الشعراء هم ورثة الأنبياء

تتمحور الأسطورة والملحمة أيضاً في رصدها لوحدانية البطل حول بنية سردية متبدلة؛ فبينما تختبئ شخصية السارد داخل تجاويف الضمائر تعود لتظهر مرة أخرى ثم تتعدد على هيئة "الجوقة" وبذا يتخلل المتن السردي صبغة "إنشادية" سببها التكاثر الآني لشخصية السارد المخبوءة، وهذا الانتقال من الموقف الفردي في منطق السرد إلى الموقف الشعري في منطق الجوقة السردي يضفي تنوعاً لغوياً على مناخ الخطاب من جانب، ومن جانب آخر يسهم هذا الموقف الشعري في ترسيخ أبعاد وقدرة ومناقب وأخطاء شخصية البطل الملحمي أو الأسطوري.

ويستمر عبر المدى السردي ملزماً بفعل الالتصاق الأزلي برحلة البطل ومغامراته متخذاً شكلاً لغوياً متبدلاً، فحيناً يكون مفوهاً باسم الآلهة، وحيناً باسم الشعب، وفي كثير من الأحايين يستخدم نبرته الجماعية لتصويب البطل وحثه على المتابعة وأكثر من ذلك تحذيره ولومه وقت خطأه. ويشترك الموقف الشعري كسرد مستقل أيضاً؛ من طبيعته التفوق على الطبيعة الانفعالية للبطل على الرغم من تماهيه معه ذلك أن الخلاصة الانفعالية تتأتى فيما يعرف بالحوار الداخلي "مونولوج"، لكنها هنا تستنطق عبر لسان الجوقة لا على لسان البطل مما يمنحها قوة شعرية واستقلالية أدبية، لانضباط الموقف الشعري ضمن حالة المراقبة والحياد السردي، فالمونولوج الجماعي "الجوقة" المحاكي لمونولوج الفرد "البطل" يعمل عل خدمة الاستثارة الانفعالية وهو على مسافة من الفعل القائم على زمن السرد، كما يرسخ أيضاً صيغة المخاطب من خلال مخاطبته لذهنية ومشاعر الجماعة، فسرد الجوقة للموقف الشعري آنذاك محمّل بأفكار ورغبات "الرأي العام".

ولعلها طريقة فذة، ولا تخلو من ذكاء في التمثّل الجاري بين الخطاب والمخاطب وفي امتيازها الواضح عن الموقف الفردي والوحداني للبطل، أما ما هو جدير بالملاحظة يتمركز وسط مزاوجة مستترة بين وحدانية الرأي وأكثرية العام مما قد يدفعنا إلى الاعتقاد بتفسيرات لاشك أنها خلافية مع ما ساد منذ زمن وامتد حتى الآن، ذلك أن السرد الشعري في اللغة القديمة كان معبراً عن موقف جماعي ولم يكن خاضعاً لاعتبارات الشاعر "الفردية"، بل كان يشكل استجابة لتطلعات ومتطلبات مجتمعية بحتة لا يحدوها أدنى اعتبار فردي، وإن قال القائل إن الكتابة فعل فردي سيكون هذا صحيحاً تبعاً لظروف اقتصادية عاكسة لأنماط التجمع البشري، لكن مع شاعر "الجماعة" يقوم الشعر على جوهر اجتماعي لأنه يُكتب بحسها وفهمها واستجابة لرغباتها، وهذا التماهي للشاعر مع مقدرات الغيب الذي تمثله "الجوقة" والتي ترغب بشدة في لعب دور الآلهة في المراقبة والتخفي وعودة الظهور والتعليق على أخطاء ومناقب رعاياها البشريين.

إن سلطة الجماعة على النص السردي تستبطن مدلولات لاهوتية يؤكده تعدد الآلهة وتجمعها كمجتمع سماوي؛ ومدلول الجوقة في السرد ليس إلا محاكاة تهبط من مجتمع السماء إلى مجتمع الأرض، وعطفاً على فكرة شاعر "الجماعة" يمكن استقراء التطورات الطارئة على نص السرد من خلال تغير مدلولات اللاهوت نفسها وانتقالها إلى مرحلة التوحيد (اختزال مجتمع الآلهة بإله واحد). في هذه المرحلة من تطور الوعي السياسي للآلهة لم يعد إنتاج الأبطال أمراً مرهوناً لصدفة ماجنة تجمع بين إله وإنسان وتخلف مولوداً لا هو إله ولا هو ببشر، وإنما قرار ينم عن اصطفاء حكيم لبشري ذي صفات نبوية لا تشوبها عيوب، وفي هذا الاندراج الأكثر عمقاً للإله في المخيلة البشرية تنزه عن خضوعه لحاجاته ونزواته وتفرد بفعل الحكمة ولا يجانب هذه الحكمة إلا من انتخبه الرب وحباه بالحقيقة. وعلى اختلاف الأزمنة سعت هذه النخبة وهي المفوهة بكلام الرب إلى نشر الحقيقة، وبالتالي قامت "النبوّة" بإرخاء ظلالها أولاً على شكل التمثل العقلي بإرسائها للوحدانية، وثانياً تأثيرها الجلي على المنظور الإبداعي للمحاكاة فمن شاعر"الجماعة" إلى "الشاعر"، وتلقائياً صار على المحاكاة الإبداعية أن تلائم وحدانية الخطاب (الرسالة) الإلهي وفردية الرسول.

التحلل العضوي للجوقة داخل النص السردي تولد عنه مآخذ أخرى لأشكال الصراع، أقل شرطية لكنها أكثر واقعية؛ والشيء الوحيد الذي افتقده السرد القديم هو تلك السمة من الأبهة والقداسة والتي كانت تثيرها نبرة "الجماعة"

1ـ (( تناول لوح حجر اللازورد واجهر بتلاوته،

وستجد كم عانى "جلجامش" من العناء والنصب

وفاق جميع الحكام .. إنه ذو الهيئة البهية السامية

إنه البطل سليل "أوروك" .. والثور النطّاح ..

إنه المقدم في الطليعة ..

وهو في الخلف كذلك .. ليحمي أخوته وأقرانه ..))

ملحمة جلجامش(طه باقر)

2ـ (( كانت في أويخاليا، فتاة لايثقل عنقها نير الفراش

عذراء طليعة بلا زوج أو حبيب ..

لكن كوبريس أخضعتها وأخرجتها من منزل يوروتوس

وكأنها عروس من عرائس البحر .. مسرعة

كأنها باخيه أصابها الذهول؛ وزفتها إلى ابن الكمينى

بين الدماء وأعمدة الدخان وأناشيد العرس الجنائزية

يالها من زيجة تعسة .. ))

من المسرح الإغريقي (هيبوليتوس_ يوريبيديس)

3ـ (( الملك سليمان عمل لنفسه تختاً من خشب لبنان،

عمل أعمدته من فضة ومقعده أرجواناً، ووسطه مرصعاً حباً

من بنات أورشليم، اخرجن يا بنات أورشليم وانظرن إلى الملك سليمان

بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه))

نشيد الإنشاد؛ سفر"22" التوراة ( فراس السواح)

وبالعودة إلى المفارقة التي يثيرها التباين مابين الموقف الفردي للشاعر والموقف الشعري السردي من الجماعة، تبعاً لظروف التلقي ونمط العقيدة الإيمانية في ذاك الزمان، سوف نجد أن الممارسة الدينية العلنية والتي تجمع بين الأفراد مشكلة منهم "جماعة" بسلوك منتظم وشعور متحد، ومنهم شكلت أيضاً قاعدة تلقٍ متينة لابد وأنها عكست تأثيرها المركزي على مكونات نص السرد عندما استطردت في لعبة إعادة إنتاج الحياة السابقة؛ حياة قضت وانتهت لكن يعاد بعث شخوصها وأربابها في محاكاة رمزية للزمان وللمكان وللحدث، كما اتخذت هذه "الجوقة" لنفسها مكانة خاصة ذات صبغة تعليمية وتأريخية اهتمت بشكل رئيس بالتعليق والتمييز المباشر بين الخير والشر بغرض توريث هذه العقيدة، وبذلك تكون قد فتحت باباً واسعاً لقراءات جديدة على موروث سابق ثابت؛ تمتاز بآلية التكرار المتجدد تنتج كل مرة تنويعة لغوية على عناصر ثابتة.

والأثر الذي خلفه تحلل الجوقة داخل نص السرد قد عاد بنفع كبير على مستويات الصراع البشري التقليدية؛ فبعد أن كانت لفظة "الصراع" سبيلاً في إبراز وتكثيف علاقة البشر بالآلهة؛ تعددت اتجاهاتها وصار من شأنها رصد الصراعات الجزئية بين البشر (السلطة، الأخلاق..). وبينما كان الصراع التقليدي مأخوذاً بفكرة التشبه بالآلهة، ويشكل الفحوى من المحاكاة الأدبية، صار مجرد جزء داخل نظام تصادم متشعب، بل وأكثر من ذلك هذا النوع من الصراع ذو الاتجاه العمودي خلع الزي المقدس وكفر بالتشبه مؤلفاً نفسه بعوامل قهر الإرادة الإلهية والتمعت ملامح علاقة ندية بين الخالق والمخلوق؛ العبد والمعبود، بين الله ووريثه الذي من مثله.

كل المقدمات التي سبقت: خسران الجماعة لسلطتها على نص السرد من تحولات في أنماط التجمع ومكانة اللغة؛ من خلال قربها من وبعدها عن الماورائيات، الاقتصاد وموقع المرأة.. كلها أفضت إلى بلورة مفهوم المحاكاة بطريقة يشتمل بها على الجماعة لكنه لايقوم عليها عبر تمرحل سلس ويمكن وصفه بالموضوعية التاريخية، (التوحيد، خطاب النبوة وخطاب الفلسفة، لغة خطاب العلم، التصوف). محاكاة أشمل رغم "فردانيتها" دمجت الجماعة ضمن مكوناتها وأجبرتها على أن تنتخب عنها من يتحدث باسمها، لكن في حدود النص المؤلف خارج حدود النص الثابت المقدس، حدود قامت عبر مر الزمن برسم أبعاد شخصية النص ومهام "مشخصيه"؛ فمآثر النبوة اللغوية هي ناتج أدبي أقل من النص المقدس وأكثر من الشعر، وكذلك النبي كائن أقل من الله وأكثر من الشاعر، والشاعر أقل من النبي وأكثر من الراوي…. وهكذا تتوالى هذه التراتبية التي خلقت نص الفرد على رتم محاكاة لاشك وأنها أشبعت السرد غنىً وتلوناً، بل وحتى "جنسانية" إن عدنا إلى جنسانية "التوحيد" في أصل المحاكاة لقياس المهارة والأفضلية بين الجنسين على ذات نوع السرد، وبأن مصطلح "مونولوج" ومصطلح "جوقة" هما تعبيران مزدوجان للتمييز بين ما كان يدعى سلطة الجماعة على النص؛ وبين سطوة النص على الجماعة (حتى الآن).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق