السيرة أو الذات إذ تتكون قراءة في “قلب مفتوح” لعبده وازن / بطرس حلاق

موت، ترنح المؤلف الخمسيني على شفيره سويعات قبل أن تسترده الحياة، يستثير ميتات كثيرة وقّعت مسار حياته على مدى ثلاثة عقود. ما إن يستفيق من نومه الاصطناعي، وهو لا يزال في ذلك البرزخ الضبابي ما بين اليقظة والوعي، حتى تتدفق الذكريات تتداعى من ميتة إلى أخرى، صدى لذلك الموت الذي كاد يشرقه. وتكر الميتات، طبيعية تارة كتلك التي أودت بأبيه وهو ابن ثلاث سنوات ثم بأخته وآخرين، غدارة طورا تعصف بأصدقاء ومعارف كثيرين أثناء حرب أهلية رعناء، وحتى مشتهاة في بعض الحالات على شكل انتحار طوعي. وتكر معها ميتات استعارية ليست أقل قسوة: – يتم مبكر يدع “ذلك الفتى الذي كأنه” المؤلف يتأرجح بين زهو مفتعل باستقلالية مفترضة خارج سلطة الأب وبين كآبة مفعمة بالقلق من غياب ذلك الركن الضروري لبناء شخصيته – رصاصة طائشة تلج الصدر وتكاد تلامس شغاف القلب تجعل من الفتى كائنا “منذورا” يدين بحياته لمار الياس، ذلك النبي “الغيور على بيت الله” والمزمجر في وجوه الطغاة، وقد أنقذه يوم عيده – هجرة قسرية تقتلع الفتى من بيئته المتآلفة رغم تعدديتها لترميه في أخرى منسجمة تضيق بعزلتها، وتقصيه إلى غير رجعة عن حبيبة تفتق القلب المراهق على حبها البكر – هجرة في بلاد الله يلاقي فيها العجائب ويغادر حبا وراء حب – حالات عصيبة تنجدل أزمة نفسية تبلغ حالة الانهيار العصبي في الثلاثينيات حيث شاء المؤلف أن ينهي رحلته…

وما بين الميتات مجرى الحياة المرسل كما تيسر وفق الضرورات، بين المتاح والمرجو، مجرى لا ينظمه إلا سلك من شعور ديني مكتسب في الطفولة والتربية الأولى، تجذر في نفسه بحيث قوي على كل محاولة اقتلاع فأصبح يقيم أوده وجوديا، فيعود إليه الفتى كلما ركب رأسه فألحد إبرازا لرجولته، لا سيما أنه بفضله اكتشف الأدب والإبداع وحتى معنى وجوده. لذلك اطمأن إلى وجه لازمه، هو صورة المسيح المبدع وغالبا ما اتشح بالألم والموت. تدين ملتبس لم يحاول المؤلف تبرير التباساته بل تناقضاته مع مواقفه الفكرية والسياسية. التدين والموت محوران متلازمان متراكبان أبدا، حولهما تنتظم أحداث حياته حتى الثلاثينيات، سن المسيح، كما يكرر الراوي. فهل سعى المؤلف إلى سيرة ذاتية؟ وما معنى أن يتخذ عمله هذا الشكل؟

لا يصرح الغلاف عن أي جنس أدبي، غير أن العنوان يلمح كفاية: قصة “قلب مفتوح” بالمعنى الأصلي (عملية جراحية)، وكذلك بالمعنى المستعار، يفيد التواصل مع القارئ بالقول الصادق، أو بالافضاء حسب تعبير المنفلوطي. كما أن النص يتكشف بسرعة وفي أكثر من موقع عن مقومات السيرة الذاتية المعتمدة تقليديا: تماه بين المؤلف والراوي والشخصية الرئيسة، اعتماد صيغة المتكلم، سرد نثري لأحداث وقعت. نعم إنه سيرة ذاتية، بل إنه من نصوصنا الأدبية القلائل التي تسمو إلى هذه المرتبة، بسبب التصاقه المباشر بالذات. إن كتابة الأنا بمختلف أشكالهما متوفرة في أدبنا الحديث، من مذكرات إلى سير ذاتية معلنة، إلى سير روائية أو روايات تتغذى من أحداث حياة مؤلفها. أما السيرة الذاتية بالمعنى الكامل فلا نزال نفتقدها، إذ إن الأعمال المذكورة لا تنوه عادة إلا بمسار جزئي من الذات يعتبره صاحبه إنجازا فذا: ثقافة عصامية بوأت جورجي زيدان (مذكرات جورجي زيدان، ١٩١٠) أو العقاد (“أنا”) مثلا مرتبة راقية بين مفكري عصرهما، إرادة فولاذية وحس نقدي جعلا من طه حسين محرك النقاش الفكري على مدى عقود على امتداد العالم العربي (“الأيام”، ١٩٢٦)، فكر نفاذ تمثَّل تيارات كثيرة من الثقافة الحديثة الحية (“تربية سلامة موسى”، ١٩٤٧)، طاقة على تجاور البيئة والتربية لولوج عوالم إنسانية دون التنكر لهويته (“حياتي”، ١٩٥٢)، الصمود في مرحلة عصيبة عصفت بالفرد وبالوطن (“غربة الراعي”٢٠٠١). سمتها المشتركة، على ما بينها من اختلاف في المواقف حتى التجافي، أنها كلها تتحدث عن ذات اكتمل منها جانب أو ما يزيد، تُقدّم نموذجا عن “ناهض” عربي وجد طريقه إلى نهضته الخاصة. ولذلك قليلا ما تتعرض إلى عثرات وأخطاء وترهات هي من نصيب كل أحد، ولا إلى حيرة وتردد وجبن أمام بعض الاختيارات. وعلى كل حال تعصم نفسها عن التطرق إلى المحرمات: الدين بما فيه الإيمان الشخصي، والجنس ببعده الإنساني، والأحداث السياسية الخلافية في ظل الحكم المطلق. كما أنها تعتصم بالصمت حيال المواقف الشخصية الحميمة حياء أو خوفا من “العيب”. إنها سير انتقائية – إن افترضنا الصدق فيها – تؤكد على الانجاز الشخصي، فتندرج في باب الأدب التعليمي والفخر الفردي على السواء. لا أغالي كثيرا إن قلت إن أكثرها بمثابة إزاحة ستار عن “نصب” يشيده صاحبه لذاته المنتصرة. ومن تجرأ من الروائيين وتجاوز هذا الموقف ليبادر إلى حديث صادق عن الذات، فبلجوئه إلى السيرة الروائية، على غرار ما فعل محمود درويش في “ذاكرة للنسيان” (١٩٨٧)، أو حسين البرغوثي في كتابيه الرائعين (“الضوء الأزرق” و”سأكون بين اللوز”، ٢٠٠٤ و ٢٠٠٦).

وأما الآخرون فاكتفوا بإيداع جوانب من حياتهم في كتاباتهم الروائية، مستحسنين أحيانا السرد بصيغة المتكلم ليخفوا الإعلان الصريح خلف ستار من رياء فني مشروع. ولا بأس أن أشير هنا إلى أسلوب توفيقي اهتدى إليه طه حسين إذ ترك لرواياته أن تتحدث عن الذاتي الحميمي غير المباح الذي لم يشأ أن يتعرض له في “الأيام”، كما أثبتت ذلك بوضوح الصديقة هيدي توليه، زميلتي في جامعة باريس الثالثة. دون رقيب على نقيضها يقف “قلب مفتوح”. دفق من التداعيات يسري دون رقيب بوقع بطيء تكراري، يشبه إلى حد كبير بوح المستطب في حضرة الطبيب النفسي بعد تعاطي دواء يدخله في ما يشبه حالة “التنويم المغناطيسي”. يكون صاحبها إذاك في حالة بين حالتين تقيه سلطة “الأنا العليا” المعروفة في قاموس التحليل النفسي، أي سلطة كبت تمارسه قيم اجتماعية أرستها التربية وتبنتها الأنا وكأنها منبثقة عن ذاتها، فيتحرر من قيده ويصرح بما كان يخشى أن يصرح به سابقا. يأتي هذا النص بصيغة “سرنمة”، حسب تعبير الكاتب، وكأنه غير موجه للقارئ الذي يحس أنه يتنصت عن غير قصد على حديث يدور بين الكاتب ونفسه على شكل اعترافات تصعد من الوعي الباطن لأول مرة. حديث استفهامي، تساؤلي، إنكاري، تتردد في حناياه وكأنها الصدى تعابير من قبيل: “لماذا؟ كيف؟ لا أدري لماذا. لا أعرف كيف…”. ارتفع الرقيب فإذا بأحداث العمر – وأكثرها مقلق بل مرعب، إن لم يكن مخجلا مذلا أحيانا، وعلى كل حال لا مفخرة فيه – تسري كساقية في سهل تحررت من سكورها تنداح مويجاتها على مهل. تنكشف الذات وتفضح مستتراتها وعوراتها، أو بالأحرى ميتاتها، أمام الأنا الكاتبة، التي لا تتدخل إلا لتنسيق تفرعات تلك الساقية، فلكل ميتة فرع من الساقية.

بعد الحب الأول المندثر قبل أن يتحقق والذي يستعاد بعد النجاة من الموت وكأنه استعادة لنبع غاض لعله يتدفق من جديد، تتوالى في خط زمني شبه مستقيم منذ الطفولة وحتى الثلاثينيات، أحداث ميتات: “رصاصة حاذت القلب وكأن بينهما شعرة” أصبح بعدها ” شخصا منذورا”، يتم “يعير” به، حداد ينفي التلفزيون ويغير طعم الليل حتى يستطيبه في لون المراهقة الافريقية التي دربته على طقوس الجسد، ليل العمى وليل الاكتئاب (انهيار عصبي) وليل الانتحارات، الحلم الليلي بما يثيره من رعب حتى حين يأتي في وضح النهار، “عيد الأموات” والجنازات والاحتضار… عمر كأنه غياب يسد آفاق النفس، حياة تصاغ على أوزان الموت، يستعرضها الكاتب وكأنها ليست له، على شكل شريط سينمائي. ولادة جديدة فهل بالصدق وحده تقوم السيرة الذاتية؟ بالتأكيد لا، إذ قد يكون الصدق استعراضا أو استفزازا، وقد يكون “أعذب الشعر أكذبه”. لو كان الصدق كافيا، لاعتبرنا “إفضاء” المنفلوطي عن “أنا” فقدت صمّامها قمة السيرة الذاتية. المحك هو شكل الوعي الذي يتلمس الخيط الواهي الناظم لهذه التفاصيل في صيرورة الذات. وعي يكتشف حركية انبناء هذه الذات كما هي وعلى علاتها، كما تبلورت في الزمن العابر، لا كما حلم بها صاحبها. وحين يستقيم الوعي يهتدي المبدع إلى شكله الفني وأسلوبه الأدبي، دون أن يتلبسه تلبيسا. ويبدو أن هذا الوعي لا يستقيم إلا بتجاوز رهبة الموت الفردي. ذلك ما عبر عنه دريدا حين أكد على العلاقة بين السيرة الذاتية والموت (ثناتوس): يتحرر الإنسان حين يجابه موته. ومن مقتضيات ذلك تجاوز الصورة التي تفرضها الأعراف الاجتماعية لكي يتسنى للذات أن تعبر عن فرادتها. وهنا يكمن المقتل في المجتمعات التقليدية، ومنها مجتمعنا العربي، الذي يفرض على الإنسان منذ ولادته ازدواجية طاغية طالما فضحها نجيب محفوظ في أعماله: باطن يتدبره الإنسان مع نفسه وظاهر تفرضه الأعراف وعلى المرء أن يتقيد به إن شاء أن ينجح اجتماعيا. انسجامك مع نفسك عسير وأحيانا ممتنع، ما دام قانون المجتمع يعلو على الموقف الذاتي الذي هو مبدأ الحداثة على الإطلاق. لا وطن بلا مواطنين أفراد منسجمين مع أنفسهم ليلتقوا أفراد آخرين، فما ظنك بما يتقضيه الإبداع من انسجام داخلي صارم؟ السيرة الذاتية، كما المسرح الحقيقي، آية الفرد الحر والمجتمع المتحرر. عمل عبده وازن لبنة في هذا البناء. وإذا صح أن الوعي الصادق بناء للذات فللسيرة الذاتية علاقة خاصة برواية التنشئة (أو الرواية التكوينية). تنبه إلى ذلك أيضا جاك دريدا حين اعتبر أن سيرته تنخرط في باب “بيلدينغرومان” (سرد إنشاء الذات) حسب التعبير الألماني الأسبق في هذا الميدان.

وواضح هنا أن الراوي يبنى ذاته فيما هو يسردها. لا يقول فقط عن ماض انقرض، بل يقول أصلا عن ذات اهتدى إليها هنا والآن، بها يستدرك ما مضى ليحيا ملء حياته في الزمن الراهن : إنها ولادة جديدة، تشبه إلى حد بعيد ما يعيشه من يهتدى في سن البلوغ إلى حقيقة بدلت مجرى حياته، روحية كانت أم فكرية. وهنا تأخذ بعض المقاطع، التي تبدو لأول وهلة طفولية ساذجة، أبعادها الحقيقية: وجه المسيح المتألم، تناول القربان أثناء القداس، صورة الملاك التي تلازم مخيلة الراوي فيما تبدو للقارئ العجل تمائم أو تعويذات من عصر قديم، الأحلام التي ينتظرها كما لتحمل له رؤى مثقلة بمؤونة اليوم والغد… كلها تشير إلى نسغ الحياة، ذلك المدد اليومي الذي به يرفع قامته ليصمد في وجه الموات المحدق. الحياة تتشح هنا بكل الرموز الدينية المسيحية، وطبيعتها المسيحية ضمان لصدقها، إذ انها تحيل إلى واقع عاشه فعلا ولم يصطنعه فكريا. يعبر عنه بشجاعة الصدق – وعلى حرج أحيانا – بالرغم من أنه لا يتسق ظاهريا مع مواقفه العملية والفكرية والنضالية، بل يأتي بعكس تيار “التقدمية” الذي ينتمي إليه والذي يقتضي مبدئيا تجاوز هذه “الغيبيات” القاتلة كالأفيون حسب مقولة ماركس. بهذه الرموز الدينية الواضحة المعالم يوحد عالمه الداخلي ليسعى في طريقه “التقدمي“. ولذا ليس من المهم أن نعرف – أو حتى أن يعرف هو نفسه – إن كان مؤمنا بموجب الإيمان المسيحي، فذلك شأنه الشخصي. الأهم أن ندرك أنه بهذا الإيمان استقام إنسانا فردا حيا “تقدميا” ملتزما بمجتمعه. ولا شك بأن ذروة هذه التنشئة الذاتية (أو بناء الذات) في اهتدائه إلى معنى مصيره: أن يكون مبدعا، شاعرا أو روائيا، ما همّ؟ مبدع، أي صورة الذات حين تكتمل. فهل من الغريب أن ينسب منبع إبداعه إلى تلك النصوص الدينية، مستقاة كانت من العهد القديم (يشير المؤلف بالاسم إلى ترجمة الشيخ إبراهيم اليازجي) أم من الإنجيل، والتي خولته في ما بعد أن يكتشف الأدب العربي ثم الآداب العالمية. فكأنه، أسوة بجبران، يرى في صاحب الإنجيل “سيد الشعراء” على الإطلاق، وما عدا ذلك يخصه وحده كذات متفردة، شأن كل ذات استقامت. عسانا نشهد الآن تأسيسا جذريا لأدب حي يواكب الانتفاضات التي تسري فينا في هذه الأيام المباركة على مأساويتها، شاهدة على أن الحراك الذاتي، على مستوى المجتمع كما على مستوى الفرد، هو البناء الحقيقي الراسخ للوطن وللمواطن، بعد أن تغنينا طويلا ببناء فوقي يمدنا به المثقف والزعيم الملهم، أو ينعم به علينا أخيار وافدون مسلحين بدباتاتهم أو بحضارتهم، لا فرق. ومن اللافت أن هذا الأدب الجديد (ومن رموزه “مرايا فرانكنشتاين” لعباس بيضون) يستأنف، على طريقته وفي سياقه، عملا هو – أقله عندي – الأشد أصالة لأنه الأشد إنسانية في بداية نهضتنا، “الساق على الساق” (أصدره في باريس عام ١٨٥٥ أحمد فارس الشدياق)، علامة مبكرة على أدب عربي مبدع – لا سيما في مجال السيرة الذاتية – يتعالى على ثنائية عقيمة (الأصالة أو الحداثة) لا تزال تطحننا، فلا إبداع إلا من الذات المتواصلة مع الآخر، كل آخر.

 

عن ملحق السفير الثقافي 19/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق