السّيجارة و الشّارب

نخدع أنفسنا حين نظنّ أنّ الحياة مجرّد أهداف يجب العمل على تحقيقها بدقّة الآلة الحاسبة وننسى أنّه يكفي أن نعيش اليوم الذي يطلّ علينا كلّ صباح كي نسمّى أحياء ونأمل في بعض السّعادة.
كعادته كلّ يوم جمعة، توجّه أشرف إلى المقهى المعتاد وسط المدينة قرب محطّة القطار، بعد مغادرته عمله. فهذا آخر يوم عمل في أسبوع كان حافلا بالملفّات وما يصاحبها من مشاكل وتقارير، يجب كتابتها في آنها ورفعها للمسؤولين لكل غاية مفيدة. دقّت ساعة الخروج. لملم أغراضه بسرعة. بمجرّد أن وطأت قدماه عتبة الإدارة باتّجاه الشّارع الفسيح فكّ أشرف ربطة عنقه بعصبيّة بالغة وكأنّه يتحرّر من قيد كاد يخنقه. أخد يتجوّل بين هذه الأمواج البشريّة بعفويّة طفوليّة. يقف تارة عند بائع الصّحف يقرأ العناوين الكبرى أو يتأمّل تارة أخرى الواجهة الزجاجيّة لصانع النظارات يكتشف الجديد في علامات وأشكال النظارات، دون نسيان محل بيع الأحذية.
الشّارع بحكم موقعه المركزي الذي تتفرّع منه كلّ الطرق المؤدّية إلى كبرى الإدارات يعرف في آخر كلّ يوم جمعة على الأخص وآخر كلّ يوم بشكل عام غليانا نتيجة تدفّق جيوش الموظفين الذي يصادف دوما نزول جيوش أخرى من الطلبة المعطّلين للتّظاهر ضدّ عجز الحكومة والمطالبة بحقّهم في الإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العموميّة، دون اجتياز مباراة.
إذا كانت للإهانة من فضيلة ما فهي قدرتها الخفيّة على جمع الرّجال.
يتجمّع مئات الطلبة المعطّلين وسط المدينة. يأتون تقريبا من كلّ المدن وينتظمون في مجموعات كلّ واحدة منها تتميّز باسم خاص وبلون قميص محدّد. يتجمّعون حول شجرة عتيقة تنتصب وسط المدينة، بالقرب من الشّارع الرّئيسي. يأخذ أحدهم الكلمة لتعبئة هؤلاء المناضلين الذين يبدو أن السّفر الطويل لم ينل من عزيمتهم ولم يكسر إرادتهم. حين بدأت هذه الحركة الطلابيّة في النّزول إلى الشّارع، كانوا يفوزون باهتمام النّاس البالغ. اهتمام ممزوج بالدّهشة والتعاطف والإعجاب. ذلك لأنّهم لم يروا قط هذا الحشد الهائل من الرجال والنّساء يحتلّ عروق المدينة. لكن مع توالي الأيّام، و بما أنّ الطلبة المعطّلين صاروا يتظاهرون كل يوم، صار النّاس يمرون أمامهم لا مبالين. لم يعودوا يتوقفون ليتفرّجوا. لمعان الدّهشة الأولى خفّ بريقه أو انطفأ، والتعاطف توارى إلى الخلف فاسحا المجال لشعور جديد ألا وهو الانزعاج لأنّ مسيرتهم تتصادف مع خروج الموظفين من عملهم ممّا يؤدي إلى عرقلة حركة السّير، أمّا الإعجاب فلم يعد له أي مبرّر للوجود. 
تحرص الشّرطة على الانتشار في النقط الحسّاسة لوسط المدينة قصد احتواء كلّ انفلات في الوقت المناسب. حضورها يزداد قوّة يوما بعد يوم. أمر طبيعي، فجيوش الطلبة المعطلين لا تتوقّف عن الاتساع، وكلّ يوم تنضمّ فيالق جديدة إلى الصفوف. 
تبدأ المسيرة من شجرة التجمّع. يحملون لافتات ويمشون بنظام وانتظام. هتافاتهم تأخذ حجما أقوى حين تختلط مع أصوات السيّارات التي تسير وراءهم ببطء بحثا عن فتحة في الشّارع تهرب منها. لكنّ الحشد الكبير كتلة واحدة متراصة الصفوف وأصحاب السيارات يجدون أنفسهم مضطرين لأن يصبروا حتى تنجلي هذه السّحابة البشريّة. في الوقت الذي تكون فيه مجموعة تسير وسط المدينة تكون مجموعة أخرى آتية من الاتجاه المعاكس، وأخرى تشق طريقها من قاع المدينة فيما مسيرة أخرى تسير في الشّارع الموازي للشّارع الرّئيسي. كأنّها عواصف تتجمّع. فإذا تجمّعت، وقفت قوّة واحدة أمام البرلمان تصرخ ملء الحناجر عجز وخيانة المسؤولين لوعودهم. يرتفع البرلمان ببنائه الشّامخ القديم كأنّه معبد من الأزمنة القديمة، حجارته الكبيرة المقطعة بإتقان تنتظم في هندسة تشكل حاجزا منيعا لكلّ صوت أيا كان نوعه. لا عجب إذن إذا كان النواب يخلدون للنّوم في الجلسات الأسبوعيّة للمجلس. يكون النّوم لذيذا حين يرتخي الجسد المترهل فوق مقعد ناعم في حضرة صمت ديني يحرسه حزام أمني حلقاته شباب شرطة تحت التّدريب. كلهم حيويّة واندفاع لإثبات كفاءتهم في تفريق كتلة الغضب لا تكبح جماحهم سوى عين رئيسهم التي علمتها الحياة حكمة النظر والانتظار. تتعالى الهتافات أقوى وأقوى تساعدها صفارات المتظاهرين التي تدوّي كأنها إنذار حرب معلنة. زعيم المجموعة يمسك بيده بوقا يضمن للاحتجاج كل فرص النّجاح. مع كل جملة ينطقها تتلوها تصفيقات للتأكيد. هو عرض موسيقي متعدد الأصوات، سمفونية غضب قوتها في عفويتها. كان الموسيقي الألماني الشّهير ريتشارد فاغنر يعتمد على الإكثار من عدد الموسيقيين في فرقته لضمان أعلى درجة توتّر درامي في سمفونياته.
وهؤلاء المتظاهرون ليسوا بعيدين عن التوجّه الفاغنري في الموسيقى. هم عازفون دون آلات وسمفونيتهم لم تكتب بل ترتجل. يحدّد الجو العام وحرارة الطقس نوتاتها. لهذا تكون الشّرطة على أعصابها لأنّها لا تعرف نصّ الموسيقى. أكثر ما تكرهه الشرطة هو السلوك الذي لا يمكن التنبؤ بردّة فعله. 
قبل أن يتوجّه أشرف إلى المقهى كان لزاما عليه أن يشتري علبة سجائر. فبحكم ضغوط العمل يضطر للتدخين كثيرا. ليس الدّخان وحده الذي يكثر في استهلاكه، هناك أيضا القهوة التي يحلو له أن يسميها نبيذه المفضل.
اختار مقعده في أقصى زاوية المقهى. نظر سريعا إلى نوعيّة الوجوه التي تؤثّث الفضاء. شرد بذهنه برهة يفكّر فيما سيفعله في نهاية الأسبوع قبل أن تأتي النادلة لتقطع حبل أفكاره.
_ ماذا تطلب يا سيّدي ؟
_ قهوة بالحليب… أحضري لي قهوة بالحليب.
سجلت طلبه على علبة إلكترونيّة، ابتسمت له ابتسامة ميكانيكيّة وذهبت تجمع طلبات زبائن آخرين. حتّى حركاتها كانت ميكانيكية. أمعن أشرف مليا في النّظر إليها وهي تمشي. كانت أشبه برجل آلي. في البداية، تعجب للأمر لكنه سرعان ما وجد سببا مقنعا لهذه الحالة. النادلة لا تملك مؤخّرة ممتلئة لتمنح مشيتها الأنوثة الضروريّة. لقد كانت نحيلة جدا، شاحبة الوجه وصوتها شبيه بتسجيل مبرمج. الشّيء الوحيد الجميل فيها كان شعرها الأسود الدّاكن الذي كانت تجمعه بقلم رصاص يعطي لوجهها امتلاء نسبيّا.
أشعل أشرف سيجارة في انتظار القهوة. لكن قبل ذلك، أخرج من جيبه قطع نقود وضعها على المائدة لأنّ من عادته أن يدفع ثمن القهوة مسبقا. أخذ نفسا عميقا من سيجارته قبل أن يشرد من جديد في التّخطيط لأنسب برنامج يليق بيومين من الرّاحة المستحقة.
أشرف من طينة الرجال الذين لا يدخرون جهدا للقيام بواجبهم على أكمل وجه. حس المسؤولية. فوالداه اللذان كانا بدورهما موظفين أنشآه منذ نعومة أظافره على النظام والانضباط رغم أنهما كانا دوما متسامحين معه في مسألة تركه للصلاة. لكنهما كانا يظنان أن حسن التربية هو قمة الإيمان. في يوم الجمعة، حين يخرج الموظفون لأداء صلاة الجمعة، كان أشرف يستغل هذه الرخصة ليخرج ويحتسي قهوته المفضلة في مقهى جميل قرب الإدارة مطالعا أعمدة جريدة (لوموند) الفرنسية، خصوصا ملحقها الأسبوعي الخاص بالكتب. تشكل الكتب الحب الحقيقي في حياة أشرف. ففي فترة مراهقته، لم يسقط في حب فتاة ما كما هو الحال لأغلب شباب جيله لأن الكتب كانت قد استحوذت على كل عقله وقلبه. مع فوران جسمه الهرموني كانت رغبته للقراءة أكثر وأكثر تزداد اشتعالا، لدرجة أنه كان بإمكانه أن يقضي يوما كاملا في القراءة من دون أن يتناول وجباته المعتادة. من هنا تأصلت عادته في الأكل قليلا. وجبة واحدة في اليوم تكفي. من ذاق حلاوة القراءة يستطيع بسهولة الاستغناء عن الطعام. الروح تسبق الجسد. لكن مع مرور الوقت، أثبتت هذه النظريّة حدود صحتها، خاصة حين بدأ يدخن. في بادئ الأمر، لم يكن لوالديه علم بهذا التطوّر الجديد في سلوكه. لكن ما من شيء يظل مخفيا إلى الأبد. حين تكون للمرء أم مثل أم أشرف، الممرّضة السابقة في المستشفى المدني، من الصّعب إخفاء حقيقة رائحتها قويّة قوّة التّبغ.
غضبت أم أشرف كثيرا حين عرفت أن ابنها يدخن. بل وذهبت أبعد من ذلك فقاطعته لما يزيد عن سنة. لا تحدّثه وإذا تصادف والتقيا وجها لوجه، ردّت على ابتسامته البلهاء التي يبحث من ورائها على توقيع معاهدة صلح بنظرة حادّة ووجه متجهّم لم يسبق له أن رآهما في حياته. سيأتي الصّلح تدريجيّا عن طريق الأب الذي يحسب له، إضافة إلى حنكته الإداريّة، إلمامه العميق بنفسيّة الإنسان. فقد كان هو أيضا مدخنا شرها طوال أكثر من عشرين سنة قبل أن يمنعه طبيب القلب من التّدخين ولو سيجارة واحدة على إثر نوبة قلبيّة حادّة ألمت به وكانت على وشك أن تودي بحياته. قال له الطبيب إذا عاد يدخّن من جديد فلا فائدة في أن يأتي لزيارته. صرامة الطبيب رافقت إرادة الأب القويّة في الإقلاع عن التّدخين. وأقلع فعلا عن التدخين. لذا حين أخبرته زوجته بأن أشرف يدخن انفجر ضاحكا مما أثار دهشتها. زادت على غضبها غضبا آخر وجهته ضدّ الأب الذي لم يجد سوى الضّحك ملء شدقيه أمام أمر غاية في الخطورة. تركته حتى انتهى من قهقهته ثم طلبت منه أن يتّخذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على ابنيهما الوحيد. هدأ الأب من روعها وطلب منها أن تحضر له كوب قهوة بالقرفة. توجهت إلى المطبخ وهي تردّد كلمات مختلطة غير مسموعة.
_ ها هي القهوة.. قل لي الآن ماذا ستفعل ؟
احتسى القهوة بنشوة بالغة وصار يغازلها إلا أنّها صدّته في الحال وأعادته إلى صلب الموضوع. فهم الأب أن عليه أن يقوم بخطوات عمليّة. اعتدل في جلسته وقال لها:
_ ماذا تريدين أن أفعل ؟… لقد كبر ابننا وصار موظفا في الدّولة… سأتحدّث إليه… كوني مطمئنّة.
خيم صمت طويل بينهما وعاد الأب يضحك من جديد ثم قال:
_ صحيح… من شابه أباه فما ظلم.
في اليوم التّالي، جاء أشرف يطلب السّماح من أمّه ويعدها بأنّه لن يدخن أبدا. تم الصلح فعلا. لكن في الحياة، لا يجب أبدا قول أبدا. 
أشرف ما زال يدخّن.
جاءت النّادلة بالقهوة التي طلبها. دفع ثمنها مسبقا ثم انصرفت من دون أن تشكره. في الوقت نفسه، دخل شاب في مقتبل العمر إلى المقهى. كان يمشي بطريقة أنثويّة ويحرك مؤخّرته كأنّه ملكة النّحل في موسم التّزاوج. يفتّش في وجوه الجالسين عن معالم حادّة للفحولة، لكن خيبة أمله كانت كبيرة حين اكتشف أنّه محاط فقط بالذّباب. ظل واقفا بعض الوقت قبل أن يقرّر الجلوس على الكرسي المقابل لأشرف. طلب من النّادلة كأسا كبيرا من المثلجات قبل أن يخرج من الجيب الخارجي لحقيبته التي كان يجرّها وراءه علبة سجائر غالية الثّمن. رمى نظرة سريعة حوله فلمح أشرف الذي يبدو أنّه الوحيد الذي استأثر بإعجابه. صار يرصد كل حركاته بعينيه الواسعتين اللتين تلمعان من أثر الكحل الخفيف الذي يضعه. بعد لحظات قليلة، سحب سيجارة واحدة بطريقة غاية في النّعومة وأخذ يقلّبها بين أصابعه دون أن يشعلها. 
في حقيقة الأمر، لم يدخل أشرف زمن الأسئلة إلا بعد أن حقّق استقلاله المادي. درس واجتهد، تقدم للاختبارات ونجح ثم تمّ تعيينه في مديريّة التخطيط نظرا لكفاءته وقدرته التحليلية الفائقة على قراءة الأرقام والمنحنيات. بل أكثر من ذلك، يمكنه ذكاؤه من التنبؤ بما سيصير بناء على معطيات محدّدة. لم يخطئ يوما في توقّعاته. ذكاؤه الفطري الذي تغذّى بالعلم و تقوى بالدّراسة يعطيه القدرة السّاحرة على كشف المستور. 
يعتبر أشرف من نوع المحللين الذي كان بإمكانه أن يجني أموالا طائلة إذا ما اختار طريق البورصة. المحللون الماليون، أنبياء العهد الحديث. لكنه اختار الإدارة بمحض إرادته لأنه يحب الدولة. ساعده في هذا الاختيار والده الذي كان دوما منضبطا في عمله، ممّا رسّخ الصّورة المثاليّة التي احتذى بها الابن. قرب الأب الدائم من الطفل أشرف إلى درجة أنّه كان يصطحبه معه إلى المقهى للقاء أصدقائه وزملائه في العمل مسح الحدود بينهما. كان ينصت بانتباه بالغ لحديث الكبار في السياسة ومستقبل العمل النّقابي. كانا ولا يزالا صديقين. هذا أدى إلى تزحزح مركز جاذبيّة السّلطة من الأب ليستقرّ في الأم. 
عادة، يكون الأب هو من يحتكر السّلطة في البيت. في حالة أشرف، الآية معكوسة. هذا يعتبر أول سؤال يطرحه أشرف على نفسه ويظن أنه قد وجد بعض عناصر الإجابة. يفسر هذه الحالة بكونه وحيد والديه. فلم يكن له أبدا أخ أو أخت يمكنها أن تمتص كتلة السلطة التي تحرك أمه. لماذا لم يهبه والداه أخا أو أختا ؟ سؤال آخر. لم يجرؤ على طرح هذا السؤال على والديه. خيل إليه أن الأمر ربما له علاقة بمشكل صحي قد يحرج الأم أو يجرح فحولة الأب. فضل، في نهاية المطاف، ترك المسألة حيث وجدت : طي الكتمان، باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوؤكم.
لكن ما يسيء أشرف و يؤلمه فعلا هو عدم قدرة أمّه على استيعاب أنّه لم يعد طفلا. حرصها المبالغ فيه فيما يخصّ نظافته هو وملابسه وإخضاع غرفة نومه لنظام ميليمتري دفعاه للتّفكير في تحقيق استقلاله. حان الوقت لكي يعيش في شقة خاصة به. حان الوقت ليتذوق حلاوة الفوضى. حان الوقت كي يسمح لنفسه أن يتحرّر من الاستنطاق اليومي الذي تخضعه له أمّه كل يوم، كلّما تأخّر نصف ساعة عن موعد رجوعه إلى البيت. حان الوقت لأن يصير رجلا بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. سؤال آخر: ما معنى أن يكون المرء رجلا ؟
أن يكون المرء رجلا معناه أن ينطلق إلى الحياة بكل ما أوتي من قوّة. أن يكون رجلا معناه أن يلتقي امرأة لا يعرفها وينتابه شعور غريب بأنّه كان يعاشرها منذ قرون خلت. إن ما يبحث عنه أشرف هو إعطاء منحى حياته بعدا جديدا لا ماديّا، منحى جديدا يختزل في امتداده كل المعطيات المتفرّقة في الفضاء. يبحث عن زمن جديد لا يخضع لمنطق الأرقام. في تصوّر أشرف، ما سينقذه من جنّة أمّه التي لم يخترها و بدأ يسأم منها هو شمس امرأة تجعله يكتشف زمنا أسطوريا. امرأة لا تكون تعرف أبجدية الاقتصاد. امرأة ترتقي بغرائزه الحيوانية و نزواته إلى درجة الألوهيّة. سؤال آخر: كيف يصير الرّجل إلها ؟
لأوّل مرّة في حياته ينتبه أشرف إلى أنّه رغم سنوات عمره الثّلاثين لم يعرف يوما لا معنى ولا طعم الشّهوة. كان لسنين مضت كأنّه مولد كهربائي وجه كلّ طاقته الجنسيّة للدراسة والعمل. النّجاح ثم النّجاح. لكن هذا لا يكفي. يجب أن يحتل دائما أوّل التّرتيب في كل اختبار يجتازه. الآن، لم يعد أمامه أي اختبار يحضر له. ليس أمامه إلا الحياة التي تمتد كأرض لم يدرك بعد طبيعة تضاريسها. عليه أيضا أن يستعدّ لمواجهة الحيوانات التي تسكن الغابة المظلمة. بدأت تنتابه هواجس من قبيل أنّه شاذّ مكبوت. سؤال آخر لم يتأخّر في الحسم فيه. أشرف يكره الشواذ. ليس فقط لأنّ الشّذوذ ظاهرة ضدّ قانون الطّبيعة، لكن لأنّه يعتقد أن الشاذ ليس سوى رجل مهزوم. و أشرف لا يحب الهزيمة. لم يسبق له أن جر أذيالها ولا يفكر حتى في احتمال هزيمته في يوم من الأيّام.
وصلت مسيرة المتظاهرين إلى باب المقهى. توقفوا مواصلين هتافاتهم. أشعل أشرف سيجارة أخرى وصار يتأمّل إلى ما ستؤول إليه هذه الكتلة الساخطة. استمر الاحتجاج لما يناهز الساعة تقريبا كانت كافية لينهي أشرف قهوته ويأخذ جرعته اللازمة من السّجائر. واصل التّفكير في برنامج نهاية الأسبوع. لم يعثر على أيّة فكرة. شعر و كأنّ رأسه فارغ كليا. هو التّعب الذي تجمع على طول الأسبوع. لن يقوم بأيّ شيء، هذا هو قراره. هم بالقيام فأسرع نحوه الشاب المخنّث يطلب منه ولاعة. صدّه أشرف بنظرة حادّة يتطاير منها الشرر قائلا له إنّه لا يدخّن. ارتبك المخنّث كثيرا لهذه الإجابة فرجع خطوة إلى الوراء كفتاة قهرها قرار حبيبها بهجرها، هو الذي كان يراقبه يدخّن سجائره الواحدة تلو الأخرى بشهيّة مسعورة. عقد أشرف أزرار سترته وتأكّد أن ربطة عنقه مطويّة بعناية في جيبها الأيمن ثم غادر المقهى، دون أن ينظر وراءه. أشرف لن يفعل أي شيء. سيقضي نهاية الأسبوع في البيت يأكل وينام ويقرأ قليلا فصولا من رواية إذا لم يكن هناك من شيء يمنعه من ذلك. في الطّريق إلى البيت خطرت بباله فكرة هامّة. قرّر أن يترك شاربه ينمو. وهذا ما كان. توالت الأيّام وصار شاربه يكبر من حيث الطول والكثافة. وكلّ صباح، يحلق لحيته ويترك الشّارب في مكانه. لا ينسى أن يأخذ مقصّا صغيرا يهذّب به أطرافه. ينظر إلى نفسه في المرآة باعتزاز بالغ ثم يبتسم ابتسامة هادئة وهو يدير وجهه يمينا ويسارا كشخصيّة عظيمة سترسم له لوحة تخلد ذكراه. 
أشرف رجل… له شارب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق