السياسي والديني في المجال الإسلاميّ

“السياسي والديني في المجال الإسلاميّ ” لمحمّد شريف الفرجانيّ بحث نشر بالفرنسيّة سنة 2005 ، وترجمه إلى العربيّة محمّد الصغيّر جنجار، وصدر عن منشورات “مقدّمات” بالدّار البيضاء (يناير 2008). نسوق منه هذا الفصل من باب التّعريف ولفت الانتباه..

{{في العلاقات بين الإسلام والسياسة

أهمّ الأطروحات}}

لم يكن الإسلام السياسي محلّ اهتمام كثير من الملاحظين والمختصين قبل قيام « الجمهورية الإسلامية » في إيران سنة 1979، بخلاف ما أصبح عليه الأمر منذ هذا التاريخ. فقد صارت تعبيراته تحتلّ صدارة الأحداث الدولية ومشاغل المحللين والباحثين مغذّية شتّى مشاعر الخوف والانبهار والهلوسة. فقد أعطت الثورة التي أدّت لقيام « الجمهورية الإسلامية » في إيران للإسلام السياسي دفعا قويا جعل منه ظاهرة لا يمكن تجاهلها، وفاعلا له وزنه في كلّ البلدان الإسلامية وعلى الساحة الدولية:

– ففي السودان وأفغانستان تمكّنت حركات تنتمي للإسلام السياسي من الوصول إلى السلطة ومن فرض سياسات قوامها تصورات تذكر بأحلك فترات القرون الوسطى.

– وفي تركيا والأردن والمغرب أحرزت أحزاب من نفس الاتجاه انتصارات في الانتخابات جعلت منها قوى فاعلة في الحقل السياسي لم يعد بالإمكان التقليل من شأنها. أما في الجزائر فقد أدّى رفض الجيش – وكذلك جزء من القوى السياسية ومن المجتمع – القبول بانتصار جبهة الإنقاذ الإسلاميّ في الانتخابات، إلى اندلاع حرب أهلية مازالت البلاد تعاني من تبعاتها منذ بداية تسعينات القرن العشرين.

– وحيث تمكّنت سياسات القمع من قطع الطريق أمام الانتصار الانتخابي لحركات الإسلام السياسي وتجنّب الحرب الأهلية التي يمكن أن تتواجه من خلالها هذه الحركات، والسلطة والقوى السياسية والاجتماعية المناوئة لها، فإنّ كثيرا من المؤشرات تنذر بأنّ ما يبدو انتصارا عليها قد يكون مجرّد وهم. فنار الغضب تتأجّج تحت رماد القمع، يغذيها فساد الحكام واستبداد الأنظمة القائمة وتنامي ثقافة الحقد من جراء تدهور ظروف العيش وتفاقم مظاهر الظلم والحرمان واليأس. والتاريخ حافل بالأمثلة على الدور الذي تلعبه هذه العوامل في تحول مثل هذه الحركات من وضع الضحية الراضية بالاستشهاد إلى وضع البطل أو الجلاد.

وتختلف استراتيجية حركات الإسلام السياسي من بلد إلى آخر ومن سياق زمني إلى آخر. ففي بعض البلدان نراها تفضل سياسة الانصهار في ثنايا النسيج الاجتماعي والعمل الخفي وتتجنب استراتيجية «الاستشهاد» أو الدخول في مواجهات مفتوحة مع خصومها دون اعتبار لموازين القوى. وفي بلدان وأوضاع أخرى نرى أكثر تعبيراتها جذرية تنجح في القيام بعمليات لافتة للأنظار، سواء من حيث ارتفاع عدد ضحاياها أو بالنظر إلى الأهمية الرمزية للأهداف التي تطالها. وقد تعددت مثل هذه العمليات رغم سياسات القمع المدعومة بخطة دولية لمقاومة الإرهاب تم تسطيرها غداة عمليات الحادي عشر من شتنبر 2001.

كما ظهرت مطالب وحركات سياسية ذات مرجعية إسلامية في البلدان ذات الأقليات الإسلامية التي لم تعرف من قبل سوى تعبيرات دينية مسالمة وغير مسَيّسة. وحيث تعاني هذه الأقليات من التمييز والاضطهاد – كما في الدول المتولِّدة عن انهيار الاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية والبلقان والعديد من البلدان الآسيوية – فقد اتخذت هذه الحركات شكل المقاومة المسلحة المستعملة لمختلف الوسائل للدفاع عن نفسها وللفت الأنظار إلى ما تعيشه من أوضاع مأساوية. وفي البلدان الغربية، حيث يُعد حضور الإسلام حديث العهد، عرفت تجليات الإسلام السياسي انتشارا ملحوظا : بعضها يطالب السلط الحاكمة بمعاملة الإسلام والمسلمين بنفس ما تعامل به الديانات الأخرى وباقي السكان، وبعضها يدعو إلى سن أحكام وحقوق متميزة تأخذ بعين الاعتبار التقاليد المدافع عنها باسم الإسلام. وفي علاقة بما يجري على الساحة الدولية وبحركات الإسلام السياسي في هذا البلد أو ذاك، أو دون أي ارتباط بما يجري هنا وهناك، تنظم بعض الجماعات أنشطة للتضامن مع شعوب إسلامية مستهدفة من طرف عدوان أو اضطهاد قوى أجنبية، أو مع حركات تشاطرها نفس الأهداف والتوجهات الإيديولوجية أو السياسية. وقد تصل هذه الأنشطة إلى حد اللجوء إلى أشكال قصوى من العنف كما تجلى ذلك في عمليات 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية و11 مارس 2004 في إسبانيا وفي عمليات أقل أهمية في فرنسا وفي غيرها من البلدان الأوروبية1.

وقد كان لهذه الأحداث المتواصلة منذ سبعينات القرن العشرين، دور في تغذية مقاربات جديدة للإسلام قطعت مع التصورات الموروثة عن فترة الاستعمار. فبفعل هذه الأحداث، تراجعت تلك الصورة التي دأبت على تقديم الإسلام باعتباره «دين الاتكال والاستسلام للقدر» كما روّج لذلك المنظّرون لإيديولوجية «المهمة الحضارية» للاستعمار. وتراجعت أيضا الصورة التي دافع عنها المستشرقون المنبهرون بموضوع بحثهم، والتي كانت ترى في الإسلام «منظومة روحية عرفت كيف تصمد أمام حداثة غارقة في المادية». وظهرت، على أنقاض هذه الصورة وتلك، رؤية جديدة يبدو من خلالها الإسلام كدين عدواني وظلامي سجين ماهية خاصة تميزه عن باقي الأديان، وعن الديانتين المسيحية واليهودية على وجه الخصوص. وهكذا أفل نجم الدراسات الإسلامية التي طورها مستشرقون كبار مثل لويس ماسينيون وهنري لاووست ولويس جاردي وجاك بيرك وماكسيم رودانسون، على سبيل المثال وبالاقتصار على أشهر المستشرقين الفرنسيين. وفسح المجال للمقاربات ذات الصبغة الاجتماعية-السياسية والأنثروبولوجية الخاضعة للتصورات الماهوية المفضلة لدى المتخصصين الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط. وتحول برنارد لويس، طوال ثمانينات القرن العشرين – وإلى الآن لدى عدد كبير من المختصين في دراسة الإسلام والعوالم الإسلامية – إلى أهم مرجع لفهم ودراسة كل ما يتعلق بالإسلام. فمن خلال الصورة التي ترسمها أعماله، يتجلّى الإسلام كديانة شمولية – إن لم نقل كليانية – حاوية وصاهرة لكل شيء : للروحي والدنيوي، للسياسي والديني، للعام والخاص. فهو في نفس الوقت، ودون تمييز، عقيدة وشريعة، دين ودولة، ولا نجد فيه مقابلا لما يُقدم على أنه أساس الفصل بين الديني والسياسي في العالم المسيحي. فليس في الإسلام، حسب برنارد لويس، نظير لما جاء في الأناجيل على لسان المسيح : «إن مملكتي ليست في هذا العالم» أو لقوله : «أعطوا لقيصر ما لقيصر وأعطوا لله ما لله !». ويضيف لويس: «من المؤكد أن هذا [الفصل] له أساس ومعنى في رؤية وممارسة المسيحية ولكنه أبعد ما يكون عن الإسلام. فالديانات الثلاث الكبرى للشرق الأوسط تتميز باختلافات أساسية فيما يخص علاقتها بالدولة وموقفها من السلطة والسياسة. إن الديانة اليهودية انفصلت عن الدولة بعد أن كانت في البداية مرتبطة بها، وما تعرفه في الظروف الراهنة من مواجهة مع الدولة يطرح مشاكل لم تجد بعد حلولها. والمسيحية ظلت طوال القرون الأولى لتكونها منفصلة عن الدولة، بل معارضة لها، ولم تندمج في صلبها إلا في وقت متأخر جدا. أما الإسلام فلم يكن متميزا عن الدولة منذ أن كان مؤسّسه على قيد الحياة. والتماهي بين الدين والسلطة مرسوم في ذاكرة ووعي أتباعه بصورة لا يمكن أن تمحي بناء على ما جاء في نصوصهم المقدسة وعلى ما يميز تاريخهم وما يعيشونه… »2. وحتى لا يترك مجالا للشك حول العلاقة الوطيدة بين الإسلام والدولة، يضيف لويس:«…إن الدين لا يمثل في الإسلام قطاعا أو مجالا من مجالات الحياة يهتم بتنظيم بعض الميادين دون غيرها، كما هو الأمر في المسيحية. بل إن الدين الإسلامي يرتبط بكل مناحي الحياة وتعد تشريعاته شاملة كُلية لا حدود لها. وهكذا ففي مجتمع من هذا القبيل لا معنى لفكرة الفصل بين الدين والدولة لأنه لا توجد مؤسستان قابلتان للفصل: المؤسسة الدينية ومؤسسة الدولة. بل إن السلطة الدينية والسلطة السياسية تشكلان وحدة، والعربية الفصحى كغيرها من اللغات التقليدية للإسلام، لا تعرف متضادات تعبر عن الثنائية التي نجدها في المسيحية للمقابلة بين ما هو علماني (من العالم) وما هو تابع للكنيسة، بين الزمني والروحي، بين الدنيوي والديني. ويرجع ذلك إلى أن هذه المتضادات تحيل إلى ثنائية خاصة بالمسيحية لا نظير لها في عالم الإسلام »3. وبناء على هذه المقاربة يستنتج برونو إيتيان:«الفصل التام بين الدين والسياسة […] فكرة غريبة تماما عن الإسلام الذي لا يمكن أن يقبل التدجين (أي الانحسار في دائرة الحياة الخاصة) »4، ويضيف موضحا أن الإسلام «يتضمن مبدأ شموليا5» لا يمكن أن يتعايش مع مبدأ العلمانية لأن «الجمهورية العلمانية هي نقيض الأمة-المدينة»6. ولم يسلم من الوقوع في فخّ هذه الرؤية حتى أولئك الباحثون المعروفون بدراساتهم الموضوعية مثل ماكسيم رودانسون الذي ذهب في تقديمه لكتاب برنارد لويس عن الحشاشين إلى اعتبار الإسلام دينا «يتميز بخصوصية هامة ضمن أسرة الديانات التوحيدية، وتتمثل في الربط الوثيق والبنيوي بين ما هو لاهوتي وما هو سياسي»7. وبتعبير وجيز، يبدو الإسلام من خلال هذه المقاربات وكأنه في نفس الوقت وبصورة لا تقبل الفصل والتمييز:

– دين، أو ملة، بكل ما تشمله الظواهر الدينية من تصورات يجب الإيمان بها (عقيدة) وفرائض عملية تشكل طقوسا وشعائر يتوجب القيام بها (عبادات)، وأعمال وسلوكات تخضع لأحكام صارمة تشمل كل علاقات الإنسان بذاته وبغيره وبالعالم الذي يعيش فيه (معاملات)؛

– نسق أخلاقي-سياسي-قانوني (الخلافة أو الإمامة أو الدولة الإسلامية) يقوم على الشريعة، مفهومة على أنها قانون إلهي لا يقبل المراجعة أو التطور، ويشتمل على أحكام نهائية متعلقة بكل شيء وعلى أسس ثابتة لما يجب أن تكون عليه العلاقات والسلوكات الفردية والجماعية لكل من يعلنون انتماءهم للإسلام؛

– جماعة روحية وسياسية في نفس الوقت (الأمة التي يختزلها برنارد لويس في عبارات « الجماعة الروحية والسياسية للمسلمين» أو «النسق السياسي (…) الخاضع لسلطة صاحب السيادة (الخليفة أو الإمام)» أو «الجماعة الإسلامية الكونية والفريدة والتي تشمل كل البلدان الخاضعة للهيمنة الإسلامية وحيث يسود قانون الإسلام»8 ؛

– وحدة ترابية تشكل «دار الإسلام» حيث تكون الحرب فتنة ممنوعة بخلاف «دار الحرب » التي تكون فيها الحرب مشروعة بل واجبة باعتبارها جهادا (كمفهوم مختزل في معنى « الحرب المقدسة » التي يفرضها واجب العمل على نشر الإسلام، والتي لا يمكن أن تتوقف إلا عندما تصبح « الأمة عامة » – حسب تعبير برونو إيتيان9- أي شاملة لكل البشرية).

وبناء على نفس المقاربة، تقول كاميليا لاكوست ديجاردان، ناسية أبجديات العلوم الاجتماعية التي مارستها في الجزائر: « تعد الديانة الإسلامية المنتشرة عبر إفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا 900 مليون من الأتباع. معنى ذلك أن 450 مليون امرأة ينتمين إلى «الأمة» (بالعربية في النص الفرنسي) أي الجماعة الإسلامية، 450 مليون امرأة يخضعن لنفس القانون رغم اختلاف المجتمعات والدول التي يعشن فيها. فالمسلمون يؤمنون جميعا بالطبيعة المقدسة للغة ولمضمون القرآن، آخر الكتب المقدسة المشتمل على الوحي الذي تلقاه النبي محمد »10.

وقد بلغ تأثير هذه الرؤية درجة أصبحت معها أعمال برنارد لويس مرجعا للكثير من الباحثين والناشطين السياسيين في البلدان الإسلامية، ينهلون منه تحرزا من الخطاب السائد في بلدانهم. فقد اكتشف هؤلاء الإسلام من جديد تحت ضغط تنامي الإسلام السياسي، من جهة، ومن خلال ما يكتب عن الإسلام في البلدان الغربية، من جهة أخرى. ومضت أعوام قبل أن ينتبهوا إلى أنهم، بتعاملهم هذا، إنما كانوا يقدمون أجلّ الخدمات للإسلام السياسي متوهّمين أنهم كانوا بصدد مقاومته.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الرؤية ليست غريبة عن التنبؤات المتعلقة بحرب الثقافات التي يُبشر بها صامويل هنتنغتون قبل أن يتبناها أنصار الإسلام السياسي ودعاة العداء للإسلام الذين يجدون في الجرائم المقترفة والمدافع عنها باسم الإسلام ما يعمق عداءهم له11. ويلح مؤلف «صدام الحضارات» على الدور الأساسي للدين في مستقبل الصراعات الدولية قائلا: « تتمايز الحضارات عن بعضها بالتاريخ واللغة وبالثقافة وبالدين، وهذا (أي الدين) هو الأهم »12. وتزداد أهمية دور العامل الديني مع ازدياد حاجة المجموعات البشرية إلى ما تسند إليه هويتها في عالم يشهد تلاشي جل الحدود نتيجة لتنامي المبادلات والهجرات13.

وإذا كانت الحضارات -كما يعرفها هنتنغتون – غير قادرة على التعايش بسلام، فالسبب في ذلك يعود إلى الاختلافات القائمة بينها حول مسائل جوهرية مثل «العلاقات بين الله والإنسان، وبين الفرد والمجموعة، وبين المواطن والدولة، وبين الآباء والأطفال، وبين الزوج وزوجته»، وكذلك لمسائل أخرى مثل «الأهمية المعترف بها للحقوق والمسؤولية، للحرية والسلطة، وللمساواة والتمايز التراتبي»14. ويرى هنتنغتون أنه لا مفرّ من نشوب صراعات بين الحضارات بحكم هذه الاختلافات الجوهرية، وسوف تكون هذه النزاعات أكثر استمرارية وعنفا من تلك التي كانت ذات طبيعة اقتصادية أو سياسية أو إيديولوجية.

وتلتقي هذه النظرية المنحوتة بفجاجة (أو بفأس، حسب تعبير إيمانويل تود15) مع مقاربة برنارد لويس حين تحشر الإسلام ضمن الحضارات الأكثر تعارضا مع الثقافة الغربية. فهنتنغتون لا يضع الاختلافات بين الغرب وباقي الثقافات في نفس المستوى، بل يرى أن هذه الاختلافات «أقل أهمية بالنسبة لأمريكا اللاتينية والبلدان الأرثودوكسية المنتمية لما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي. وهي ذات أهمية أكبر في علاقة بالمجتمعات الإسلامية والكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية»16. وهذا التصور لعلاقة الإسلام بالغرب هو عين ما يقوله برنارد لويس، ونفس ما نجده في خطاب الإسلام السياسي الذي يرى فيه كل من هنتنغتون ولويس تجسيدا أمثل للإسلام.

وفي مقابل هذه المقاربات المناوئة للإسلام والمسلمين، دافع البعض عن الإسلام السياسي ورأوا فيه شكلا من أشكال المقاومة المشروعة لهيمنة القوى الغربية وللدكتاتوريات الفاسدة التي تحظى بدعم هذه القوى. وقد ذهب بعضهم إلى اعتبار أن حركات الإسلام السياسي تمثل نهجا متميزا للانتقال الحداثي والديمقراطي. وجاءت التطورات المأساوية الناجمة عن تنامي حركات الإسلام السياسي وعن سياسات القمع الممارسة ضدها، لتجعل الكثيرين يقطعون مع هذه المواقف. كما أن تلك المراجعات لم تكن بمعزل عما أسماه أوليفي روا بـ «فشل الإسلام السياسي»17.

وعلى العكس من ذلك واصل البعض -على غرار فرنسوا بوركا- دفاعهم عن الإسلام السياسي متهمين من ينتقده بمعاداة الإسلام وبالتواطؤ مع الإمبريالية الأمريكية والهيمنة الغربية ومع الدكتاتوريات والأنظمة الملكية الرجعية القائمة في البلدان الإسلامية. وحتى يضفي الشرعية على حركات الإسلامي السياسي، ينتقد فرنسوا بوركا التيارات الحداثية العربية مقدما إياها على أنها «أكثر أشكال الاستلاب الثقافي اكتمالا» بمعنى أنها «تجبر المقهور على استعمال المرجعيات والمفاهيم التي ينتجها ويفرضها المجتمع المهيمن من أجل تمثل طموحاته والتعبير عنها»18. وفي مقابل هذا «الاستلاب الثقافي» ينوه بوركا بما يرى فيه تجسيدا لموقف الإسلام السياسي، قائلا: «يحس اليوم من كان مهيمنا عليه بالأمس بالحاجة إلى اعتماد تصورات جديدة أقل اغترابا، أو ينظر إليها على أنها كذلك، تصورات يعتبرها قادرة على منافسة الغريم الغربي على نفس الأرضية التي حقق فيها هذا الأخير أكثر انتصاراته عمقا: أرضية الإيديولوجيا»19.

ويرى نفس الباحث أن خطاب الإسلام السياسي يقوم على هذه «التصورات الجديدة» التي تشكل «لغة أكثر منها مذهبا، وطريقة لتمثل الواقع لا تنهل مما فرضته القوى المهيمنة، وبديلا إيديولوجيا أكثر منها إشباعا لحاجات صوفية ». فهي « إيديولوجية سياسية قادرة على منافسة أكبر الإيديولوجيات الغربية »20.

بقيت هذه المقاربة التي يرجع عهدها إلى ثمانينات القرن العشرين على ما كانت عليه رغم ما جد من أحداث وتطورات حيث يواصل بوركا في كتابه الإسلام السياسي21 وفي كتاباته الأخيرة، اعتبار الإسلام السياسي نهجا يمثل المستقبل بالنسبة للمجتمعات العربية والإسلامية. كما أنه يميز اتجاهات عدة في صفوف هذه الحركات، ويعتمد في إبرازها على تباينات وتقاطعات لا يعترف بها حتى المعنيون بالأمر22.

كيف يمكن رفض الماهوية والنسبوية المطلقة – حيث تلتقي الخطابات المناوئة للإسلام وخطاب الإسلام السياسي- دون السقوط في مزالق المركزية الإثنية والكونية المزعومة التي تمثل الوجه الآخر لنفس العملة ؟ سعيا لتحقيق هذا المطلب المزدوج ظهرت وتعددت المقاربات الرامية للقطع مع ما ساد من تصورات في حقل الدراسات المتعلقة بالإسلام والأوضاع الإسلامية خلال الفترة الممتدة بين نهاية سبعينات القرن العشرين وبداية تسعينياته. فكتب أوليفي كاري عن «الإسلام العلماني أو عودة التقاليد الكبرى» ليبتعد بوضوح عن الأطروحة المتداولة حول المقابلة بين:

– المسيحية التي لا علاقة لها بالسياسة بحكم أصولها وطبيعتها الجوهرية، والتي تحمل جنينيا «التطورات العلمانية والفردانية [المميزة] للمجتمعات الغربية الحالية»؛

– والإسلام الذي «يجمع بصورة غير قابلة للفصل، وإلى الأبد، بين الدين والدولة، بين الروحي والزمني، دون تمييز، أي بعبارة وجيزة، الدين ذو الطبيعة التيوقراطية»23.

وبناء على احترازه اتجاه المقاربات الماهوية، يعتمد أوليفي كاري على القراءة التاريخية لفهم المسارات المعقدة لتسييس الديانتين وابتعادهما عن السياسة، ليلاحظ أن «الإسلام كدين عرف التسييس بصورة حثيثة بعد 13 سنة من ظهوره ثم فقد صفته السياسية بعد أقل من ثلاثة قرون ليتسيس من جديد في الوقت الحاضر. وعلى العكس، لم تتسيس المسيحية بوضوح إلا بعد ثلاثة قرون من ظهورها. ولم تفقد إلى حد ما صفتها السياسية إلا منذ القرن السادس عشر قبل أن تتسيس من جديد على الأرضية القانونية لفصل الكنيسة عن الدولة. وهكذا فإن الديانتين تحملان وبصورة مماثلة صفة سياسية»24. ويواصل مقارنته مبرزا ظاهرة « القعود » (أي الإحجام عن المشاركة في الصراعات السياسية) وما ارتبط بها من فصل بين السياسة والدين في الفكر الإسلامي كما في الفكر المسيحي25. ويربط هذه الظاهرة بما يسميه « التقاليد الكبرى » ذات السمة الدنيوية أو العلمانية في تاريخ الإسلام الشيعي كما في تاريخ الإسلام السني. ويدعو أوليفي كاري إلى عدم نسيان هذه الظاهرة التي تم تغييبها لصالح ما يسميه بـ«الأرثودوكسية المنحرفة»26 التي تميز «الإسلام العالمي الرسمي» في أيامنا هذه، ذلك الإسلام الغارق في المزايدة على أكثر حركات الإسلام السياسي تطرفا.

إن مقاربة أوليفي كاري التي تعد على طرفي نقيض مع الخطاب السائد، ساهمت في الدفع بالتطورات المحتشمة التي بدأت تعرفها الدراسات المتعلقة بالإسلام منذ تسعينيات القرن العشرين. وقد ساعد على هذا التحول في مقاربة الوقائع الإسلامية ما ذهب إليه أوليفي روا حول ما أسماه بـ«فشل الإسلام السياسي»27، وفي كتاباته عن «الإسلام المعولم »28 وما جاء في كتابات جيل كيبال عن «ما بعد الإسلام السياسي»29 إضافة إلى التعديلات التي حملتها الأعمال الجديدة لبرونو إيتيان30. فقد ساهمت هذه الأعمال في تغيير النظرة التي سادت طوال ثمانينات القرن العشرين بفعل عاملي الخوف والانبهار المتولدين عن تنامي حركات الإسلام السياسي. ولم يقتصر هذا التحول على دائرة المتخصصين في الشؤون الإسلامية، بل إننا نجد آثاره في مقاربة إيمانويل تود للوقائع الإسلامية31 – سواء من خلال تحليله لسلوك الجاليات المغاربية في فرنسا أو عبر ما جاء في كتابه عن «ما بعد الإمبراطورية»32. فلاشك أنه على حق حين يقول بأن نظرية هنتنغتون «ليست سوى الوجه الآخر لرؤية الخميني الذي كان يؤمن بصراع الحضارات على غرار الاستراتيجي الأمريكي الحاذق»33. وهو كذلك على حق حين يلاحظ أننا لسنا في حاجة إلى أن نعالج الإسلام بنظرة ماهوية أو إلى أن نشهر بنزعته الحربية المزعومة – المتجلية من خلال الدور العسكري الذي اضطلع به النبي محمد – أو إلى أن نستنكر الاضطهاد الذي تعاني منه النساء في العالم العربي، لكي نفهم تفاقم التشنجات الإيديولوجية والمجازر في ربوع هذا الدين »34. ويستعرض تود التحولات التي تمر بها المجتمعات الإسلامية، مقارنا إياها بما عرفته سابقا أوروبا وأمريكا، ليشير إلى «أن جزءا كبيرا من العالم الإسلامي (الذي أنجز تحوله الديمغرافي) هو بصدد الانتقال إلى حالة أكثر هدوء»، مضيفا أنه : «من السهل أن نستخلص من الإحصائيات الحالية للأزمات صورة قاتمة عن الإسلام. فالعالم الإسلامي في عمومه يجتاز أزمة تحديث، ولذلك لا يمكنه أن يتجلى في صورة واحة سلام. ولكن البلدان المتطورة التي تعرف راهنا حالة من الهدوء ليس لها أن تتباهى بما هي عليه ويكفيها أن تلقي نظرة فاحصة على تاريخها لتتخذ موقفا أكثر تواضعا. فالثورات التي عرفتها إنجلترا وفرنسا اتسمت بنفس مظاهر العنف التي حفت بالأنظمة الشيوعية الروسية والصينية وصاحبت الحمى العسكرية الإمبريالية التي عرفها اليابان. أما القيم التي ميزت بوضوح حرب الاستقلال والحرب الانفصالية في أمريكا فهي ليست قريبة من فهمنا إلا لكوننا مرتبطين بها بواسطة صلات تاريخية وثقافية. ولكن ذلك لا ينفي أن الولايات المتحدة لم تنج من تبعات أزمة الانتقال التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم. وبعض النقاشات الإيديولوجية التي ارتبطت بالأزمة الأمريكية، مثل النقاش الجوهري حول لون البشرة، تبقى مع ذلك عسيرة الفهم. فهذه «الخصوصية» الأمريكية ليست أكثر أو أقل غرابة بالنسبة للفرنسي من الهستيريا التي تميز النقاش حول وضع المرأة في الثورات الإسلامية »35. وبالإمكان أن نتكلم اليوم عن تبلور «وعي إسلامي جديد» – كما جاء في عنوان أحد أعداد مجلة مقدمات36 – في البلدان الإسلامية وفي صفوف الأقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات ذات غالبية غير إسلامية. ويأتي هذا الوعي الجديد كنتيجة للمآزق التي أدى لها وصول الإسلام السياسي إلى الحكم في إيران والسودان، وللغرائب التي تفتقت عنها قرائح الطالبان في أفغانستان. وقد تفاعلت هذه العوامل مع أحداث خطيرة مثل عمليات 11 شتنبر 2001 وما كان لها من تبعات بالنسبة للمسلمين وعلى الساحة الدولية، ومع استمرار الأزمة في الجزائر والعمليات الإرهابية في الدار البيضاء في 16 ماي 2003، الخ. ومن مميزات هذا الوعي الإسلامي الجديد رفضه للمتضادات الثنائية بين الإسلام والغرب، والإسلام والحداثة، والإسلام والديمقراطية، والإسلام والعلمانية، الخ. كما يتنامى عدد الأصوات المرتفعة من داخل الإسلام السياسي للتشهير بهذه الثنائيات وللمطالبة بالحداثة والديمقراطية بل وبالعلمانية، كما تشهد على ذلك المواقف التي دافع عنها علنا القاضي الجعفري لمدينة صيدا، السيد محمد حسن الأمين، في ندوة نظمها المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق في مدينة حلب سنة 200237. ونجد نفس الموقف لدى العديد من الجمعيات ومن المثقفين الذين يعلنون انتماءهم للإسلام السياسي في بلد مثل فرنسا. كما أن الكثير من الحركات، مثل حزب العدالة والتنمية في المغرب، وحركة النهضة في تونس، أدانت العنف – بعد عمليات نيويورك والدار البيضاء – وصارت تنبذه كوسيلة للعمل السياسي، بل إن بعضها أصبح يرفض تسمية «الإسلام السياسي» ويقدم حركته على أنها «ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية» على غرار الأحزاب التي تسمى بالديمقراطية المسيحية في أوروبا38.

هل يعني هذا أن فرانسوا بوركا كان على حق عندما قال في بداية تسعينات القرن العشرين، إن «المخزون الكلياني» لـ«الخطاب الشمولي» لـ«الشريحة الاجتماعية الأكثر محافظة للتيار» الإسلامي لا يمثل «إلا مظهرا أو لحظة لا مناص لها من التطور»؟39

لئن عرفت حركات الإسلام السياسي منذ نهاية الحرب بين العراق وإيران تطورات تبدو مؤكدة لتوقعات فرنسوا بوركا، فإنها جاءت نتيجة للفشل الذي لحق استراتيجية تلك الحركات وللتنازلات التي فرضت عليها، أكثر منها مجرد تطورات لموازين القوى بين مختلف اتجاهاتها. ومما يؤكد هذه القراءة تبني هذه الحركات لمصطلحات ورؤى كانت إلى الأمس القريب ترفضها بحجة أنها تمثل «شكلا من أشكال الاغتراب الثقافي الأكثر اكتمالا». وإن كان ذلك لا ينفي أهمية هذه التطورات، فإنه يبين أن الإسلام السياسي اليوم، كالمسيحية السياسية بالأمس، لا يمكن أن يتطور إلا بقدر ما يواجهه من معارضة قادرة على هزمه. وللأسف فإن القوى التي قهرته إلى حد الآن ليست نموذجا للديمقراطية ولا للإنسية. وهنا يكمن المشكل الحقيقي للتطورات الحاصلة في صفوف حركة الإسلام السياسي. فإذا كان مآلها التصالح مع المنتصرين عليها، فإنها لن تذهب بعيدا في اتجاه الديمقراطية. ولهذا السبب يجب أن يقترن نقد الإسلام السياسي، كمشروع معاد للديمقراطية، بنقد المقاربات الماهوية الملهمة أو المغذية لنزعة العداء للإسلام، وبنقد العولمة الإمبريالية والديكتاتوريات والنظم الفاسدة القائمة في البلدان الإسلامية. كما أن هذا النقد يجب أن يقترن بالتصدي لكل العوامل الدافعة لحرب الثقافات التي ليست سوى الصدام بين «قوى الجهل»، على حد تعبير إدوارد سعيد. وهذا هو الأفق الذي ما انفكّ يلهم مختلف الأبحاث التي سعيت لإنجازها منذ ثمانينات القرن العشرين، والذي تمّت صياغة هذا العمل في إطاره.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق