في وجود هذه الإمبراطورية المسجلة توقيعها على سجل التاريخ العظيم. لقد نطق شارل داروين بحقيقة أنّ الإنسان والقرد من أصل مشترك

وهو ما أدّى أوتوماتيكيا إلى انهيار سدّة الإمبراطورية التي كان الإنسان ملكها المتوّج بالإجماع على عرشها بكبرياء مرتاح البال.

الإهانة الثالثة هي الإهانة التحليلنفسية مؤداها أنها أثبتث حقيقة الإنسان الداخلية، وطمست أغلى ما عنده وهو العقل. واعتبرت أنّ الأنا الإنساني لا يسلك سلوكا عقلانيا وواعيا، وإنما هناك اللاشعور أو اللاوعي. وأنّ الإنسان لا يسلك إلا وفق رغبات وأهواء مدفوعا بإملاءاتها، خاضعا لقوانينها المنفلتة من قبضة العقل المحكمة.

زمن الإهانات ولّى. حصلت قطيعة شاملة مع كلّ ما يجعل الإنسان في موقف ضعف، وفي وضع يتسم بميسم الهشاشة وقابلية الاختراق. زمن الإهانات ولى بلا رجعة، حدث طلاق بيّن وبالثلاث مع كل الأشكال والتصورات والأفكار التي تجبر الإنسان على الظهور منزوع القوى ومحروما من كل الميكانزمات الدفاعية الضرورية التي من أهدافها الأساسية التصدي لكل إشكال أو تحقير أو دونية يمكن أن يتعرض لها في حقبة زمنية تاريخية ما.

طرحت تلك الإهانات في البداية، لأبيّن أنّ إنسانا جديدا يلوح في الأفق ليس من السهل إهانته، إنسان ما فتئ يبرهن وبالملموس على تطوره الذاتي المتسارع. فليسمح لي السيد كانط بتطاولي على سؤاله الرابع ما الإنسان؟ ولكن سأصيغه بصياغة أخرى نظرا للمستجدات والتطورات التي لحقت بالوجود الإنساني في كليته وهو من هو الإنسان المعاصر اليوم؟

الإنسان المعاصر استعاد مركزه ووضعه الاعتباري بكل ثقة، وعامل الثقة هنا هو ما يثمّن وجود الإنسان في العالم مرسخا قدميه على أرضيته بثبات وعزيمة. بدونه لن يستطيع الاستمرار والحفاظ على مركزه المشمول بالسيادة. الإنسان له إمكانات هائلة على خلق الامتياز والفرص التي تمنحه بدون شك البقاء، علما أن البقاء هو دائما للأقوى، وللكائن الذي يوجهه ذكاؤه وملكة العقل إلى ما هو أرقى وأفضل، إضافة إلى قدرته على التكيّف مع الظروف الخارجية التي تشكل في مجملها إكراها مفرطا يشوش على مساره الطبيعي في الحياة والبقاء حيا. هذا هو الإنسان، هو ما يدخر كل تلك الممكنات دفعة واحدة، ولا يستثني منها أية إمكانية. الإنسان المعاصر هو مركز الكون ونواته الصلبة التي لا تتزحزح جدرانها الإسمنتية مهما كانت العوامل الخارجية التي تؤثر في كيانه. لا ريب في أن الإنسان استعاد مركزه بكل جدارة واستحقاق بعدما كان خاضعا في الماضي القريب للإهانات المسترسلة ولسلطة قوى مفارقة ترغمه على الوجود وفق إرادتها الكلية والأبدية. بموجب هذه الإرادة يعمل على تنفيذ تعاليمها مغمض العينين ومشلول الوعي ومعطلا على المستوى الذهني والفكري. لقد استعاد الإنسان هيبته وهالته العظمى بقدرته اللامتناهية على التكيف والأهم من ذلك، على إخضاع الأشياء والموجودات البرانية للحساب والفعالية وللتمثل الموضوعي ليكون الشيء غير متمتع بالوجود للذات أو لذاته، بل موجود من أجل الذات الإنسانية التي تخضعه لمحك المساءلة الصعبة، وتجبره على الكلام بلغة الرياضيات والمعادلات الحسابية والرموز والشفرات الملتبسة في ذاتها، وعلى تفريغ نفسها في خدمة طلبات وانتظارات وحاجيات الإنسان الجوهرية. هذا التمكن الإرادي والقوي للإنسان على الموجودات البرانية بما فيها الطبيعة هو نتيجة للاستثمار المقصود والفعال في الوقت عينه لمفاعيل التكنولوجيا المتطورة.

أين تكمن هذه الاستعادة لمركزية الكون؟

من التصورات السائدة والمهيمنة على شبكة الدماغ البشري التصور الذي يفيد أن الله هو الكائن الوحيد الذي له القدرة على الخلق. هو من خلق العالم في سبعة أيام واستوى على العرش متربعا في ملكوته السماوي الرحب في اليوم الثامن، وهو من خلق الإنسان ليتدبر عيشه في الحياة من خلال العمل. لكن إمكانية الخلق انفلتت من قبضة الله لتشد رحالها إلى يد الإنسان الممدودة. ما كان في متناوله من إمكانات لا متناهية في التغيير بمشيئته وفي تحكمه على مجمل مجريات الأمور والتفاصيل الدقيقة التي تنسج أحداثها في الاحتجاب، ولا يعلم مصيرها ونواياها إلا هو، فهذه القدرة زالت مفعولاتها وطمست معالمها بفضل تدخل الإنسان من حيث هو قدرة على الخلق، أي له الإمكانية القصوى على تغيير طبيعة الأشياء،

وإصلاح كل ما يتعرض للاعوجاج و الانحراف، وإعادته لطبيعته ولمساره المعهود. بهذه المقدرة المتاحة للإنسان تمكن من سحب البساط من تحت قدمي الله.

القدرة على الخلق هي الجملة التي يتمحور حولها الصراع ما بين الطرفين. فالطرف الذي يحوز عليها يكون في موقع قوة. والإنسان في هذه الحالة هو القوي، لأنه استطاع امتلاك الشفرة العجيبة وانقض عليها بالنواجذ من خلال قدرته على فك رموزها ومفاتيح الدخول. إذن، استعادة الإنسان مركزية الكون تتجلى في امتلاكه رمز شفرة الخلق. والجدير بالذكر هنا أن الإنسان أضحى يتحكم في مصيره، في جسده، ويتحمل مسؤولية نفسه، ويعي كم هو صعب تحمّل هذه المسؤولية وسؤال مؤدياتها غير الواضحة.

من هو الإنسان في نهاية المطاف إن لم يكن ذاك الكائن الذي يتميز بالوجه. فهذا الأخير معقل الحقيقة والجسد علامته المميزة الوجه كعلامة تؤشر على دلالات متعددة، بفضله نحيا في حضن علاقات تربطنا مع الآخرين. الإنسان كمفهوم كلي ينطوي تحته الأفراد بتعددهم وتنوعاتهم ومشاربهم وأصولهم يظهرون عبر الوجه، هو الذي يميزهم عن بعضهم البعض. والإنسان اليوم لا يغفل هذه الحقيقة الأكيدة، مما دفعه إلى فك شفرة الوجه وقدرته على خلقه وصناعته بما يتوفر عليه من قوى معرفية وعلمية تخول له هذا الفعل. في الولايات المتحدة الأمريكية أسدل الستار على أكبر عملية جراحية لزراعة الوجه، وهي التذكير فقط تعتبر ثاني عملية، وقد استغرقت مدة سبعة عشر ساعة، أجريت خلف جدران مستشفى “بريغام أند وومان” في بوسطن boston . بات الإنسان اليوم قادرا على الخلق من خلال عمليات زراعة الأعضاء والوجه على الخصوص من حيث هو قيمة إنسانية من جهة ومعقل حقيقة الإنسان من جهة ثانية. كيف لا والله ذاته في الماضي القريب كنا ندركه بأن لا وجه له والإنسان ليس إلا وجها. هنا يتعالى الإنسان ويبسط نفوذه وسلطته القوية التي لا مثيل لها لحد الآن.”الإنسان وحده اختص بالوجه، فالله الذي فوق الناس جميعا لا وجه له. فلاشيء في تعبيرية الجسد لا يمكن ألا يردّ إلى ما يشكل مادة للتذكر وسبيلا من سبل التعرف. إن الهوية وجه، فهو ما تلتقطه العين وما تحتفظ به الذاكرة، وما تحتفظ به أرشيفات أجهزة الأمن في كل أصقاع المعمور. إنه موطن اللغة وزمنها، وموطن نظام رمزي يستعيد في الحياة اليومية امتداداته في كل الأعضاء الأخرى. لذلك فهو مادة رمزية لا تنضب”1.

الوجه هو الضرورة الوجودية التي يتوطد الوجود الإنساني بواسطتها في الكون ويتجذر. به ينخرط الكائن الإنساني في متاهات الحياة اليومية وينشغل بهمومها. نقابل الأشخاص و نحبهم من خلال ما توحي به وجوههم من علامات وإيحاءات، ونكرههم من خلال ما يؤشر عليه وجههم من دلالات وإشارات تنذر بخطر محدق أو الوقوع في فخ شرك ما، الوجه يعبر عن تواطؤ ما، الوجه يستر أو يخفي حقيقة أو سرّا، أو وجه يشي بالكذب من خلال حركات العيون وسكنات القلوب، العين التي تنظر إلى جهة الشمال تفضح الفرد أثناء إلقاء خطابه أو أحاديثه على أنه كاذب ويزيغ عن الإفصاح بالحقيقة. والأهم من ذلك، يجب القول على أن ” الوجه هو الجزء الأكثر فردية والأكثر خصوصية في الجسد. إن الوجه رمز الشخص. ولهذا كان استعماله الاجتماعي في مجتمع بدأ الفرد يؤكد نفسه فيه ببطء . إن الارتقاء التاريخي للفرد يسير بشكل مواز لارتقاء الجسد، وخاصة ارتقاء الوجه ” .2 من هذا المنطلق، نجد أن الفردية ذاتها لم تتسلق السلم الاجتماعي في المجتمع الغربي إلا بانكشاف الوجه كعلامة مميزة، مع عدم إغفال للصعود التدريجي للجسد.

لا يمكن إنكار ضرورة الوجه بما هو قيمة أنطولوجية بمعيتها نؤسس وجودنا الخاص والحميمي. عندما نتكلم عن الوجه، نتكلم عن البوابة التي من خلالها نلج ساحات الفرد الغنية. والتي تسمح لنا بالاقتراب والدنو أو التحاشي والابتعاد. نحن لا نطمئن للأشخاص إلا بفك شفرة وجوههم وما تنطوي عليه سريرتهم الدفينة. ومن ثمة، نؤسس معه علاقة عنوانها العريض التقدير والاحترام وتبادل الكلام والأسرار.

” فالعلاقة بالوجه هي علاقة إيطيقية بامتياز. فعبر الوجه يستثنى الإنسان ذاته عن الأشياء الأخرى في العالم، و عن كل نزوع ذاتي، أو كل نزعة اختزالية للآخر في الذات، بل إن رؤية الوجه تعني اللقاء بكائن آخر مغاير مغايرة مطلقة للذات، وهذه المغايرة المطلقة تتمثل في عدم قابلية ذلك الآخر للاختزال. وتعذر الآخر على الاختزال يكشف علاقة الوجه بالمسؤولية الإيطيقية تجاه الغير. إن إيمانويل لفيناس يعتبر أن الوجه حالة إيطيقية تؤسس العلاقة بالآخر على مبدأ التقدير”3.

الإنسان دشن مراحل أساسية في تاريخه، وترك بصمات عالقة على سطحه لا تندثر مهما حصل، ولا تذروها الرياح والعواصف والأعاصير الكثيفة. شهدنا الانتقال من الإنسان العاقل sHomo Sapien إلى الإنسان الاقتصادي Homo Oeconomicus إلى ما أسميه الإنسان التكنولوجي Homo Technologicus ، إنه الإنسان الذي يتنفس نسيم التقنية، ولا يتحرّك إلا وفق ما تقتضيه التقنية من شروط عليه أن يخضع و ينفذ برامجها بدقة متناهية وبحذافيرها. الإنسان اليوم هو إنسان يؤسس لعصر جديد كل الجدة، إنه عصر التقنية. وليست التقنية البسيطة، بل هي تقنية تعلي من شأن التعقيد، وتصفق بكل حرارة لكل ما هو مركب ويحتاج إلى ممارسة وتعامل لين، إنه عصر التعقيد بامتياز. الإنسان التكنولوجي لا يسلك وفق ما تقتضيه أو تمليه عليه إرادته، بل ما يمليه عليه إيقاع العصر. الكل متخم بالتكنولوجيا وعلاماتها الخارقة. هذا الإنسان لا يتمثل العالم إلا كأشياء وموضوعات قابلة للملاحظة والكم والقياس والتقعيد أو الترييض والحساب. والجسد لا يسلم من الهيمنة الشمولية للإنسان التكنولوجي الذي يتدخل في معالجة وتقديم الوصفات العلاجية إليه وإن اقتضى الحال ترميمه وتجميله على اعتبار أن الجسد من زاوية نظر هذا الإنسان ليس إلا موضوعا للدراسة والتحليل والتمحيص والتشريح الطبي.

فالقدرة على الخلق لم تعد تستجيب لنداءات الله الراجية، بل هي خاضعة لأوامر الإنسان التكنولوجي. فعملية الخلق رهينة لهذا الإنسان الذي يحركها بأصابعه كدمية مسرح العرائس. الإنسان التكنولوجي من حيث هو كائن يتنفس هواء التقنية من فجر الصباح الباكر حتى يرخي الليل سدوله يعمل على صنع الإنسان، ولا يكتفي فقط بصنعه صناعة عادية، بل هي صناعة على المقاس. الإنسان التكنولوجي بما يتوفر عليه من تقنيات متطورة في مجال تعديل الجينات فتح الباب على مصراعيه لاحتمالات لم تكن في الحسبان. فقد وصل به الأمر إلى حد قدرته على تصميم أطفال حسب طلب الوالدين المفترضين، هذه القدرة هي نتيجة فهم خريطة الجينوم البشري. وهو ما يؤدي إلى تحديد لون شعرة الطفل، بشرته، طوله وذكائه. وقدرته على اختيار الأجنة بحسب الجنس وفحصها لمعرفة ما إذا كانت فيها جينات لأمراض وراثية وهو ما يؤدي إما إلى إجهاض الجنين أو الاحتفاظ به إذا ما تمّ تحليل الحمض النووي DNA للبويضة في مرحلة مبكرة قبل زرعها عبر إجراء التخصيب الصناعي وفصل الجينات الحاملة للأمراض الوراثية عن تلك السليمة.(عن العرب أونلاين بتاريخ 2009-04-25).

لا يكفّ الإنسان التكنولوجي عن الاستسلام لما هو مألوف، ولا يرضخ لمسلمات العصر البديهية، بل ينخرط في تجارب علمية يخوض من خلالها مغامرات لا يمكن معرفة إلى أين تقود. وهي مغامرات خاضعة لقوانين وقواعد مضبوطة. ويظهر لي شخصيا على أن هذا التعدد في الكشف والتنقيب والأبحاث المخبرية ليس إلا صيغة تروم تحقيق الإنسان المكتمل الذي يستحيل أن يشكو عضو من أعضاء جسده الألم، هو نزوع نحو تأبيد الإنسان في الأرض وتخليده لأجل غير مسمى. إنه فعل يسعى إلى تحقيق خلفية لا جدال حولها وهي محاولة وضع جنين يتميز بالخلود والقوة الجسدية وصحة مكتملة الأطراف، إنه الإنسان الأعلى أو السوبرمان. إن التجارب التي تتناسل مع مرور الزمان تخبرنا بأن ساعة المجيء قد دنت ودقت عقاربها لنبي نيتشه المنتظر. كم نشتاق إلى هذا الحدث الجلل. إن الإنسان التكنولوجي بالعتاد اللوجيستيكي والآلا ت الصغيرة والثقيلة الدقيقة والمصممة تصميما مركزا التي بحوزته يحاول بها تأسيس عصر معرفي يكون فيه الإنسان غير قابل للموت. سيصير الموت في هذا العصر أسطورة من الأساطير القديمة.

الإنسان التكنولوجي كمفهوم جديد يكرس لوضع جديد، ينحت تاريخ جديد لم تعد الأشياء إزاءه قابلة للشك ،بل الكل بالنسبة إليه صار ممكنا و يقينيا، قاموس الاستحالة بات من الماضي وعفى عليه الزمن، وأكل عليه الدهر وشرب. الإنسان التكنولوجي ينضوي تحته جمهرة من السواعد والكفاءات من أطباء متخصصين وعلماء المختبرات ممّن لهم القدرة على البحث والبحث العلمي على وجه التحديد، رهانهم الوجودي هو صنع إنسان مثالي نموذجي ينتفي عنه الموت. يتناولون كل صباح جرعة زائدة من الثقة محاولين التصدي لكل صنوف الأمراض الفتاكة والمميتة. إن سعيهم هو سعي دؤوب نحو قتل وتصفية كل ما يزعزع كيان الإنسان ويحمله من الحياة إلى غياهب النسيان والتلاشي والعدم.

قال الطبيب:”سأشفيك، لم أسمع إلا هذه الصيغة؛ ماري كلود لم تنتبه إليها. أنا متأكّد من هذه الجملة التي صرح بها. خلال ساعات حاولت تفسيرها على مدار الليل والنهار من أجل تخفيف العبء على ماري كلود: لم يقل سنحاول أن نشفيك ولا سوف نرى ماذا باستطاعتنا القيام به، ولا سنعمل جهدنا لتحقيق الأفضل.لم يقل لا هذا وذاك ، قال بالحرف الواحد سنشفيك”4.لقد خضعت ماري كلود لفحوصات طبية معتقدة أنّ ورما خبيثا يسكن ثديها. انطلاقا من هذا الكلام، يتضح بجلاء أنّ البحث العلمي لن يرفع الراية البيضاء و لن يهدأ له بال إلا بتصفية داء فقدان المناعة المكتسبة والسرطان والأمراض الغريبة التي باتت تداهمنا في غضون هذه الأيام. هاجس البحث لا يفتر، ولا يردعه رادع. هاجس البحث عن إزالة ما يجعل الإنسان يظهر في صورة بشعة، بوجه غير مكتمل يحمل بين سطوحه أخاديد من الانحرافات والتشوهات لن يتوقف، هاجس البحث لا يطيق هذه الصورة ويمني النفس الانزياح عنها وردم معالمها غير المرغوب فيها. والجدير بالذكر أن هذا الهاجس يعود إلى زمان تاريخي بعيد. فالأطباء في الهند القديمة وخصوصا مع الطبيب سوسروتا SUSRUTA من خلال قيامه بعمليات جراحية تصب في خانة التجميل وبالأخص ترقيع الجلد، وذلك في القرن الثامن قبل الميلاد تحديدا. مرورا بالرومان وأوروبا خلال القرن الخامس عشر.

إذا كان رونيه ديكارت أب العقلانية الأوروبية الحديثة التي تمخضت عنها ثورات معرفية وفكرية، فلسفية فتحت المجال لفتوحات مثمرة على جميع الأصعدة. فإن السير هارولد جيليز هو أب الجراحة التجميلية الحديثة، بفضله تطورت العمليات الجراحية إلى مستويات مذهلة. واستخدمت بالتالي أدوات ومواد مشهود لها بالفعالية. هي عمليات في عمقها تسعى إلى الإبداع في الكائن. هذا الأخير قابل للتغيير وقابل للظهور بمظهر مغاير كل المغايرة، عمليات تروم صنع نموذج إنساني لا يعتوره عيب أو نقص أو تشوه. فالإنسان المكتمل هو هاجسها الأبدي والوحيد الأوحد. من إعادة رونق الوجه وشد الجفون وإزالة الجيوب الذهنية من أسفلها وشد الوجه والرقبة وتجميل الأنف، وحقن البوتولونيوم ( بوتكس، ميوبلول غائيتها الاستعمالية هي إزالة تجاعيد العينين وطي المعدة ورفع الثدي للنساء. ترمي برمتها إلى خلق النموذج المثالي. يمكنني القول أن ثمة مستويين لتيمة الخلق. هناك خلق يرمي إلى صنع إنسان مستقبلي كامل، لا ينخره المرض وغير قابل للموت، إضافة إلى عمليات زرع الأعضاء التي تترجم في مضمونها أن هناك نزعة أكيدة نحو إنقاذ الكائن بإضافة أعضاء جديدة تفيده في البقاء حيا. ثم هناك عمليات تجميلية لا يروقها المظهر المشمول بالنقص والعيب، بل تهدف إلى خلق إنسان كامل ومتكامل منسجم القوام والقدّ وأناقة جسدية تغري النظرة.

يظهر أنّ القرن الواحد والعشرين هو قرن للجسد؛ هو مبتدأ الوجود ومنتهاه، هو المريض الذي يتطلب العناية المركزة. الجسد لا يتمركز في مكانه ويترسخ، فهو حقل تجارب لميادين عديدة لا تدخر جهدا في الاستفادة منه. هاهو ميدان التشريح الطبي لا يدعه يرتاح ويأخذ نفسا عميقا ليرميه إلى أحضان الميدان الاجتماعي الذي لا يكفّ بدوره عن استخدامه واستعماله لأغراض اقتصادية بحتة. بين هذا وذاك، يبقى الجسد تائها، شاردا لا يدري إلى أين سيؤول وأي طريق سيسلك؟.

{{الهوامش:}}

1 – سعيد بنكراد : الصورة: وهم الاستنساخ واستيهامات النظرة. جريدة الأحداث المغربية، صفحة ملتقى الفكر، عدد 3709.

2 – دافيد لوبروتون: أنثروبولوجيا الجسد والحداثة. ترجمة محمد عرب صاصيلا، الطبعة الأولى 1993، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، صفحة 41.

3 – عبد العزيز بومسهولي: أخلاق الغير نحو فلسفة غيرية. سلسلة أبحاث فلسفية. مركز الأبحاث الفلسفية بالمغرب، الطبعة الأولى 2005.

4 –Michel onfray : Fèeries anatomique. Généalogie du corps faustien, edition Grasset&Fasquelle, 2003, page 39.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق