الشعر العربي بين” البيكتوغرام” و” الإيديوغرام” (اعتراض على صلاح بوسريف)

قطع صديقنا صلاح بوسريف في مقاله الأخير بـ”الأوان”:
منفى الكتابة، برأي، نقدّر أنّه يحتاج إلى قدر غير يسير من التأنّي. فقد فصل بين الكتابة والكلام وكأنّ كلاّ منهما عالم قائم بنفسه، ليخلص إلى أنّ أبا تمّام” هو أحد الشُّعَراء الذين زَاوَلُوا الكتابةَ، عكسَ المُتنبي الذي كانَ شعرُه كلاماً. في مُزاوَلَة الكتابة يَحْدُثُ الوعي بنظام اللُّغة، أو بما يَتَرَسَّبُ في تراكيبها وصُوَرها من اسْتِعَادَاتٍ، قد لا نَتَنَبَّهُ إليها ونحنُ نُزاوِلُ الكتابةَ بالكلام، أو باللِّسانِ. ثمَّة فرق كبير بين ما يأتي من الكتابةِ، وما يأتي من اللِّسان، وهذا هو الفَرْقُ بين ما كتبه أبو تمَّام، وما كتبه، أو أنشده المتنبي، وكُلُّ قياسٍ في هذا الإطار سيكونُ فاسِدا”.
 والحقّ أنّ هذا موضوع كنّا فصّلنا القول في جوانب غير قليلة منه، في المقالات التي نشرناها العام الماضي، في” الأوان ” قبل تدمير الموقع.  ونعود هنا إلى ناحية  منه، قد تجعلنا نعيد النّظر في كثير من مسلّماتنا النّقديّة مثل شفويّة الشّعر الجاهلي وأفق الكتابة القرآنيّة وبنية التّشاكل في الشّعر القديم…
يقول لوروا غوران : ” تتمتّع الرّمزيّة الخطّيّة نسبة إلى اللّغة الصّوتيّة، باستقلال مّا: فمحتواها يفصح في أبعاد الفضاء الثّلاثة، عمّا تفصح عنه اللّغة الصّوتيّة في بعد الزّمن الوحيد “، ويضيف أنّ أظهر فتوحات الكتابة تمثّل صراحة في جعل العبارة المكتوبة تتّبع، بوساطة استعمال الجهاز الخطّي، العبارة الصّوتيّة اتّّباعا مطلقا. والحقّ أنّ هذه فرضيّة ليس إلاّ، بل تعوزها الأدلّة ولا يقوم لها سند نظريّ أو أثريّ (أركيولوجي). ويعترض عليها البعض(آن ماري كريستان) على أساس أنّها تفضي إلى ذات الخلط أو اللّبس عند سائر منظّري الكتابة، فليس في تقديرهم من كتابة ممكنة دون إمكان مردود أو نجوع فوريّ مباشر؛ أي دون كلام وبمعزل عن أيّة تدابير حسابيّة مضبوطة.  وإذا كان من الثّابت أنّ المرحلة المحدّدة لنشأة الكتابة تمثّلت في تحويل “الإيديوغرام”  L’idéogramme، إلى” فونوغرامPhonogramme أي الانتقال من رمز الفكرة،أو رسم الشّيء أو الصّوت الذي يتمثّل الكلمة الدّالّة على الفكرة، إلى الكتابة الصّوتيّة الرّمزيّة التي جعلت من الكتابة نظاما مستقلاّ،فإنّ هذا النّظام هو الذي أفضى فيما بعد إلى ذيوع الكتابة الصّوتيّة وانتشارها، باعتماد الحدس والافتراض والاستنباط معا.


إنّ الكلام ملفوظا كان أو مكتوبا أداء لغويّ فرديّ موسوم بـ ” ذاتيّة ” يمكن أن نستدّل عليها في التّعبير وطرائق الصّياغة. ولكلّ من هذين النّمطين خصائصه، فالملفوظ ذو وفرة وغنى من حيث مكوّناته الصّوتيّة، إذ يتميّز بقوّة الصّوت أو مداه وبسرعته أو بطئه وبنغمه أو نبرته. وهو لا يستدعي الأسماع حسب، وإنّما ” المرئيّ أيضا ويستخدمه لتوضيح فرق أو لإبراز معنى، إذ غالبا ما تلابسه حوامل أخرى إضافيّة ليست من طبيعته مثل الإيمائيّة التّعبيريّة وحركة الذّات المتكلّمة وما إلى ذلك ممّا هو أمسّ بالإيقاع /الإنشاد. وهي سمات ممّيزة للكلام الشفهيّ قد تجلو بعض بواعثه وخفاياه. وقد تعرب عن خلجات صاحبه وبدوات نفسه. وقد تستوضح معنى وتستوفي فكرة.ولكنّها تذهب بذهاب الكلام وتنطوي بانطوائه. والكلام إنّما يكون حيث لا يكون، فهو الذي ينتمي أبدا إلى الماضي أو أنّ حقيقته في الماضي وليس في ” الحال”. فثمّة حدود يقف الكلام إزاءها مصدودا لا تسعفه حركة ولا تنجده إيماءة أو سانحة من السّوانح المرئيّة التي يترصّدها المتكلّم (المنشد) ويتذرّع بها.من ذلك سرعة عطبه وتلاشيه وهو الخاطف الزّائل، ووضعه المحكوم بحضور آنيّ مشترك: حضور صاحبه وسامعه معا،المقيّد ب “أنا ـ هنا ـ الآن” وشروطه السّمعيّة الصّوتيّة ووضعاتها(من وضعة على وزن فعلة). فهذه كلّها أمارة من أمارات عوزه وعلامة من علامات دثوره، قد تفسّر، في جانب منها، تفاوت الإنشائيّة مراتب ومنازل؛ وهي النّاحية التي استرعت غير واحد من قرّاء أبي تمّام.
من الطّبيعيّ إذن أن تتمخّض الكتابة وبخاصّة كتابة القصيد عن خسارة يصعب أن يعتاض عنها. فالكلمة المكتوبة، منظورا فيها من موقع الشفهيّة، لا تحوي خصائص ذات نظام صوتيّ ولا هي تقتضي مواكبة الحركيّ الإيمائيّ ولا المقام الحميم الماثل للعيان حيث يتسرّب المتكلّم (المنشد) في كلامه ويفتنّ في أساليب خلق التّأثير في سامعه، بما يملأ حواسّه ويفعم شعوره.
إنما هي خلو من كلّ هذه السّمات التي تكوّن ثروة الملفوظ الشفهيّ وغناه. والكتابة بهذا المعنى لا تعدو كونها إجراء يقيّد الكلام أو يثبّته، على قدر ما ينسخ وجوهه التعبيريّة ويطمسها. ولعلّ هذا ما يجعل الكلمة المكتوبة، وقد استفرغت من غناها الصّوتيّ، تنقاد بسرعة أكثر من الكلام إلى نوع من الاستعمال المتواطئ أو المشترك الذي يحافظ على المعنى نفسه في مختلف صيغه وأشكاله : فهي ـ وقد ضاعت منها خصائص الكلام الصّوتيّة أو هي تلفت لحظة الكتابةـ تتثبّت في الكلام المكرور وتترتّب في صيغ متعاودة متواترة. وربّما أمكن بناء على هذا، أن نعيد النّظر في “شفويّة ” الشّعر الجاهليّ، وأن نفسّر ظاهرة تكرير المعاني والموضوعات والصّيغ في الشّعر العربيّ قديمه ومحدثه. وكثير منه “مقولب” أو هو من معاد القول ومكروره.وربّما أعوزته الصّفات الفرديّة الممّيزة التي هي ضالّة الشّاعر.
فلعلّ هذه الظّاهرة أن ترجع إلى الكتابة،وليس إلى الشّفويّة كما دأبنا على القول؛ أي الكتابة التي نشدّد  مثل جاك غودي على أنّها يمكن أن تنشأ خارج الأمّية بالخطّ. بل إنّ في حفاوة النّقد العربيّ القديم ب”سرقات الشّعراء وما تواردوا عليه ويكاد لا يخلو مصنّف منه ومن باب قائم به ـ وهو موضوع نكاد لا نقف على أثر له في ما وصلنا من ” نقد ” جاهليّ ـ ما يؤكّد أنّ ” الاستعمال المتواطئ” هو إحدى سمات الكلمة المكتوبة أيضا. ولعلّ هذا ما جعل كثيرا أو قليلا من شعراء العربية وقد أدركوا ـ منذ أن أنشد عنترة”هل غادر الشّعراء من متردّم “ـ أنّ ظاهرة تكرير المعاني كما هي، ممّا يجافي خاصّة الشّعر ويذود عنه جوهره. ومن ثمّ صرفت طائفة منهم همّها حينا إلى تكثيف ” المعنى على المعنى ” أو ما يمكن أن نسمّيه ” المعنى المكنّى ” الذي يتأدّى على أساس من معنى سابق يحتال له الشاعر أو يحتال عليه، بشتّى أساليب القول وأفانينه. وربّما صرفته آنا إلى”المعنى غير المسمّى” أو الذي تتعذّر تسميته، أو ما يمكن أن نسمّيه “اللاّمتصوّر” أو  “المعنى الإحالي”. وربّما صرفته إلى المعنيين معا كما هو الشأن في شعر أبي تمام والمتنبّي، حيث يتسنّى أن نقف على ” نسبيّة السّلطة” سلطة الكلمة المكتوبة أو على ” سلطة النسبي” فيها، أي الكلمة التي هي همّ الكتابة وقلقها الأشدّ،. فالكلمة المكتوبة هي بحكم “مقامها التّلفظيّ” من الكلام الذي لا تستجاب دعوته في الحال، ومصيرها غامض مجهول وأثرها موقوف أبدا على المرسل إليه الذي يمكن أن يردّ عليها قيمتها الكلاميّة أو أن “يحيّنها” في وضع خاصّ به وبمواقيت قراءته ومواقعها.هي أشبه بصرخة مكتومة في بياض الورقة إذ لا تستثير تلك الاستجابة الآنيّة التي يستشيرها الشفهيّ السّماعيّ. إنّما هي تحدّ كلمة لاحقة بها وأخرى لاحقة عليها وتجعل الكلام (النّصّ) آخذا بعضه بعضا.وغالبا ما تكون قيمتها من حيث التّبادل تواطئيّة تفكّرية تأمّلية إذ يعوزها الصّوت أو الكلمة النّقيض التي من شأنها أن تؤثّر في التلفّظ أو القول. فهي”هبة “ذات معنى واحد وحيد، و”خسارة لغوية”و”قربان” و”محرقة”. بل هي تخلّ وهجران وخذلان إذ تهجر عالم الكلام ” الحيّ” لتتأبّد في الكلام ” الميّت”.والكتابة بهذا المعنى مزق وصدع وجرح. ولعلّ الجذر (ك.ل.م) أن يؤكّد هذه المظاهر اللافتة فيها.ونحن كثيرا ما تستوقفنا في الخطاب ندوبها وآثار جروحها الباقية التي لا تندمل.

السّؤال هو: لم لمْ يفطن القدامى إلى هذا التحوّل إلاّ مع أبي تمّام ؟ ألأنّ المحدث كان في بداياته مع بشّار ومسلم وأبي نواس…حيث ظلّّّ النصّ في جانب كبير منه، نسجا على منوال؟ والمصطلح المأثور” النّسج” إنّما يجسّد لحمة الجماعة القوليّة ومتخيّلها الثــّقافيّ القائم على ثنائيّة النّظر والكلمة  بمقتضى قياس مقيّد في اللـّغة حيث كلمة “نسج” أو “غزل” على وشيجة بالقول أو بالكلام، أم لأنّهم لم يتصوّروا أنّ هذا المحدث يمكن أن يضع الشّعر السّابق عليه في موضع الشّبهة أو أن ينقض غزله من بعد قوّة أنكاثا؛ حتّى إذا وفد أبو تمّام على الشـّعر، اتّسعت الفجوة بين القديم والمحدث ، أو بين طريقة العرب و طريقة المولّدين؟ولم يكن بوسع النّـقد القائم على نظريّة العمود أن يسدّها. وهي فجوة تخصّ الذات الشّاعرة وتشظـّيها أيضا انطلاقا من تجربتها اللـّغويّة الخاصّة، أكثر منها ” أنا” الشّاعر، حتّى ليمكن القول إنّها ذات لا مكان لها ولا لحم Topos على نحو ما تدلّ عليها لغة أبي تمّام المتحدّرة من سجلاّت لغويّة متنافرة. وكأنّ الشّعر/ الشّعر لديه لا يحدّ إلاّ بهذه التّعدّديّة اللـّغويّة وفيها، حيث يجاور الغريب المأنوس، والعاميّ الفصيح، والكتابي الشّفهي كما هو الشأن عند المتنبّي؛ وتنشأ اللـّغة ـ الشّعر من علاقة شدّ وجذب متبادلة بين هذه السّجلاّت جميعها. وفي هذا ما يعزّز المصادرة التي نأخذ بها، فنحن نطمئنّ إلى أنّه ليس ثمّة شعر وإنّما قصائد متنوّعة لا تصدر عن مبدأ أعلى، أو أصل واحد هو ما درجنا على تسميته” الشّعر”، لسبب قد لا يخفى وهو أنّ الشّعر من حيث هو مفهوم أو فنّ بصيغة المفرد، لاحق على القصيدة. وهو لاشكّ مفهوم رجراج يتظافر في صياغته، مجموع القصائد على اختلافها، ولكن دون أن يكون بميسوره امتصاص اختلافها أو تباينها.
  
إنّ الشّعر العربي بنمطيه القديم والمحدث، يقدّم لنا مظهرين مختلفين للكتابة:
أوّلهما يرجع إلى النصّ الأنموذج من حيث هو نصّ قابل للكتابة إذ ينهض على تصوّر لكتابة متجرّدة من كلّ جسمانيّة سواء أكانت أيقونيّة أم قوليّة كلـّما قامت في خيال السّّامع ” صورة أو صور ينفعل لتخيّلها وتصوّرها، أو تصوّر شيء آخر بها انفعالا من غير رويّة إلى جهة من الانبساط أو الانقباض”، أو ما جرت المسموعات من الأسماع ” مجرى المرئيّات من البصر” بعبارة حازم القرطاجنّي. وهو من ثمّة، أقرب ما يكون إلى ” البيكتوغرام” (التـّصويريّة)  حيث يمكن فصل الكلمة عن الصّورة، ويتحقـّق ” الاختلاق الإمكانيّ” ويكون للـ ” الحقائق” في الشّعـر، أصل في الأعيان وسند من الواقع. فلا غرابة أن قام عمود الشّعـر على ركنين لا غنى عنهما هما الإصابة في الوصف والمقاربة في التـّشبيه إذ يحتفظ “الشّيء” في هذين الأسلوبين بوضوحه وتمايزه أو بانتسابه إلى عالم الأشياء.
وما انشداد القصيدة العموديّة إلى ” المرئيّ ” حيث الكلمة لا تحجب على الشّيء، بل تجلوه وتفصح عنه، إلاّ دلالة على ماديّة الصّورة من جهة، وعلى نظريّة في الإدراك من أخرى، تقوم على التمثـّل؛ أي أن ندرك هو أن نسمّي الأشياء أو نعرّفها. وهذه الأشياء أو شبحها هو ما كان “النـّقد العموديّ”ـ إن جاز أن نسمّيه هكذا ـ  ينشده في الصّورة ويظفر به أو يتهيّأ له ذلك. ولئن ندّ عنه المحدث في نماذج منه، فلأنّه لم يأخذ بالحسبان التحوّلات الخطيرة التي طرأت على ثقافة العرب المسلمين منذ بزوغ عصر التـّدوين والكتابة. وكان من أثـر ذلك أن أخذت الصّورة تتحوّل من “مسموع” إلى ” مكتوب”، ولم يعد العالم هو نفسه إذ لم يعد له نفس الفضاء. وربّما تجلـّى هذا الفضاء بصورة أوضح في علوم أخرى مثل علم الفلك وعلم الهندسة. فمن ” متخيّل العاكس” تولـّد هذان العلمان. ولعلّ اطّراد مصطلحاتهما في شعـر أبي تمّام أن يكون له أثر ما في بناء الصّورة لديه بناء عقليّا محكما.                                                                         
وأمّا ثاني المظهرين فيرجع إلى النصّ المحدث من حيث هو نصّ ” مكتوب” تعالج فيه الإشارة بمعزل عن وظيفتها الدّلاليّة التـّواضعيّة أو المرجعيّة أو التـّوصيليّة، فهي دليل لغويّ ينبتّ عن الصّورة، بالمعنى الذي استتبّ لها في نظريّة العمود، ويخون رابطة العقد بين الشّاعر- الكاتب والسّامع- القارئ. على أنّه دليل فاعل في نسيج النصّ المكتوب الأمر الذي يجعله أشبه بـ ” الإيديوغرام” ( رسم الفكرة)  فالرّمز فيه متحرّك غير ثابت؛ بحيث يصعب أن نحدّه استئناسا بمدلوله كما هو الشّأن في الكلمة التي هي تمثّل قبل كلّ شيء ، وإنّما في ظهوره المباشر الذي ينشد إحداث أثر مّا ،يمكن أن نسمّيه ” أثر الرّمز” كما هو الشّأن في ” الأيقونة” التي تتميّز بطابعها الذي يجعل منها دالاّ ،حتّى وإن كان موضوعه غير موجود؛ أي بالقدرة على استدعاء حقيقة غير متوقّعة . ولعلّ هذا أن يفسّر تغيّر قيمة المحدث  بتغيّر سياق قراءته واختلاف قرّائه. وهو ما لا نقف عليه في قراءة الشّعر الأنموذج عند القدامى، فقد أقرّوا جميعا بجودته، والمفاضلة بين الجاهليين والإسلاميين إنّما تتعلـّق بمراتب الجودة وتفاوتها من شاعر إلى آخر. ولم يتمّ الانتقال من مفهوم القارئ- المفرد إلى القارئ- الجمع إلاّ مع المحدث. ولا ينبغي أن ننسى أنّ المحدث هو الذي حفز القدامى إلى نظريّة العمود من حيث هي محاولة جادّة لاستخلاص مبادئ الشّعر العامّة على نحو ما تتجلـّى في الأعمال الشّعريّة الخاصّة، محتكمين في ذلك إلى منطق صوريّ قوامه القياس والاستدلال، ولم يكن ذلك ليتسنّى لهم إلاّ بعد أن استوعبوا صناعة الخطّ والكتابة. ولا ينبغي أن نستغرب ذلك منهم، إذ يصعب أن يعالج نصّ أدبيّ دونما سند من نظريّة أدبيّة، تماما كما يستحيل امتلاك نظريّة من دون تأسيسها على نصوص نوعيّة .
على أنّ الخصومة في المحدث لم تنشب إلاّ عندما اختلط العمود عند واضعيه وأنصاره بالرّغبة في رؤية الأعمال الخاصّة أنماطا نموذجيّة وأمثلة محضة لقانون شعريّ عامّ هو في الحقيقة من قبيل التـّصنيفات المجرّدة وعمليات التّفكير المنطقيّة الصّوريّة والتـّعريفات التي تنتمي إلى الفكر الكتابيّ. لكن من المفارقة أنّ المحدث لا يمكن أن يُقرأ ويُكتنه، في سياقه التّاريخيّ، إلاّ على ضوء عمود الشّعر. ولا غرابة أن اتّسع العمود لمذهب الصّنعة في الشّعر أو شعر المعاني  وهو الذي وضعوه” ليتميّز تليد الصّنعة من الطّريف وقديم نظام القريض من المحدث… ويعلم فرق ما بين المصنوع والمطبوع” . ولم يكن يبطن عند كلّ القدامى نفيا للتفرّد أو إنكارا للمعاني الخاصّة؛ وإنما اختلفت تطبيقاته باختلاف النقّاد والشرّاح. من ذلك أنّ الآمدي جعل ميزة امرئ القيس في المعاني المبتكرة وأنكرها على أبي تمّام. ولم يكن موقفه ليضمر تناقضا وهو الذي يقرّ بأنّ لطائف المعاني موجودة في كلّ أمّة وفي كلّ لغة؛ ولكنّه يحدّها بشروط كالسّبك الجيّد واللفظ الحسن وحسن التأتّي وقرب المأخذ .
فهذا العمود هو الذي يمكّننا- وبخاصّة من منظور خصوم المحدث- من الاقتراب أكـثـر، من نصّ أبي تمّام ومن استيعاب طابعه الاستثنائيّ. وربّما جازفنا- بسبب ذلك- بإعادة وصفه وتسميته وقيّدنا إطلاقهم في الكلام عسى أن نتميّز في ” عمود القديم” وبه ” عمود المحدث” من جهة، ونستصفي نظريّة في الشّعر من نظريّة في نقده، من أخرى.

هوامش:  
1ـانظرمثلا ما جاء في ” الاستدراك في الرّدّ على ابن الدّهّان ” لابن الأثير ،مكتبة الأنجلو المصريّة 1958 ،ص20 ” ولكن ما من شاعر مفلق ولا كاتب بليغ ولا خطيب مصقع إلاّ وله الرّديء. ومن الذي سلم أو يسلم من ذلك، وقد كانت العرب الذين أنشأوا قول الشّعر وابتدعوه، وهم أهل الفصاحة والبلاغة طبعا، من غير تعلّم، يجيدون في القليل من أشعارهم.” وانظر الآمدي، الموازنة، تحقيق السّيّد أحمد الصّقر ،القاهرة 1961 ،دار المعارف بمصر ص.35 و36  و49 والأستاذ حسين الواد، اللّغة الشّعر في ديوان أبي تمّام ، دار الجنوب للنّشر 1997، ص.7 وما بعدها.                                                                
2ـ”سرقات الشّعراء وما تواردوا عليه ” هو عنوان الكتاب المنسوب إلى ابن السّكيت(ت.243ه). ولعلّه من كتب السّرقات الأولى المبكّرة.معجم الأدباء لياقوت7/302.لسنا بصدد الحديث عن السّرق الأدبيّ، ولكنّا نشير إلى أنّ الحسّ النّقديّ لم يتنبّه ـ على ما يبدو ـ إلى هذه الظّاهرة، رغم ارتباطها بالغزو البدويّ، إلاّ في سياق الخصومة بين جرير والفرزدق (النّقائض)، ومع بدايات التّدوين.
3-charles S.Pierce ,Ecrits sur le signe ،p.139 et 150                                                                                
• 4-Christin ,Anne Marie,L’image écrite ou la déraison graphique,Flammarion –, Paris1995


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This