الشرق الأوسط ..‏ الدولة‏ ‏في‏ ‏مواجهة‏ ‏اللا‏ ‏دولة

بات قياس‏ ‏التقدم‏ ‏لأي‏ ‏مجتمع‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏الحالة‏ ‏غير‏ ‏المسبوقة‏ ‏التي‏ ‏تمر‏ ‏بها‏ ‏المجتمعات‏ ‏البشرية‏ ‏من‏ ‏التطور ‏أمرا‏ ‏يسيرا‏، ‏ب اعتبار ‏أن‏ ‏الحضارة‏ ‏الإنسانية‏ ‏ ‏هي‏ ‏الإطار‏ ‏الأكبر‏ ‏الذي‏ ‏يحوي‏ ‏بداخله‏ ‏كل‏ ‏الثقافات، فأصبح‏ ‏هناك‏ ‏ما‏ ‏يشبه‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏الوحدة‏ ‏الثقافية‏ ‏بين‏ ‏ثقافات متنوعة ‏ حتى لو تباعدت بينها المسافات، ‏فبات‏ ‏هناك‏ ‏الكثير‏ ‏مما‏ ‏هو‏ ‏مشترك‏ ‏ويستهلك‏ ‏في‏ ‏شكل‏ ‏ثقافيّ‏ ‏بين‏ ‏هذه‏ ‏المجتمعات‏ ‏المختلفة‏، ‏مثل‏ (‏ثقافة‏ ‏استخدام‏ ‏الميديا‏، ‏بما‏ ‏تشمله‏ ‏من‏ ‏فضائيات‏، ‏وانترنت‏ … ‏الخ‏) فضلا عن التفاعلات الأخرى الموجودة في كل المجتمعات سواء في المجالات الاقتصادية مثل معاملات البنوك والمنتجات الصناعية والتى أصبحت ذات مواصفات موحّدة للاستهلاك لجميع البشر. هذا‏ ‏المناخ‏ قد ‏ ‏أفرز‏ بدوره ‏مفردات‏ ‏ثقافية‏ ‏واحدة‏ ‏تستهلك‏ ‏بشكل‏ ‏كوكبيّ‏ ‏لا‏ تخصّ‏ ‏مجتمعات‏ ‏دون‏ ‏غيرها‏ حتى مع التسليم بخصوصية ثقافتها.. ‏وهنا تكون درجة الاستفادة لأيّ مجتمع ‏متفاوتة ‏ ‏سواء في شكل بناء وتراكم أو في شكل هدم وانحدار. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنّ كل هذه التطورات أدّت إلى ‏‏عولمة‏ ‏القضايا‏، ‏حيث‏ ‏لم تعد كثير من القضايا تخص مجتمعا دون غيره مثل قضايا البيئة‏، ‏الإرهاب‏، ‏الأضرار‏ ‏النووية…

‏وفي‏ ‏ظل‏ّ ‏هذا‏ ‏المناخ‏ ‏الجديد‏، ‏الذي‏ ‏أصبح واقعا ‏ لكثير‏ ‏من‏ ‏المجتمعات ‏ ‏سواء في مدى ‏ ‏قدرتها‏ ‏علي‏ ‏التكيف‏ ‏معها‏ ‏والتأقلم‏ ‏أو‏ ‏التخبط‏ ‏والعجز‏ ‏والتدهور باتت ‏القدرة‏ ‏على‏ ‏الفرز‏ ‏بين‏ ‏مجتمعات تبنى‏ ‏وتتقدم‏ وتسير في ‏ركب‏ ‏التقدم‏ ‏وبين‏ ‏أخرى‏ ‏تهدم‏ ‏وتتخلف‏ ‏أمرا يمكن تلمسه بسهولة ‏بناء‏ ‏على‏ ‏هذا‏ ‏المعيار‏ وفي حالة تطبيقه على المجتمعات‏ ‏العربية‏ نجدها تأتي وفقا لما يحدث فيها ضمن ‏ ‏المجتمعات‏ ‏التي تتسم بسمات‏ التخلف بدلا من التقدم، والهدم بدلا من البناء‏ ‏والعجز عن التفاعل‏ ‏مع‏ ‏هذا‏ ‏الواقع‏ ‏الجديد. ‏ونتيجة‏ ‏لهذا‏ ‏التخبط‏ ‏ظهرت‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏أعراض‏ ‏هذه‏ ‏الكارثة‏ ‏تجلت‏ ‏في‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏المظاهر الدالة على ذلك.

‏ ‏أبرز‏ ‏ما يلفت ‏النظر في هذه المظاهر‏ ‏هو‏ ‏اهتزاز‏ ‏صورة‏ ‏الدولة‏ ‏الوطنية‏ ‏التي‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏المفروض‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏قاطرة‏ ‏للتقدم‏ ‏والتنمية في مجتمعاتنا، فأصبحت‏ ‏من‏ ‏الضعـف‏ ‏الذي‏ ‏يؤدي‏ ‏إلي‏ ‏التفتت ليس على مستوى مؤسسات الدولة ذاتها وإنما على مستوى‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏القيم‏ ‏المعنوية‏ ‏الثابتة والمحددة لهوية أي كيان سياسيّ‏. ‏فمهموم‏ ‏الوطن‏ ‏الواحد‏ ‏والولاء‏ ‏له‏ ناطحته مفاهيم هادمة لا وجود لها على أرض الوقع مرورا بمفاهيم مثل‏ ‏الأمة‏ ‏الواحدة‏ ‏والدولة‏ ‏الإسلامية‏، ‏إلي‏ ‏مفاهيم‏ ‏أخرى‏ ‏فئوية‏ ‏مرتبطة‏ ‏بفئات‏ ‏دينية‏ ‏وطائفية‏ ‏وعرقية‏ ‏داخل‏ ‏المجتمع‏ ‏حيث باتت‏ ‏القيم‏ ‏والمصالح‏ ‏المرتبطة‏ ‏بالجماعات‏ ‏التي‏ ‏تدافع‏ ‏عما‏ ‏تنادي‏ ‏به‏ ‏‏تأتي‏ ‏في‏ ‏مرتبة‏ ‏أولى‏ ‏على‏ ‏مصالح‏ ‏الوطن‏ ‏الواحد الذي يحتضنها ‏.‏

إن‏ ‏مفهوم‏ ‏الدولة‏ ‏الوطنية ‏هذا‏ و‏غيره‏ ‏من‏ ‏المفاهيم‏ السياسية ‏ ‏‏لم‏ ‏تأتِ ‏إلى ‏الوجود‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ثبت‏ ‏عبر‏ ‏التاريخ‏ ‏والتجارب‏ ‏المريرة‏ ‏التي‏ ‏مرت‏ ‏بها‏ ‏الشعوب‏ ‏أنه‏ ‏هو‏ ‏الوعاء‏ ‏الآمن‏ ‏الذي‏ ‏يحفظ‏ ‏الاستقرار‏ ‏والأمان‏ ‏لكافة‏ ‏فئات‏ ‏المجتمع‏. فهو يعبر عن واقع ملموس ويحقق مصالح وظائف يستشعرها المواطن داخل هذا الكيان سواء بطريق ملموس أو غير ملموس ومن هنا فقد فشلت ‏ ‏‏كل‏ ‏المفاهيم‏ ‏التي حاولت أن تحلّ محلّ الدولة الوطنية. ‏فالدولة ‏كهوية تفوق‏ ‏كل‏ّ ‏الهويات‏ ‏‏ ‏دون‏ أن تلغيها بتجسيدها قيما فوقية للهويات الفئوية الأخرى. ومن ثم كانت نجاح الدولة الوطنية في أداء وظيفتها كفيلا بأن يخلق حالة من الانسجام والتفاعل بين الهويات الأخرى تحت لوائها والعكس صحيح في حالة عجزها عن القيام بدورها كانت كفيلة بان تطلق شرارة الصراعات الاثنية والطائفية المبنية على الدين والعرق‏. والدولة التي نجحت من الدول النامية في تجربتها التنموية ارتبطت بشكل أساس في ترجمة هذه الوظيفة بفاعلية تشعر الأفراد بأنّ هويتهم الأساسية هي الوطن وليس الدين والعرق.

والسؤال لماذا عجزت الدولة الوطنية في مجتمعاتنا عن القيام بدورها ؟ ولماذا تظهر من حين لآخر الكثير من‏ ‏التحديات‏ ‏التي‏ ‏تواجه‏ ‏مفهوم‏ ‏الهوية‏ ‏الوطنية‏ ‏الواحدة‏ ‏؟ تتعدد هنا الأسباب إلا أن أبرزها يكمن في :أولا :عجز‏ ‏النخب‏ ‏الحاكمة‏ ‏عن‏ ‏إدراك وظيفة الهوية الوطنية الواحدةوقيمتها ومن ثم توظيفها التوظيف الأمثل ‏ ‏لخدمة أهداف الوطن الواحد ‏.‏

ثانيا : ‏ظهور‏ ‏ ‏متغير‏ ‏الدين‏، ‏وإقحامه‏ ‏في‏ ‏السياسة‏، ‏بطريقة‏ ‏عبر‏ ‏وطنية‏.. ‏فعند‏ ‏النظر‏ ‏إلي‏ ‏كل‏ ‏القيم‏ ‏التي‏ ‏تدعو‏ ‏إليها‏ ‏الجماعات الدينية ‏علي‏ ‏سبيل‏ ‏المثال‏‏، ‏نجدها تدعو‏ ‏إلي‏ ‏قيم‏ ‏مضادة‏ ‏ لمفهوم‏ ‏الهوية‏ ‏الوطنية‏ .. (‏الإخوان‏ ‏المسلمون‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏العربي‏ ‏والجماعات‏ ‏الإسلامية‏) والدعوة إلى الخلافة الإسلامية على سبيل المثال.‏

ثالثا: ‏المجتمعات‏ ‏العربية‏ ‏نفسها‏ ‏مهيأة‏، ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏العاملين‏ ‏السابقين‏، ‏لأن‏ ‏تتخلف ولا تتقدم، ‏لكونها‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏فيها‏ ‏عملية‏ ‏نقلة‏ ‏عقلانية‏ ‏تنتقل‏ ‏بها‏ ‏من‏ ‏مجتمعات‏ ‏تقليدية‏‏ إلي‏ ‏مجتمعات‏ ‏عصرية‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تهضم‏ ‏قيم‏ ‏العصر‏ ‏الحديث‏، ‏والنتيجة‏ ‏كانت‏ ‏هيمنة‏ الثقافة ‏التقليدية‏ ‏وتفشّي‏ ‏الوباء‏ ‏الدينيّ‏ ‏في‏ ‏جسد‏ ‏المجتمعات‏ بدلا من انتشار قيم تحثّ على التقدم وإحداث الرخاء، ‏هذا‏ ‏أدّى‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ ‏النخب‏ ‏نفسها‏ ‏استساغت‏ ‏هذه‏ ‏التدهور‏، ‏بل‏ ‏وغذته‏، ‏ليكون‏ ‏ضمانة ‏ ‏لاستمراريتها ‏فبدلا‏ ‏من‏ ‏أن تكون‏ ‏هذه‏ ‏النخب‏ ‏الحاكمة‏ ‏نخبا‏ تنموية تدفع بدولها إلى التقدم وتحقيق الرخاء‏‏، ‏باتت‏ ‏في‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏ ‏المُعيقة‏ ‏لهذا‏ ‏التقدم‏ ‏وهم‏ ‏لا يدركون أنهم‏ ‏سوف‏ ‏يكونون‏ ‏أول‏ ‏ضحايا‏ ‏هذه‏ ‏الكارثة‏. ‏فهذا‏ ‏الفشل‏ ‏للدولة‏ ‏الوطنية‏ ‏سوف‏ ‏يكون‏ ‏كفيلا‏ ‏بأن‏ ‏تتسيّد‏ ‏الأفكار‏ ‏الفئوية‏ ‏والعرقية من ‏ناحية‏ ‏والأفكار‏ ‏القومية‏ والدينية على ‏مفهوم‏ ‏الهوية‏ ‏الوطنية‏ ‏الواحدة‏ ‏فما‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏الصومال‏ ‏الدولة‏ ‏الموجودة‏ ‏جغرافيا‏ ‏وغير‏ ‏موجودة‏ ‏سياسيا‏ ‏وموزعة‏ ‏دماؤها‏ ‏بين‏ ‏قبائلها‏، ‏وما‏ ‏حدث‏ ‏ويحدث‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏الآن‏، ‏والذي‏ ‏يحدث‏ ‏في‏ ‏لبنان‏ ‏والسودان وما سوف يحدث في المستقبل ‏ ‏كلها‏ ‏ترجمة واقعية ‏ ‏لفشل‏ ‏ ‏ ‏الدولة‏ ‏الوطنية‏ ‏ التي‏ ‏عجزت‏ ‏أن‏ ‏تفهم‏ ‏دورها‏ ‏الحقيقيّ‏ ‏في‏ ‏التنمية‏ ‏والتقدم‏ ‏فكانت‏ ‏النتيجة‏ ‏أن الدولة الوطنية في هذه المنطقة دون استثناء باتت في طريقها إلى الضياع ‏.

وفي ظل هذه الوضع المنهزم للدولة الوطنية كان من السهولة أن يحدث توظيف للمصالح الخارجية لدول أخرى فأصبحت القوى الوطنية ساحة لإدارة معارك لهذه الدول عن طريق القوى السياسية الداخلية موظفة جهدها لا لتحقيق أهداف وطنية بل لتنفيذ وظائف ومصالح الإطراف الخارجية بأشكالها المختلفة فلبنان على سبيل المثال باتت قواه السياسية ذات الصبغة الطائفية موظفة لصالح أطراف دولية وإقليمية متضادة في مصالحها. وفي فلسطين لا تختلف الصورة بعدما باتت القوى السياسية ذات الشعارات الإسلامية والقومية مجندة لصالح أجندة قوى إقليمية لا وفقا لمصلحة الدولة والشعب الفلسطيني الذي تتأزم معاناته يوم بعد يوم ليس فقط من قبل إسرائيل وإنما أيضا ممّن يفترض فيهم أنهم يرعون مصالحه. ويمكن القياس على ذلك المنوال بالذي يحدث في السودان حيث أن عجز الدولة الوطنية عن القيام بوظائفها تجاه مواطنيها من تحقيق العدالة دون التمييز بين فئة وأخرى أدى إلى حدوث انتهاكات أصبحت ذريعة للتدخل الخارجيّ بأشكال مختلفة .

فهل تدرك النخبة الحاكمة أن فشل الدولة الوطنية بهذا الشكل هو مسئوليتها بالأساس إذ كان يفترض أنها تتحمل مسئولية منذ حصول هذه الدول على الاستقلال، لكنها لم تستطع حتى الآن أن تبرهن على نجاح التجربة الوطنية في تنمية أوطانها بل العكس هو الذي حدث بخلق بيئة ومناخ يعملان على تفتيت وإضعاف كيان الدولة الوطنية والغريب في الأمر أن هذه النخبة رغم الفشل تصر على الاستمرار في تخريب مجتمعاتها باستمرائها ضعف هذه الشعوب…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق