السّرقة: من عالم الآلهة.. إلى واقع الجامعة / رجاء بن سلامة

سرق بروميثيوس النّار من الآلهة ليمكّن البشر من صنع آدوات وآلات، فكانت تلك السّرقة بداية التّقنية، أي بداية سلطة الإنسان على المادّة والطّبيعة. سرقها من كبير الآلهة وصاحب السّلطة زوس، أو لنقل إنّه سرقها من الأب. فهناك ربّما بعد أوديبيّ في كلّ سرقة. وفي قصّة الخلق التّوحيديّة، هناك سرقة أيضا : أكل آدم من الفاكهة التي حرّمها الإله. وكلّ ممنوع مرغوب فيه، وكلّ مرغوب فيه يضع الإنسان أمام حدود منزلته البشريّة، وخضوعها إلى جدل القانون والرّغبة.

 

وإذا نزلنا من قمم الأولمب وعالم الألهة إلى الأرض ومن عليها، وجدنا السّرقة الأوديبيّة تتكرّر : سرقة نقود الأمّ وسرقة سجائر الأب، من باب أخذ الطّفل أو المراهق شيئا من الأشياء السّحريّة للكبار حتّى يكبر. شأن السّرقة في هذه الحالة هي شأن كلّ علاقة تنافسيّة صراعيّة بين الأبناء والآباء والأمّهات.

 

هذه السّرقة مهيكلة للذّوات في البدايات، لأنّها تضع الكائن البشريّ النّاشئ وجها لوجه أمام القانون وخرقه، وأمام السّلطة الأبويّة الحبيبة الكريهة في آن.

 

وإذا نزلنا من البدايات إلى سرقات الكهول، تغيّرت الأمور. فلسرقة الكهول شأن آخر. إنّها ليست مهيكلة بل دالّة على خلل في الهيكلة، وعدم تجاوز للبدايات الأوديبيّة.

 

هناك أوّلا مجال يبقى فيه الإنسان طفلا، أو يعود طفلا، هو مجال الأدب والشّعر والنّشاط الخياليّ عامّة. في الشّعر تجوز السّرقة، ويقسّمها النّقّاد القدامى إلى أنواع ولا يعتبرونها عيبا. وفي الشّعر تجوز أمور كثيرة تسمّى “الجوازات الشّعريّة”. وفي الشّعر يجوز الكذب. وما يقال عن الشّعر ينطبق على الرواية والأنواع والفنون الأخرى.

 

هناك سرقات موصوفة في الأدب تعاقب عليها القوانين الحديثة، لكنّ عدم وضوح الحدود بين الاستلهام والسرقة يجعل السّرقة الأدبيّة أقلّ وضوحا من السّرقة المادّيّة. يمكنك أن تسطو على خبزي وتنفرد بأكله. ولكن ما الذي يقع إن سطوت على فكرتي؟ أوّلا لا أنفرد بفكرتي لأنّني أعرضها على الآخرين، وثانيا، سارق فكرتي لا ينفرد بها لأنّه يعرضها على الآخرين، مسبغا عليها بصمته إن كان سارقا حاذقا. لا يوجد استهلاك للفكرة إذن يشبه استهلاك الشّيء المادّيّ المسروق. الأفكار تتناثر ككريّات الهواء، وتنتقل بين الأفهام والعصور. وهكذا يتمّ التّناقل الضّروريّ la transmission

 

إذن هناك منطقة رجراجة بين السّرقة والاستلهام، وبين السّرقة والطّفولة الفعليّة أو الشّعريّة، ولكن هناك مناطق تتّضح فيها السّرقة، وتصبح شبيهة بالسّرقة المادّيّة : سرقة فقرات وصفحات من عمل أدبيّ، السّطو على فرضيّات علميّة لا على مجرّد أفكار، السّطو على صفحات من أطروحات الآخرين، انتحال أعمال الآخرين…

 

مع الثّورة الرّقميّة، زاد مشكل السّرقة استفحالا. يكفي أن يمارس الطّالب عمليّة “نسخ ولصق” ليتملّص في بضعة دقائق من البحث والتّفكير والتّحليل والتّأليف. وأحيانا لا يقوم الطّلبة حتّى بمجهود النّسخ اليدويّ الذي يمكن أن يكون تمرينا مفيدا مرسّخا للمعارف. وحيلتي أنا لمواجهة حيل السّراّق هي تكليف الطّلبة بشروح نصوص لا بعروض. هكذا لا يجد الطّالب ما يسرق، ويمكنك اختبار قدرته على الطّيران. ولعلّ من أحسن ما تعرف به الدّراسات الأدبيّة والإنسانيّة في جامعتنا هو تمرين شرح النّصّ، فهو الذي يكوّن قدرات الطّلبة، وهذا باعتراف الكثير من الأجانب المعجبين ببعض مناهج تدريسنا. ليس كلّ شيئ قابلا للقيس، وفي جامعتنا من تقاليد الفكر النّقديّ ما لا ينكره إلاّ متحامل.

 

ولكنّ التّقنية حسب رأيي لا تغيّر منزلة الإنسان بقدر ما تزيد في تأكيد أبعادها المختلفة. من تبعات المنزلة البشريّة أنّ السّارق يتغلّب على الرّقيب. ولكنّ من تبعاتها أيضا أنّ السّارق لا بدّ أن يفتضح. فالتقنية الرّقميّة التي تساعد على السّرقة، تساعد في الوقت نفسه على كشف السّرقات. ولذلك فالشّكر كلّ الشّكر للسّيد قوقل كبير محرّكات البحث، والويل لمن تسوّل له نفسه سرقة ثمرة جهود الآخرين.

 

أمّا اللّصوص الذين نجحوا في الماضي في مناقشة أطروحات مسروقة، فيجب أن لا تسقط خطيئتهم بالتّقادم. يجب أن نفكّر في بدء مرحلة العدالة الانتقاليّة في الجامعة، ويجب أن نفكّر في خصوصيّاها، حتّى نفتح ملفّات الفساد الماضي. وبما أنّنا لسنا في عالم زوس كبير الالهة، وخرجنا، فيما أقدّر، من عالم الآباء الجبابرة، فيجب أن نفكّر في هيئة للعدالة الانتقاليّة في الجامعة، تكون نقابة التّعليم العالي والبحث العلميّ طرفا فيها.

 

عن مجلّة أكاديميا عدد 4، أفريل 2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق