الشارقة ـ باريس: أسطح المدينة

{{* الشارقة}}

–ليس السطح بالضرورة منبسطاً أفقياً.

زجاج المباني المغسول، اللمّاع دوماً، سطح يلتف على نفسه: ليس مرآة للناظرين، بل لنرجس لمعته الزرقاء.

–لم يكن ميسوراً لغلاف الكتاب أن يصير شاشة.

كان محو الكلمات ثمناً باهظاً للبياض.

لكن قد أمكن، باليد المنهكة، تثبيت صورة لا تبادل الأخريات انزلاقاً، سطحاً لسطح، وظهراً لظهر.

كان البياض الغالي قفلاً نتلصص من ثقبه، فيجلو لنا بؤرة البصر وعمقه.

–كانت المدينة ـ الإمارة تشبه سور نادي الزمالك.

لكن عشباً لم يكن وراء السور، ولا القاهرة أمامه.

كان السوق القديم يكرر حتى الإعياء واجهة الشواهق الزجاجية المتكاثرة.

–متحف 1: تلك الغرف المعتمة، تقف على النقيض من أخرى باهرة البياض. لئن كانت الأولى تشهد بثاً لا ينقطع من المشاهد فوق حيطان لا تُرى، فإن الغرف البيضاء لا تعدو الحلم بأفلام لا يمحوها الضوء، فتلونها بالخشب والملصقات من صور العائلة والصحف. في موازاة الشكل الثابت للأولى، والذي يبتلع كل ما يقدم إليه، تقف الاستعادة في الغرف البيضاء ثقباً أسود بدوره.

–كانت جنيفر تنوي استعراض “صراع العناصر” في تنافر الماء والزيت.

ما كانت ترى من كناية في ذاك. لم يكن الزيت أسود ولا الماء عذب المنبع المشرقي.

فتنتها كانت أسر الضوء داخل هذا الصراع: كانت تحسب أن للسطح عمقاً، يميّزه عن الشاشة وعن المرآة.
آه كم كان الانتقام رهيباً.

لقد هرست عجلات عربات التلفزة أداء جنيفر، ساحقة احتمال “صورة” تتشبث بمادتها ولا تعدوها، إذ لا تلتقطها كاميرا.

ما ليس يغرق في دفق الصور الموهومة وسيلها غير المنقطع يوأد حلماً.

–لم يقدنا إسفلت الطرقات الطويلة إلى أي صحراء. فقط أوصلنا إلى أرحامٍ مغبرّة تنتظر نطف البنائين.

في الانتظار، ليس من لحنٍ عابرٍ أهتزّ من باطني غلافاً لصداه.

–متحف 2: ليس كافياً أن يضم مكتبة أو يأوي حلقة نقاش للمشهود لهم، كي يخرج عن وصفه مستودع معاهدات الثقة والأمان، ومثوى الأعمال المعقّمة. كان لا بد إذن من تقديم ما يفرّ منه… ما يحمله العابرون في حافظاتهم أو أيديهم… ما يقفز منه كالآملين بالنجاة من سفينة تغرق…

–كثيراً ما ردد صديقي دهشته لضآلة ما أنتجته جهود مثلثة أنفقت فيها أشهر طوال. لكنها تبدو إستراتيجية المجموعة، وإن غير صريحة: وحده ما لا يكلف حمله عبئًا يستطيع حمله من ليس لهم إلا شبه وطنٍ لبناني يذرعونه بإلحاح، وهم في مكانهم، ككرات تكرج على سطح زلق.

–حين يتخفف الوطن من كل المشترك، ينبجس سؤال لم يكن ليخطر من قبل: هل يظل من الوطن سوى قطعة البسيطة هذه؟ هل هي سره الدفين؟

لا تسأل المدينة ـ الإمارة نفسها مثل هذا السؤال، فهي في حلٍّ منه ما دامت أرضها لا تنفصم لحظة عن مكنوزها. أما لبنان فيسأل، لأنه بات يبحث عن ملجأ أخير لكينونته، عن مبرر أخير للوجود.

في لبنان المحتلّ جواً وجوفاً، نتحصن بالثرى ونأوي إلى وجه البسيطة عله يعصمنا.
ّ
{{* باريس}}

–سبق لباريس أن طردت زجاج معابرها التجارية القديمة إلى ضاحية رجال الأعمال، أو رصفته هرماً يحاصره اللوفر. لكنها الآن تستعد لتستقبله في قلبها، في محور أسواقها، بساطاً يقي الأشجار والراقدين تحتها ماء السماء الدافق. باريس القرن الحادي والعشرين تعدنا بما يجاوز مرايانا، وتحلم بسماء خضراء.

–نادراً ما يفتح الباريسيون نوافذهم، أو يعرضون دواخلهم. لا عيون في جدران هذه المدينة، التي ترد إليك كرة أسرارك باستمرار.

–باستمرار، تتوسع مساحة باريس المحاصرة داخل جدار طريقها الدائري المقفل. لكنها لا تتمدد كبقعة زيت، بل كأخطبوط يمد أذرعه، شبكات المترو والقطار السريع، ليقطف قرى ومدناً راسخة عريقة. كل مقصد جديد فتح لا غزوة، وكل قطار يحمل الغنيمة: عشاق وآمال وعمال ورفاق.

–هي مدينة السينما. لا فقط لأنها اخترعتها، أو لأن ثلاثمائة فيلم تعبر شاشاتها كل أسبوع، ولا فقط لأن آلاف الأفلام تغلغلت في ثناياها وطواياها. هي مدينة السينما لأنها أصلاً أول من أثبت بالصورة القاطعة طابعها الشبحي. مدينة المعابر البانورامية، التي تصل ولا تصل… تماماً كالعين.
ـ تساعدنا باريس على تحديد تعريفٍ مثلث للمدينة:

إنها المتعددة الأسطح والطبقات، مركز شبكةٍ تجمع مواطن كثيرة في درع واحدة، وهي التي لا تنفك تبتلع مدافنها.

–يشتكي الكثيرون هنا من سقف السماء الواطئ الرمادي. يحتفلون حين تخترقه الشمس بنصالها، لتتلألأ على أمواج السين. لا أحد، على حد علمي، يأسى لغياب الأفق والشفق.

توهمنا المدينة، بشوارعها الطويلة، أننا لا نحيا في فقاعة، بل في المغامرة.

–ليست نجمة بعيدة ما يلوح بين الابتسامة والورق الصقيل للمجلة. إنها فقط رعشة المرآة الأليفة.

–يزعم ميرلو ـ بونتي أن كون الجسد مرئياً يمنعني من النظر أمامي كالنظر إلى مشهد سينمائي. أنا الرائي المرئي في حسبانه. لا عجب أنه كتب هذا الكتاب في الريف. ها هنا، لست مرئياً، ولا أكاد أرى لكثرة ما تتقاذفني العمارات المرصوفة متواليات.

–يروي الصديق عن مدن مفتونة بشاشات البلازما، فتنة قبائل قديمة بأنواع من السمك أو من الفراشات، تجمع بين الرقة والعرض، مثل موسيقى شرقية قديمة نلجأ إليها بحراً نغرق في حنانه.

{* كتب هذا النص اثر العودة إلى باريس من مشاركة في بينالي الشارقة للفنون.}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق