الشاهد الوثني على نبوّة محمد

اهتمّت كتب السّيرة النّبويّة و كتب التاريخ و كتب الأخبار بمعناها العام بإيراد شواهد مختلفة

تثبت نبوّة محمّد. قسم هام من هذه الشواهد يرتبط بالدّيانة الوثنيّة من حيث العناصر الحاضرة فيه و طبيعة النظرة إلى الوجود التي ينطلق منها، و يمكن أن نقسّم الشواهد الوثنيّة إلى قسمين: شواهد قوليّة و شواهد عمليّة.

تتمثّل الشواهد القوليّة في أحاديث عدّة كائنات تنتمي إلى عالم البشر و عالم الحيوان و عالم الجماد. جاء في مصادر عديدة أنّ كهّان العرب في الجاهليّة كانوا يدركون أنّ نبيّا سيظهر بين العرب و كانوا يعلمون نسبه و زمن ظهوره. يذكر ابن هشام أنّ ربيعة بن نصر أحد ملوك اليمن رأى رؤيا هالته و فظع بها، فطلب تأويلها من سطيح و شق و هما كاهنان ” ليس أحد أعلم منهما ” -1- و تضمّنت إجابة الكاهنين تأكيد لحتميّة ظهور نبيّ، فسأل الملك سطيحا عن نسب هذا النّبي، فأجابه قائلا ” رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النّضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدّهر “-2- و يذكر ابن هشام أنّ عائفا قدم مكّة و رأى محمّدا و هو طفل صغير، فقال ” فوالله ليكوننّ له شأن ” -3- و يذكر ابن هشام أنّه لمّا انتشر أمر محمّد في العرب ذهب جنب و هم بطن من اليمن إلى كاهن لهم يسألونه عن أمر محمّد ” فنزل عليهم حين طلعت الشّمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له فرفع رأسه إلى السّماء طويلا ثم جعل ينزو، ثم قال: أيّها النّاس، إنّ الله أكرم محمّدا و اصطفاه و طهّر قلبه وحشاه، و مكثه فيكم، أيّها النّاس، قليل ” -4- و يذكر ابن هشام أنّ عمر بن الخطاب سأل قارب بن أسود و كان كاهنا عمّا جاءه به صاحبه، فأجاب قائلا ” جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه فقال: ألم تر إلى الجن و إبلاسها و إيّاسها من دينها و لحوقها بالقلاص و أحلاسها ” -5-

يورد ابن هشام عدّة أحاديث للكهّان تشهد بصدق نبوّة محمّد، و ينقل عدّة أخبار تحكي عن سماع بعض النّاس أحاديث صادرة من عوالم مجهولة تشهد بما قاله الكهان. ينقل ابن هشام عن عمر بن الخطاب قوله ” و الله إنّي لعند وثن من أوثان الجاهليّة في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قطّ أنفذ منه و ذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول: لا إله إلاّ الله “-6-

بشّر الكهّان بنبوّة محمّد، و شهدت بصدقه كائنات خفيّة نطقت من وراء حجاب. و جاء في مصادر عديدة أنّ بعض الحيوانات نطقت بلسان عربي مبين معلنة نبوّة محمّد. جاء في كتاب نهاية الأرب على لسان مالك بن نفيع “… فإنّي لذات يوم أصيد به ( يعني كلبا له ) فبصرت بنعامة على أدحيتها و هي قريبة منّي فأرسلته عليها، فأجفلت أمامه و اتبعتها على فرس جواد فلمّا كاد الكلب يثب عليها انقضّت عليه عقاب من الجوّ، فكرّ راجعا نحوي، فصحت به، فما كذب، و أمسكت الفرس فجاء سحام ( اسم الكلب ) حتّى دخل بين قوائمها و نزلت العقاب أمامي على صخرة و قالت: سحام. قال الكلب: لبيك قالت: هلكت الأصنام و ظهر الإسلام، فأسلم تنج بسلام، و إلاّ فليست بدار مقام…” -7- دعت بعض الحيوانات غيرها إلى الإيمان بصدق نبوّة محمّد، و تورد المصادر أخبارا عديدة يخاطب فيها الحيوان الإنسان و يدعوه إلى الإيمان بنبوّة محمّد ” و حدّث أبو سعيد الحضرمي قال: بينما رجل من أسلم في غنيمة له يهشّ عليها في بيداء ذي الحليفة إذ عدا عليه ذئب فانتزع منه شاة من غنمه، فجهجأه الرجل و رماه بالحجارة حتّى استنقذ منه شاته، ثمّ أنّ الذئب أقبل حتّى أقعى مستثفرا بذنبه مقابل الرّجل فقال: أما اتّقيت الله أن تنزع منّي شاة رزقنيها الله ؟ قال الرّجل: تالله ما سمعت كاليوك قطّ . قال الذئب: قد تركت أعجب من ذلك، ها ذاك رسول الله صلّى الله عليه و سلّم بين الحرّتين في النخلات يحدّث النّاس بما خلا و يحدّثهم بما هو آت و أنت هنا تتبع غنمك… ” -8- تكلّم الحيوان مخبرا بنبوّة محمّد، و تذكر مصادر كثيرة أن الشجر و الحجر كانت تسلّم عليه بصوت مسموع متى مرّ بقربها.

بشّر الكهان بنبوّة محمّد، و تكلّمت الحيوانات و الأشجار و الحجارة معلنة إيمانها بصدق نبوّته، و تذكر المصادر أنّ بعض آلهة العرب في الجاهليّة قد أقرّت بنبوّة محمّد، و نهت عن قتاله. يذكر ابن هشام أنّ قريشا جعلت في النبيّ محمّد مائة ناقة لمن ردّه عليهم و منعه من الهجرة إلى يثرب، و ينقل ابن هشام عن سراقة بن مالك قوله “… ثمّ أمرت بفرسي فقيّد لي إلى بطن الوادي، و أمرت بسلاحي، فأخرج لي من دبر حجرتي (…) ثمّ أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره لا يضرّه (…) فركبت على أثره، فينما فرسي يشتدّ بي عثر بي فسقطت عنه (…) ثمّ أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره لا يضرّه، فأبيت إلاّ أن أتبعه (…) فركبت في أثره، فبينما فرسي يشتدّ بي عثر بي، فسقطت عنه ( …) ثمّ أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السّهم الذي أكره لا يضرّه (…) فأبيت إلاّ أن أتبعه، فركبت في أثره، فلمّا بدا لي القوم و رأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، و سقطت عنه، ثمّ انتزع يديه من الأرض و تبعهما دخان كالإعصار… ” -9- الاستقسام بالقداح طقس وثني تتمّ فيه استشارة الآلهة قبل القيام بشيء ما، و المضمر في هذا الخبر أنّ آلهة سراقة بن مالك نهته عن تتبّع محمّد لإدراكها أنّه نبيّ، و يذكر ابن هشام أنّ عبّاس بن مرداس أحد سادات بني سليم كان عند وثن له اسمه ضمار ” إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول:

قل للقبائل من سليم كلّها…….أودى ضَمَار و عاش أهل المسجد

إنّ الذي ورث النبوّة و الهدى….بعد ابن مريم من قريش مهتد

أودى ضَمَار و كان يُعبد مرّة…..قبل الكتاب إلى النّبيّ محمّد -10-

استدلّ القدامى على نبوّة محمّد بأحاديث الكهان و أحاديث الطير و الحيوان و الحجارة و الشجر، و كلّ هذه الشواهد مرتبطة بشكل أو بآخر بالوثنيّة دين العرب في ما قبل الإسلام، إذ كان العرب يعتقدون في علم الكهان لاتّصالهم بعالم الجنّ و الشّياطين، و اعتقد العرب أنّ جميع الكائنات من جماد و شجر و حيوان مسكونة بروح، فقدّسوا بعضها و اعتقدوا في علمها، و هذه التصورات هي التي تشكّل الأساس لعدد من أخبار دلائل نبوّة محمّد التي أبدعها المخيال الإسلامي في عهود لاحقة للنبوّة، و يرجع ذلك إلى سببين أساسيين، يتمثّل السّبب الأوّل في بقاء عدد من التصوّرات الوثنيّة متخفيّة في أعماق الذات الإسلاميّة و تجلّت في الأخبار التي تناقلها الرّواة مشافهة قبل أن يشملها التدوين في عهد متأخّر، و يتمثّل السّبب الثاني في أنّ دين محمّد لم يقطع مع كلّ المعتقدات الوثنيّة، فالقرآن أقرّ بوجود الجنّ و الشياطين و تحدّث عن استراقهم السمع و حملهم أخبار أهل السمّاء إلى البشر. جاء في النّص القرآني على لسان الجنّ ” و أنّا لمسنا السّماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا و شهبا و أنّا كنّا نقعد منها مقاعد للسّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا و أنّا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربّهم رشدا ” -11- أقرّ القرآن بعلم الكهان في الجاهليّة، و أعلن انقطاعه ببعث النّبيّ محمّد و رجم تابعيهم من الجنّ و الشياطين، و واصل المخيال الإسلامي إنتاج نفس الصورة عن الكهّان بعد حدث النّبوّة و كأنّ علمهم لم ينقطع، و يدلّ هذا على أنّ تمثّل القدامى لتجربة النبوّة كان محكوما بآفاقهم الذهنيّة التي تشكّلت عبر روافد كثيرة أهمّها ما اختزن في ذاكرتهم من أصداء الماضي.

-* ابن هشام: السّيرة النبويّة تحقيق و تعليق و دراسة الشيخ عادل أحمد عبد الموجود و الشيخ علي محمّد معوّض شارك في تحقيقه الأستاذ الدكتور فتحي عبد الرحمان أحمد حجازي مكتبة العبيكان الرياض ط (1) 1418 ه- 1998 م ج1 ص 75

1- ابن هشام: السيرة النبويّ ج 1 ص 81

2- ابن ةهشام:السيرة النبويّة: ج 1 ص 253 – 254

3- ابن هشام: السيرة النبويّة ج 1 ص 255

4- ابن هشام: السيرة النبويّة ج 1 ص 204

5- ابن هشام: السيرة النبوية ج 1 ص 40 – 41

6- شهاب الدّين احمد النويري: نهاية الأرب في معرفة أحوال العرب طبعة دار الكتب ج 18 ص 149 – 150

7- ابن سعد: الطبقات الكبرى دار صادر بيروت ( د ت ) م 1 ص 147

8- ابن هشام: السيرة النبويّة ج 2 ص 88 – 89

9- ابن هشام: السيرة النبويّة ج 1 ص 71

10- سورة الجن / 8 – 10

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق