الشرط القيروانيّ قراءة تاريخية في مسألة فقهية



    

 مثّل الإنتاج الفقهي الإسلاميّ المتعلق بالمعاملات إبداعا مخصوصا وحلقة أساسية في تاريخ الحضارة الإنسانية خلّفت آثارها في القوانين المعاصرة. وقد شهدت المرحلة التأسيسية للتشريع الإسلاميّ من منتصف القرن 1هـ إلى أوائل القرن 2هـ، مناظرات ومنتديات مهّدت لقيام المذاهب الفقهية المعروفة التي اكتملت معالمها فيما بعد من أوائل القرن 2هـ إلى القرن 4هـ، وبذلك ازدهر النشاط الفكريّ المتميّز بالبحث والمساجلات الفقهية الحادّة، وكان لاختلاف الرُّؤى دوره في الإثراء الفقهيّ. وقد كان لاتساع الانتشار الإسلاميّ الذي شمل مجالات ذات حضارات عريقة دور أساسيّ في إثراء الاجتهاد، فالإنتاج الفقهيّ كغيره من الإنتاجات الفكرية لا يمكن فصله عن إطاريه الزمانيّ والمكاني وعن الواقع الاجتماعيّ في آن. وقد شمل فقه المعاملات كافّة نواحي الحياة العامّة بما في ذلك مؤسّسة الزواج، إذ نظّمها وحدّد الشروط الأساسية لقيامها ولتواصلها، وشملت الاختلافات مسألة تتعلّق بهذه المؤسّسة وهي الشرط الذي يحول دون إعمال مبدأ التعدّدية الزوجية الذي أقرّته أغلب القراءات المقترحة للآية القرآنية “…فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورُباع…”1. وقد ميّز هذا الشرط عقود الزواج القيروانية، فسمحنا لأنفسنا بأن نسمّيه بـ”الشرط القيروانيّ”.

      فما هو “الشرط القيرواني”؟ وما هي مرجعيته الفقهية؟ وما هي القاعدة السوسيو- ثقافية التي سهّلت العمل به؟    

      أوّلا: تعريف أوّلي لـ”الشرط القيروانيّ”

   1. حول التسمية

 

      صنّف الفقهاء المسلمون الشروط في الزواج إلى ثلاثة أنواع، النوع الأول يشمل الشروط التي تتعلّق بما سمّوه “مقتضيات العقد” أي بمسائل أساسية يعتبرها التشريع الإسلاميّ منظّمة لمؤسّسة الزواج، كاشتراط المرأة إنفاق زوجها عليها وتوفير السكن لها وعدم التغيّب عليها لمدّة طويلة، وقد اتّفق جميع الفقهاء بوجوب التزام الزوج بهذه الشروط فاشتراطها عبارة على تأكيد الاحتكام إلى القواعد النّاظمة لمؤسّسة الزواج والتي حصبت على أجمع الفقهاء المسلمين. النوع الثاني يشمل شروطا اتفقوا على أنها فاسدة، كأن تشترط المرأة على زوجها بألا يعاشرها معاشرة الأزواج أو أن يشترط الزوج على زوجته بأن تنفق على نفسها من مالها الخاصّ، أو أن يشترط أحدهما على الآخر عدم الإنجاب. النوع الثالث يشمل شروطا اختلف الفقهاء المسلمون في حكمها وقد سمّاها البعض شروطا “فيها نفع”2 للمرأة يمكن اعتبار بعضها شروطا “حمائية” للمرأة ومنها الشرط موضوع هذا المقال.

       عثرنا ضمن رسوم الإشهاد العدليّ التي غطّت مجالات جغرافية مختلفة داخل البلاد التونسية والموثقة بدفاتر ترجع إلى القرن التاسع عشر، على مجموعة هامّة من عقود زواج تضمّنت هذا النوع الأخير من الشروط. بعضها تعلق بالإقامة، كأن تشترط المرأة على زوجها ألا يخرجها من بلدها، أو أن تشترط إقامة وليّها معها في محلّ الزوجية، كما عثرنا على عقود تضمّنت شروطا تعلّقت بالإنفاق على أبناء للزوجة من زوج سابق. والبعض الآخر من الشروط تعلّق بمنع الزوج من التزوّج بثانية، وهي شروط آثرنا تناولها بالتفصيل ضمن هذا المقام. علما أنّ العديد من المصادر والمراجع قد تواضعت على اعتبار كلّ عقد زواج يحمل شرطا من طرف المرأة أو تنصيصا على أنّه في صورة عدم الالتزام بالشرط يكون طلاقها بيدها هو “عقد زواج قيروانيّ”. فابن تيمية مثلا وإن لم يذكر عبارة “عقد زواج قيروانيّ” للاستدلال على عقد زواج يحمل شرط إنفاق الزوج على ابنة زوجته من زوج سابق وشرط عدم التزوّج بثانية، إلا أنّ استعماله لعبارة “صداقات أهل المغرب القديمة”3 تؤدّي من منظورنا نفس المعنى. أمّا المستشرق “روبير برنشفيك” فقد استعمل عبارة “عقود نكاح خاصة” كانت “نساء القيروان يتمتّعن” بها قاصدا من ذلك العقود الحاملة لشرط عدم تغيّب الزّوج مدّة طويلة عن زوجته والشرط المانع للتزوّج بثانية4. أما العلاّمة التونسيّ حسن حسني عبد الوهاب فقد كان أكثر دقّة إذ ذكر عبارة “الأنكحة بالطريقة القيروانية”5 قاصدا بذلك الشرط المانع للتزوّج بثانية.

      بتفحّصنا لعقود الزواج الموثّقة بدفاتر الإشهاد العدليّ التي اطّلعنا عليها، نستنتج أنّ الشرط المانع للتزوّج بثانية هو الذي ميّز عقود الزواج القيروانية دون سواه من الشروط، إذ أنّ كلّ تنصيص على هذا الشرط غلبا ما تمّ إردافه بإحالة على “العمل” أو العرف “على عادة نساء أهل القيروان”6.

      كان الشرط المانع للزواج بثانية يُحرّر في شكل تعهُّد من طرف الزوج تجاه زوجته، ولم يكن يُضمّن صُلب عقد الزواج، بل كان يُدرج ضمن رسم إشهاد على حدة في شكل التزام يَعقب مباشرة عقد الزواج، وهي حيلة فقهية غايتها تفادي المبطلات الشكلية الداعية إلى فسخ العقد أو الشرط من طرف من لا يعترف بحضورها من القضاة. وسواء حُرّر الشرط كفصل من فصول عقد الزواج، أو ضمن رسم يعقب العقد، أو حُرّر كعقد خلال الحياة الزوجية، فإنّه في كلّ الحالات يرضخ لمبدأ القبول والإيجاب.

      اخترنا أن نطلق على هذا الشرط تسمية “الشرط القيروانيّ” حتى وإن ثبت العمل خارج مجال القيروان سواء كان ذلك بإفريقية، أو بالمغرب عامّة، أو بالأندلس، وكذا بالمشرق. وقد حافظنا على نسبة هذا الشرط القيروانية لأنّ العمل به يعود إلى أيّام كانت القيروان منارة علم وثقافة تشعّ على المغرب، ويُعتدّ بآراء علمائها واجتهادات. وقد سمحنا لأنفسنا باعتماد “تسمية “الشرط القيروانيّ” كمصطلح تاريخيّ دقيق سيأتي بيانه.

      2) مختلف صيغ الشرط المانع للتزوّج بثانية

      وثّقت المصادر التاريخية ثلاث صيغ لهذا الشرط.

أ) تمليك الزوجة أمر تطليق نفسها7:

     

      يحرّر هذا الشرط في شكل تعهّد من طرف الزوج بألا يتزوّج على زوجته امرأة ثانية، وفي حال حصل ذلك فإنّ عصمة الزوجية تعود إلى يدها. ونفهم من هذه الصياغة أنّ عدم التزام الزّوج بالشرط، غير فاسخ للعقد ولا يمكن أن يتدخّل القضاء لإجباره على الالتزام بما تعهّد به، بل فقط يسمح للمرأة بأن تطلّق نفسها كما لها أن تقبل بذلك إن أرادت. وقد عثرنا بأحد دفاتر الإشهاد العدليّ التي غطّت أعمال الإشهاد بـجهة قفصة (يالجنوب الغربي التونسي) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على عقد زواج تضمّن تعهّد الزوج بعدم ارتجاع زوجته السابقة، وصيغة ذلك: “وشرط على نفسه الزوج المذكور أنّه متى رجع زوجه  [بياض] بنت محمد بن سعده فزوجته تِبّْرْ المذكورة طلاقها بيدها”. وهذه الصيغة لا تثبت للمرأة سوى خيار الفسخ خلافا للصيغتين التاليتين.

      ب) تمليك الزوجة أمر تطليق غيرها من النساء أو “الجعل التحريميّ”:

       يحرّر هذا الشرط في شكل تصريح من طرف الزوج بأنّ زوجته تملك أمر تطليق كلّ امرأة يتزوّجها لاحقا. والتمليك لغة وفقها يختلف عن التوكيل على مستوى الأثر القانونيّ، إذ أنه لا يمكن التراجع عنه أبدا من طرف الزوج، بينما الزوجة التي تملك أمر تطليق غيرها من النساء فإنّها قادرة على التنازل عن هذا الحقّ متى رغبا في ذلك. وقد عثرنا على رسم إشهاد موثق بأحد الدفاتر التي تغطّي مجال مدينة تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يتضمّن هذه الصيغة. ولكنّ هذا الرسم لم يعقب عقد زواج بل حُرّر أثناء الحياة الزوجية عقب إقراض الزوجة لزوجها مبلغا قيمته تسعمائة ريال. لذلك نقدّر أنّ وضع الزوجة كدائنة هو الذي جعلها في موقع يسمح لها بفرض هذا الشرط حماية لأموالها وفي نفس الوقت دفاعا عن مكانتها داخل مؤسسة الزواج.أمّا صيغة الشرط فهي كالتالي: “أشهد المكرّم فلان أنّه جعل بيد زوجه الحرّة الأصيلة فلانة طلاق كلّ امرأة يتزوّجها أو يراجعها عليها مدّة الزوجية بينهما ودوامها تطلّقها بما شاءت وأحبّت من أنواع الطلاق من الواحدة للثلاث تمليكا لا توكيلا…”8. وقد أورد ابن عظوم ضمن فتاواه هذه الصيغة بعقود زواج أبرمت بالقيروان في القرن السادس عشر ميلادي9. أمّا عقود الزواج التي أبرمت بالقيروان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد تضمّنت صيغة تمليك الزوجة أمر تطليق غيرها من النساء بصياغة مختزلة جدا مع إحالة على العرف، وحُرّرت كفصل منفصل عن العقد لكن ضمن نفس الرسم، مثلا: “تزوّج على بركة الله تعالى وحسن عونه وعلى منهج الشرع العزيز وطريقه المكرّم الأرشد فلان بالمرأة الأيم فلانة…وشهد عليهم بذلك حال الجواز وبمعرفة الوكيل والزوج وممّن عرف بالزوجة فلان وفلان بتاريخ اليوم الثاني والعشرين من صفر الخير سنة1293 وبعد تمام العقد وانبرامه طاع الزوج المذكور لزوجه المذكورة بالجعل التحريمي على عادة نساء أهل القيروان…”10. ويتبين أن عبارة “الجعل التحريمي” هي اختزال لعبارة “جعل بيدها تطليق كلّ امرأة يتزوّجها عليها بما شاءت وأحبّت من أنواع الطلاق من الواحدة للثلاث”، وهي نفس الصيغة التي تضمّنها العقد السابق الذكر. ويدل هذا الاختزال على كثرة استعمال تلك الصيغة وعلى معرفة معناها لدى أهل القيروان من خاصّة وعامّة حتى موفّى القرن التاسع عشر ميلادي، وأنّ هذا الاختزال لم يكن يطرح إشكالا فقهيا في صورة التقاضي. لذا فقد تعاملنا مع عبارة “الجعل التحريمي” بوصفها مصطلحا فقهيا تاريخيا.

      ج) كلّ عقد زواج بثانية يُعدّ رسم طلاق لها:

     

     الصيغة الثالثة التي وثّقتها المصادر مضمونها أنّ كلّ امرأة ثانية يتزوّجها الرجل الذي اشترط على نفسه هذا الشرط تُعد طالقا ساعة إبرام العقد. وقد أورد ابن العطار (332هـ-399هـ) نصّ عقد زواج تضمن صلبه هذه الصيغة. وهذا بعض ما ورد بنصّه: “…التزم فلان لزوجته فلانة طائعا متبرّعا استجلابا لمودّتها وتقصيا لمسرّتها ألا يتزوّج عليها ولا يتسرّى معها ولا يتّخذ أمّ ولد فإن فعل شيئا من ذلك فأمرها بيدها والداخلة عليها بنكاح طالق وأمّ الولد حرّة لوجه الله العظيم وأمر السرية بيدها إن شاءت باعت وإن شاءت أمسكت وإن شاءت أعتقت عليه…”11.

     يتمثّل وجه الخلاف بين الصيغ الثلاث التي ورد بها الشرط المانع للتزوّج بثانية في الأثر القانونيّ لكلّ صيغة في صورة تراجع الزوج عن عهده. كما يتّضح أنّ “الشرط القيروانيّ” أخذ صيغة خصوصية وهي صيغة تمليك الزوجة تطليق غيرها من النساء، أو ما سمّيناه بصيغة “الجعل التحريمي”.  

      ثانيا: محاولة للبحث في المرجعية الفقهية

      سنحاول البحث عن المرجعية الفقهية للشرط المانع للتزوّج بثانية، وعن الحدود الفاصلة بين ما هو تشريعيّ وما هو اجتماعيّ، مع الملاحظ وأنّ التشريعيّ في حدّ ذاته يحمل مواقف تحدّدها مواقع اجتماعية بالإضافة إلى التأثيرات الذاتية للمتفقّه وللمتقبّل. 

   1. المحاجّة الفقهية حول الشروط في الزواج

 

      أثار اقتران عقد الزواج بشرط “فيه نفع” للمرأة كما سمّاه البعض، كأن تشترط توفير خادم لها12 أو توفير مرضع لأبنائها13، أو اقترانه بشرط سمّيناه “حمائيا” لها، كأن تشترط عدم إخراجها من بلدها أو عدم التزوّج عليها بثانية أو عدم التسرّي عليها، جدلا كبيرا بين الفقهاء المسلمين. فمنهم من رأى على غرار الشافعي أنّ الزواج صحيح والشرط فاسد ولا يلزم الزوج الوفاء به، مستندين في ذلك على قراءتهم لقول النبيّ “كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط”، وأنّ الشروط مبطلة للزواج.14 ومنهم من شدّد على ضرورة أن يفي الزوج بما تعهّد به رجوعا إلى قول النبي: “المسلمون على شروطهم”، وإلى النص القرآني “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود”15.

      لكن حتى أولئك الذين اتّفقوا على وجوب احترام الشرط باعتباره عهدا، وخاصة أنه عهد مشرّع للعلاقة الزوجية، بالمفهوم الدينيّ للعلاقة الشرعية واللا شرعية أي وفق ثنائية الحلال والحرام16، قد اختلفوا بينهم بخصوص اشتراط الزوجة على زوجها عدم التزوّج عليها. فمنهم من اعتبر أنّ هذا الشرط قد حرّم حلالا بناء على قراءتهم للآية الثالثة من سورة النساء، ومن اعتبره شرطا جائزا ولا بدّ للرجل أن يلتزم به إذا ما تعهّد بذلك على سنّة عمر بن الخطاب الذي أُثر عنه قوله “مقاطع الحقوق عند الشروط ولها ما اشترطت”17 وعمرو بن العاص وشريح القاضي والأوزاعي وأحمد ابن حنبل18، وعمر بن عبد العزيز.19 ويبدو أنّ استناد هؤلاء كان إلى حديث نبويّ مفاده أنّ النبي قال وهو على المنبر “إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن يُنكحوا ابنتهم عليّا بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحبّ ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويُؤذيني ما أذاها”20. وقد ورد هذا الحديث برواية أخرى عن سند آخر أنّ النبيّ قال “إنّ فاطمة مني وإني أتخوّف أن تفتن في دينها”.21 غير أنّه لم يصنّف ضمن الأحاديث الواردة بباب “الوفاء بالشروط في النكاح”، بل تمّ تصنيفه ضمن باب “فضائل فاطمة”، كما أنّ الذاكرة الجماعية تناسته اعتبارا إلى أنها لا تنتقي إلا ما تلتقي معه، لذلك انعكس هذا الانتقاء على الإجماع بعدم جواز الشرط المانع للتزوّج بثانية.

     

2): النسبة القيروانية للشرط المانع لتعدّد الزوجات

   1. المرجعية الفقهية

 

      ذكر ابن تيمية أنّ الشرط المانع للزواج بثانية وُجد بـ”صداقات أهل المغرب القديمة لما كانوا على مذهب الأوزاعي”22. فلئن نسب ابن تيمية هذا الشرط إلى الأوزاعي، فإنّ ذلك لم بمنع من حصول سجال فقهيّ حول مسألة الشرط قبل أن تتأسّس المذاهب، فممّن قال بجوازه عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص. فقد أورد ابن عذاري أنّ هذا الأخير كان “أوّل من دخل إفريقية غازيا زمن عمر بن الخطاب”23، وأنّ عبد الله بن عمر بن الخطاب كان من الذين اصطحبهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح في غزوه لافريقية مع العديد من أشراف قريش24. وإذا أردنا أن نتبنّى المعطيات التي أوردها ابن تيمية، لنا أن نقول بأنّ عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب الذي ثبت أخذ الأوزاعي عنه، كانا من الحاضيّن على إتمام العمل بالشرط المانع للتزوّج بثانية بالقيروان. ثم تلا هذه الفترة وفود العلماء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز، وذلك في نهاية القرن الأول للهجرة، أتوا إلى القيروان “ليفقّهوا أهل افريقية ويعلّموهم أمر دينهم”25، وكما سبق أن ذكرنا فإنّ عمر بن عبد العزيز كان من القائلين بالشرط المانع للتزوّج بثانية، بذلك يستقيم أن نقدّر تخمينا أنّ العلماء الذين أرسلهم لا يختلفون عنه في الرأي بخصوص هذه المسألة، حتى وإن تبيّن لنا أنّ تلك المسألة أكبر من أن تُختزل فقهيا واجتماعيا في عدد محدود من الأشخاص حتى إن اعتبر أولئك الأشخاص مؤسّسين لمدارس فقهية. 

      إنّ أقدم أثر نتوفّر عليه بخصوص الشرط المانع للتزوّج بثانية، هو عقد زواج والي القيروان عبد الرحمان بن حبيب بن عقبة بن نافع بامرأة قيروانية اشترطت عليه “أنه متى تسرّى عليها كان أمرها بيدها”26، ويلاحظ هنا أنّ الشرط أخذ في البداية صيغة تمليك المرأة أمر تطليق نفسها. كما نتوفّر على عقد يرجع إلى بداية القرن الثاني للهجرة – الثامن ميلادي، يخصّ زواج أبي جعفر المنصور بامرأة قيروانية.27 على أن “يرنشفيك” يورد أنّ دولة الموحّدين لم تمانع في العمل بالشرط المانع للتزوّج بثانية، مبرزا أنّ هذا الشرط قد عثر عليه ضمن عقود محفوظة بـ”الجامع الأعظم بالقيروان يرجع تاريخها إلى آخر العصر الموحّدي أو إلى عهد أبي زكرياء مؤسّس الدولة الحفصية”، مشيرا إلى أنّ بعض الشروط وردت بصيغة تمليك المرأة أمر تطليق نفسها والبعض الآخر بصيغة تمليكها أمر تطليق غيرها من النساء.28 وحتى بعد أن ساد المذهب المالكيّ واعتُبر مذهبا رسميا لإفريقية فقد تواصل العمل بالشرط التحريميّ رغم رفض المالكية لمسألة الشرط في الزواج، استنادا إلى أنّ مالكا بن أنس قد اعتبره مفسدا للعقد تماما على غرار البيع المشروط. وامتدّ العمل بالشرط المانع للتزوّج بثانية بعد اعتماد العثمانيين رسميا مذهب أبي حنيفة. وما عقود الزواج الموثقة بالدفاتر التي يعود تاريخها إلى نهاية القرن التاسع عشر والتي غطّت مجالات جغرافية مختلفة من البلاد التونسية، إلاّ دليل قاطع على ذلك، مع ملاحظة أنّ عقود الزواج المتضمّنة للشرط المانع للتزوّج بثانية الموثقة بدفاتر تغطّي أعمال الإشهاد داخل أسوار مدينة القيروان خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قد حمل جميعها صيغة تمليك المرأة أمر تطليق غيرها من النساء.

وتُعدّ مواصلة العمل بهذا الشرط، رغم تعارض المذاهب الرسمية التي تعاقبت على إفريقية وجوازه رغم رفض بعض الفقهاء العمل به، اجتهادا ميّز المسيرة الفقهية بافريقية، رغم ضمور التعويل على الاجتهاد منذ القرن السادس هجري/الثاني عشر ميلادي. كما يعتبر قبول فقهاء مذهب معيّن بأحكام مذهب آخر انعكاسا لتقليد التعايش مع الآخر رغم الاختلاف معه.29

   2. الموقع الاجتماعي وأثره في الموقف الفكري

 

     يبدو خلوص العمل بـ”الشرط القيرواني” منذ القرن الثالث للهجرة-التاسع الميلادي اجتهادا فرضه فاعلون كانوا في نفس الوقت رجال دين وعلم وسياسة وأصحاب ثروات. فقد أورد ابن عذاري أنه كان من ضمن الجند الذين اصطحبهم عقبة ابن نافع في حملته الأولى والثانية عدد هام من الصحابة والتابعين30. ثم التحقت بهم مجموعة العشرة علماء الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز. كما تواصل توافد العلماء على القيروان إلى النصف الأول من القرن الثاني وكان لاستيطانهم تأثيره في واقع ومستقبل القيروان الثقافي والعلمي، وقد مثلوا خاصّة القوم، إذ ذكرت المصادر أنّ بعضهم كان يملك ثروات طائلة. ولعلّ سلطة المال مع سلطة الحكم فضلا عن المكانة الرمزية لهؤلاء العلماء، قد سمحت بممارسة سلطة العلم من موقع التفقّه في اتجاه يخدم مصالح هذه الفئة ويحمي بنات الخاصّة. ولا نظن أنهم كانوا ليقبلوا انصهار عائلاتهم مع عائلات ذات انتماء اجتماعيّ أدنى في إطار زيجات لاحقة، ولعلّ اعتماد شرط عدم التزوّج بثانية بصيغة “الجعل التحريمي”، أحسن ضمان لعدم اختلاط العائلات الوجيهة بعائلات من العامة، حرصا على ضمان تطبيق مبدأ التكافؤ في الزواج بين المنتمين إلى أوساط الخاصّة أكثر من غيرهم.

     وهكذا نستطيع القول إنّ الموقع الاجتماعيّ للفقيه القيرواني إلى حدود نهاية القرن الثالث للهجرة، كان له دور ما في تجويز العمل بالشرط المانع لاقتران الرجل بثانية على أن يتواصل العمل بهذا الشرط على امتداد قرون، بالإضافة إلى أنه يعدّ اجتهادا فقهيا كان وراءه كما أدركنا فاعلون محوريون لعب الفقهاء دور الناطقين باسمهم والحافظين لمصالحهم في آن.

     لئن وجد العمل بالشرط المانع للتزوّج بثانية سواء بالقيروان أو وبمجال المغارب تبريره في المواقف الفقهية التي عكست المواقع الاجتماعية للفاعلين ومصالحهم الطبقية، فإنّ تفسيره يتعدّى ذلك ليمدّ جذوره في الموروث الثقافيّ السابق للفترة الإسلاميّة بإفريقية.   

     ج) الموروث الثقافيّ ودوره في تقبل مسألة الشرط

     يقينا أنّ لانتشار الإسلام ولتلاقح الحضارات دور هامّ في إعادة تملّك التصوّرات والأحكام المتّصلة بالمدارس الفقهيّة. فلئن عاد أمر انجاز حملات “الفتح” إلى عرب شبه الجزيرة العربية فإنّ تأهّلهم بأعراض جغرافية ذات محصلة حضارية وتقاليد تاريخية قديمة وماضي مديني عريق أيضا، جعلت ذهنياتهم تتفاعل وجوبا مع ماضي سكانّها الأصليين. إذ توالت على تلك الأعراض حضارات كانت لها تشريعات منظمة للعلاقات الزوجية، ومتأثّرة ومؤثّرة في الذهنية السّائدة لتلك المجتمعات. فقد نزل العرب بأرض منعت تشريعاتها تعدّد الزوجات، سواء في فترة الإمبراطورية الرومانية المتقدّمة والمتأخّرة أو خلال ما تلاها من حكم الروم البيزنطيين. وإن شهدت افريقية تقهقرا حضريا بعيْد  أزمة الإمبراطورية الرومانية وأتت غزوات الشعوب الوندالية وغيرها على ألقها الحضاريّ، فإنّ الذهنيات السّائدة لم يكن لها أن تتغيّر آليّا وبصفة جذرية من النقيض إلى النقيض، ممّا قد يفسّر قابلية أهل إفريقية للشرط المانع للتزوّج بثانية.  

     وخلاصة الأمر، إنّ “الشرط القيرواني” هو شرط مانع للتزوّج بثانية بصيغة “الجعل التحريمي”، أخذ نسبة قيروانية لرجوع العمل به إلى أيّام كانت القيروان أثنائها عاصمة إسلاميّة “يُشدّ إليها الّرّحال” من طرف طالبي العلم. وقد كان العمل بالشرط من بين الأسباب التي فرضت ثقافة تدوين عقود الزواج بافريقية. لكن ظلّ منع التزوج بثانية يحكمه طوال قرون خيار الشرط رغم تحوّله إلى عُرف منذ البدء، ولم يتمّ التنصيص على المنع قانونيا إلا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، علما أنّ أسبقية العمل به في عُرف التونسيين هي التي سهّلت إلى حدّ كبير استساغة المنع القانونيّ وتقبّله.

     والحاصل، أنّ الاجتهادات الفقهية قد تواصلت على مدى تاريخ البلاد التونسية، وهي اجتهادات تمثّل جزءا من الإبداع الفكريّ الإنسانيّ الذي استطاع أصحابه أن يفصلوا -إلى حدّ طبعا- بين ما يتعلّق بالمعتقد وما يتعلّق بالمعاملات كلّما استوجبت الضرورات أو المصالح ذلك، فاسحين لأنفسهم حيزا للعمل والاجتهاد متحرّرين من عقلية تقديس المُسلّمات والثوابت البالية.

الهوامش:

1-    قرآن، سورة النساء، الآية3.
2-   سابق (السيد)، فقه السنة، دار الفتح للإعلام العربي، القاهرة، 2000، ج2، ص34.
3-   ابن تيمية (أحمد)، مجموع فتاوى ابن تيمية، مكتبة المعارف، المغرب، 1985، ج32، ص164
4-   برنشفيك (روبار)، تاريخ افريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن15م، نقله إلى العربية حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1988، ج2، ص175 . 
5-   عبد الوهاب (حسن حسني)، بساط العقيق في حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق، مكتبة المنار، تونس، د.ت، ص40.
6-  دفتر 455، ص27، رسم بتاريخ 3ربيع الثاني 1293/ 28أفريل 1876 (أنظر الملحق).
7-   هنا نشير إلى أنه  في كل الحالات كانت المرأة تملك حق الطلاق خلعا أي أنها تًعرض على زوجها مبلغا ماليا مقابل تطليقها “تفتدي به نفسها” إن كانت كارهة له، وليس له أن يرفض وإن رفض فإن القاضي يوقع الطلاق وذلك استنادا إلى السنة إذ أن امرأة التجأت إلى النبي ليطلقها من زوجها لأنها “لا تطيقه”، فقال لها: “أتردين عليه حديقته” فقبلت، فقال النبي: “اقبل الحديقة وطلقها”: البخاري (محمد)، صحيح البخاري، منشورات دار الكتب العلمية، لبنان، ص992. و”الطلاق خلعا” يقابله اليوم في القانون التونسي “الطلاق إنشاءا” بطلب من المرأة وهو حق تتمتع به المرأة والرجل على السواء.
8-  دفتر عـ97دد، ص19، رسم بتاريخ 18 محرم 1293/14فيفري 1876
9-   أورده قاسم أحمد، أوضاع إيالة تونس العثمانية على ضوء فتاوى ابن عظوم، رسالة لنيل شهادة تعمق في البحث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس، السنة الجامعية 1982-1983، ج1، ص169.
10-   دفتر 455، ص27، رسم بتاريخ 3ربيع الثاني 1293/ 28أفريل 1876، نورده مثالا.
11-   ابن العطار، ، كتاب الوثائق والسجلات، تحقيق شالميتا وكورينطي، مجمع الموثقين المجريطي والمعهد الإسباني العربي للثقافة، مدريد، 1983، ص7. 
12-   إن في هذا دليل على أن الأعمال المنزلية لم تكن من الوظائف المناطة بعهدة المرأة داخل مؤسسة الزواج في منظور الفقه الإسلامي، ما يحسم الخلط بين دور الزوجة والخادم أو الأمة. فباطلاعنا على العقود التي اشترطت فيها الزوجة خادما، ورد الشرط في الصيغة التالية:”وقد علم أنها ليست ممن تخدم نفسها”، ولم يرد مثلا بصيغة “وقد علم أنها ليست ممن تقوم بخدمة زوجها” أو “بالخدمة المنزلية”.
13-   لم تكن تحيط بمسألة إرضاع الأم لأبنائها هالة تقديسية ولم تعتمد كمقياس للأمومة، ويؤكد هذا ما اطلعنا عليه من رسوم طلاق، إذ ينصص على أن المطلقة مستعدة لإرضاع ابنها مجانا أو أنها تطلب مقابلا لذلك. 
14-   العسقلاني، (أحمد)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الفكر، د. ت، ج9، ص218.
15-   قرآن، سورة المائدة، الآية الأولى.
16-   واستنادهم في ذلك إلى حديث نبوي “إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج”، أنظر مسلم ابن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، دار ابن حزم للطباعة والنشر، لبنان، 2002، ص588،
17-   العسقلاني، م.س…، ص217.
18-   ابن تيمية، م س…، ج32، ص164.
19-   سابق (السيد)، م س …، ج2، ص34.
20-   مسلم ابن الحجاج النيسابوري، م س…، ص1069.
21-   نفسه، ص1069-1070.
22-   ابن تيمية (أحمد)، م. س…، نفس الجزء ونفس الصفحة. وردت كلمة صداق هنا بمعنى عقد زواج وليس بمعنى مهر.
 23-  ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة ج.س. كولان وإ.ليفي بروفنال، دار الثقافة، بيروت- لبنان، 1948، ج1، ص8 -9.
24-   ابن عذاري، م. س…، ج1، ص16.
 25-  المالكي (أبو بكر عبد الله)، رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية، تحقيق بشير البكوش ومحمد العروسي المطوي، دار الغرب الإسلامي، لبنان،طبعة ثانية، 1994، ج1، ص99.
26-   الدباغ (أبو زيد عبد الرحمان)، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، تحقيق محمد المجدوب وعبد العزيز المجدوب، المكتبة العتيقة، تونس، طبعة ثانية، 1993،ج1، ص224 و225.
27-   ابن الأبار، الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، دار المعارف، القاهرة 1985 (الطبعة الثانية)، ج2، ص339-340 .
 28-  برنشفيك(روبار)، م س… ، ج2، ص175 و176 .
 29-  عيسى (لطفي)، مغرب المتصوفة الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي من القرن 10م إلى القرن 17م، ص58.  
30-  ابن عذاري، م.س،… ج1، ص20.

     

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق