الشغف والحماسة عنصران أساسيان لبناء المواطنة / مهى يحيى

من التقرير الوطني للتنمية البشرية 2008 ـ 2009

يمثِّل لبنان في الوقت الراهن مفارقةً، فهو يفخر من ناحية بكونه مجتمعاً حيوياً متعدِّد الثقافات، وبامتلاك قطاع خاصٍّ ناشطٍ ونظام سياسيٍّ ليبراليٍّ وديموقراطي؛ وهو، من ناحية أخرى، مُبتلَى على امتداد العقود الثلاثة الماضية بحروب أهليَّة وخارجيَّة واحتلالات عسكرية وغموضٍ سياسيٍّ حاد. وقد تضافر المواطنون اللبنانيون لتحقيق تغيير سياسي كبير عبر طرق سلمية نسبياً. ورغم ذلك شهدت البلاد أيضاً انقسامات وأحقاداً طائفيَّة، الأمر الذي تجسَّد في اشتباكاتِ متكررة في شوارع بيروت وفي أنحاء أخرى من لبنان، فأدّى ذلك إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى، فضلاً عن إغلاق العاصمة بيروت لأسبوع واحد خلال شهر أيار (مايو) 2008، ما دفع بالبلاد الى شفير حرب أهلية جديدة.

ولا يمكن تفسير هذه العناصر المتناقضة باعتبارها أعراضاً للتدخُّلات الخارجية أو كونها عيوباً تشوب قيم المواطنين المدنيَّة؛ بل يجب اعتبارها نتيجة مجموعة من العوامل السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة المتقاطعة المرتبطة على نحو مباشر بوضع مؤسسات لبنان الديموقراطيَّة ونظامه. كما أنها تتجذَّر في الطرق التي يحدِّد المواطنون اللبنانيون من خلالها لبنانيتهم، وفي رؤيتهم لدور أمّتهم ودولتهم في السياقين الإقليمي والعالمي. ويسعى تقرير «نحو دولة المواطن» وهو رابع «تقرير وطني للتنمية البشرية» يصدره لبنان منذ عام 1996- الى تحليل بعض هذه القضايا من ثلاث وجهات نظر مختلفة سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

يحاول تقرير التنمية البشريَّة للبنان 2008-2009 نحو دولة المواطن الذي كُتب خلال السنوات الثلاث الماضية في غمرة الاضطرابات السياسية والعسكرية، تبيان العناصر الرئيسيَّة التي تشكِّل مُجمل عوامل التوافق والاختلاف حيال ما يجعل هذا البلد يعمل ويسير. فهو يمثِّل محاولة أولى لاكتناه جوهر مسألتَي المُوَاطَنة والهويّة وارتباطهما الأوسع بعمليات الحكم وصنع السياسة. كما يفتح حواراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً يتمحور حول مسألتي العدالة والمساواة لاستكشاف أثرهما في تنمية البلاد. وتقوم الفكرة على التخطيط المستقبلي لاستراتيجيات إصلاحية ممكنة التطبيق تستند إلى تحليل موثوق لمكوّنات النظام بعيداً عن المؤثِّرات السياسيَّة. وفي هذا السياق ، قد يسهم التقرير في إعادة إنعاش الحياة السياسيَّة والمناقشات المتعلقة بالهويَّة وتوجيهها نحو أسس أكثر مدنيَّةً وديمقراطيَّة. والأمل المنشود هو إرساء نهج للتحرّك نحو انماء وسلام دائمَين مستندَين الى قيم العدالة والمساواة.

إنَّ الفرضية الأساسية لهذا التقرير هي أنَّ المُوَاطَنة أساس الديموقراطيَّة، وأنَّ الممارسات الديموقراطيَّة لا يمكن أن تُحَدَّد بالبُعد الإجرائي وحده بالرغم من أهميَّته؛ وأنَّ اهتمامات المُوَاطَنة الفعَّالة لا تقتصر على الاقتراع الحّر وحسب، بل تشمل أيضاً صياغة العلاقات بين المواطنين والدولة، وكذلك في ما بين المواطنين أنفسهم. إنَّ تنمية مثل هذه العلاقات عملية متواصلة، وهي مرتبطة بصورة وثيقة بجوانب مختلفة من البُنى المجتمعيَّة. وهكذا ينظر التقرير إلى المُوَاطَنة من وجهتي نظر متوائمتين: 1) باعتبارها دعامة قانونيَّة تضبط التفاعل بين المواطنين والدولة، وفي ما بين المواطنين أنفسهم؛ 2) وباعتبارها تجربةً أو ممارسةً مَعِيشَة. وفيما تتحكّم الدولة بالاعتبار الأول، يتأثَّر الإعتبار الثاني بالمعايير الاجتماعيَّة والثقافيَّة والدينيَّة السائدة في لبنان.

في هذا الصدد، يسعى تقرير نحو دولة المواطن إلى توضيح الآليات المختلفة التي تحدِّد المُوَاطَنة والممارسات الديموقراطيَّة في لبنان، ويقترح خطّة عمل للانتقال إلى دولة المواطن. وكما يقول تقرير التنمية البشريَّة 2002، فإن الديموقراطية ليست قيِّمة في حدِّ ذاتها فحسب، بل هي، مرتبطة أيضاً بالتنمية البشريَّة. علاوةً على ذلك، يؤسِّس «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» ـ المتبنَّى في عام 1948ـ مفهوماً واسعاً للمُوَاطَنة ينطوي على الحقوق السياسيَّة والمدنيَّة والاجتماعيَّة. وبالنسبة إلى «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، يمثِّل الحكم الديمقراطي شرطاً رئيسيَّاً للتنمية البشريَّة، ذلك أنه لا يمكن توفير الشروط لتكافؤ أكبر وخيارات أوسع للناس إلا من خلال السياسة وليس عبر الاقتصاد فقط. وتتشابك في هذا السياق الحقوق السياسية بالديموقراطية تشابكاً لا فكاك منه، وترتبط الحقوق الاجتماعيَّة بالتنمية البشريَّة والحقوق المدنيَّة بحقوق الإنسان؛ وهذه كلها تسهِّل بدورها ممارسة المُوَاطَنة وتعزِّزها.

ومن وجهة النظر هذه، يمثل هذا التقرير دعوة الى أصحاب القرار وصانعي السياسة وأهل الفكر وأفراد المجتمع المدني للإقرار بأن المواطنة هي سلاح أساسي، لا في الصراع ضد اللامساواة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة فحسب، بل في محاولة توسيع مفهوم السياسة ذاتها. وهنا، من المهمِّ الإشارة إلى أنَّ السياسة لا تعني ما يقوم به السَّاسة فقط، بل تعني الخيارات التي يتّخذها المواطنون عندما يقرّرون الانخراط في الشؤون العامَّة. علاوةً على ذلك، ومن هذا المنطلق يسعى تقرير «نحو دولة المواطن» الى الذهاب إلى أبعد من مقاربة المُوَاطَنة من منظور الحقوق ليؤّكد أهمِّيَّة الممارسات الاجتماعيَّة التي يمكن أن تولِّد هذه الحقوق أو تعزِّزها وتبعاً لذلك سيتقصّى التقرير بشكل متكامل كلاً من الأبعاد المختلفة الثلاثة للمواطنة: السياسية والاجتماعية والثقافية.

على الصعيد المنهجي تطلّب الوعي بمصاعب التعامل مع معضلات المواطَنة في اطار متعدّد الإثنيات ومتعدّد المذاهب مثل لبنان الذي يشهد أيضاً اضطرابات سياسية وعسكرية، اعتماد آليةٍ مرنة تستطيع التكيُّف مع الظروف المتبدِّلة بسرعة، وتتيح عملية دمج خلاّقة بين اهتمامات المواطن وسلوكاته على نحو يتخطَّى معايير التحليل الأكاديمي واستطلاعات الرأي والمسوح. وانسجاماً مع منهج «بورديو» (Bourdieu)، فقد اقتضت الضرورة اتباع مقاربة تسمح لنا بتسليط الضوء على التناقضات، دون أن يعني ذلك بالضرورة إيجاد حلول لها. وبتعبير آخر، لقد تطلَّب الأمر إنشاء هيكلية تحيط بمختلف جوانب المشكلة وفي كِلا الاتجاهين صعوداً وهبوطاً في آنٍ.

وتمشياً مع هذه الروح، أطلقنا مشروعَين منفصلين من شأنهما تسليط الضوء على نواحي مختلفة للمواطنة. فنظراً الى أهمية التربية في عملية تنشئة مواطنين مطّلعين، أطلق المشروع الأول وهو التربية والمواطَنة لمعرفة أين يقف شباب لبنان اليوم حيال المفاهيم الأساسية للديمقراطية والمواطَنة والتضامن الاجتماعي ومقارنة الحصيلة بالنتائج المستخلصة عن طلاب ثمانية وعشرين بلداً آخر. واستهدف المشروع الثاني، وهو مئة قصة وقصة، توثيق مبادرات مواطنية قام بها أفراد ومؤسسات في خدمة الشأن العام. واستكمل هذا العمل بملحق احصائي شامل عن وضع مؤشّرات التنمية البشرية في لبنان في محاور قطاعات كثيرة مختلفة: اجتماعية، اقتصادية، سياسية، وثقافية على نطاق وطني وعلى مستوى المحافظات حيث أمكن.

ويرى مشروع التربية والمواطَنة أن التعليم الاساسي يشمل المعارف والقيم والكفاءات التي يحتاج كل فرد الى اكتسابها ليكون مواطناً فعّالاً. وحاولت الدراسة بناءً على ذلك، تقييم مدى استعداد شباب لبنان اليوم لممارسة حقوق المواطنة وواجباتها وللعب دورهم كمواطنين فعّالين. واستندت الدراسة الى مسحٍ طال أكثر من 3000 تلميذ في الصف التاسع في مدارس رسمية وخاصة في لبنان. وركّزت على ما ينبغي أن يعرفه الشباب (14 عاماً) عن عدد من المواضيع المتعلّقة بالمؤسسات الديموقراطية، ومن بينها الانتخابات والحقوق الفردية والهويّة الوطنية والمشاركة السياسية واحترام التنوع الإثني والسياسي. وتعتبر هذه المفاهيم ذات أهمية حيوية للأنظمة الديموقراطية مثل النظام القائم في لبنان. كذلك استقصت الدراسة العوامل الاساسية لوضعهم التربوي التي تؤثر على سلوكاتهم المدنية، وتمّ مقارنتهم بطلاب آخرين في بلدان مختلفة.

ان هذه المسائل ذات دلالة خاصة بالنسبة الى مشروع جعل من المواطنة موضوعه الرئيسي. وهناك قبول واعتراف واسع لأهمية التعليم في تعزيز الممارسات الديموقراطية ورعاية الهويات المدنية. وتفيد أبحاث كثيرة من مختلف أنحاء العالم بأن للأساليب والممارسات التربوية في المدارس أثرا هائلا على القيم التي يدين بها الطلاب وعلى معارفهم وحسّهم بالمسؤوليات المدنيّة. ويستمر هذا الاهتمام الكبير بالتربية المدنية في مختلف أنحاء العالم منذ عقدين تقريبا لأسباب من بينها العولمة وازدياد التوجه نحو الديموقراطية في بلدان عديدة. غير أن أحد أعمق التبدلات التي تعتبر توجيه التربية المواطنية هو الوعي بالقيمة الذاتية لهذه التربية للاطفال كأطفال. أي أن التربية المواطنية لم تعد تعتبر مجالاً معرفياً يقتصر دوره على تهيئة الشباب لأدوارهم في المجتمع عندما يصبحون راشدين، بل أداة تساعدهم على تحسين فهم حياتهم وتفاعلاتهم في المجتمع. وما بيّنته الدراسة التي أجريت في لبنان هو أن المدارس، بدلا من تهيئة طلابها على هذا الاساس، تحولت بنسبة كبيرة الى مساحات تعكس الانقسامات العمودية التي يعانيها المجتمع اللبناني اليوم.

إنّ هذه الافكارعن المواطنة الفعالة هي واقع مئات الاشخاص الذين أدرجت قصصهم في كتاب مئة قصة وقصة، والذي يعكس شغفاً وإيماناً عميقين بقدرة الأفراد والجماعات على المساهمة ايجابياً في بناء واقعهم الاجتماعي. من الحدود الشمالية للبنان الى أقصى جنوبه يجسّد المشروع حقيقة أرض زاخرة بأفراد وجماعات يكرّسون انفسهم بكل شغف وحماس لبناء الأمل والبحث عن التغيير في بلدهم. ففي هذا الوقت الذي يعاني فيه لبنان قدراً كبيراً من الاضطراب السياسي والاجتماعي، وجدنا من المناسب تماماً ان نحاول توثيق هذا الشغف وهذا الحماس لنقول بصوتٍ جماعي عالٍ أن المواطنين ما زالوا يؤمنون بأنفسهم وبوطنهم. انّهم يحدثون فرقاً بالفعل لأنهم عندما يتكاتفون يستطيعون تغيير العالم. او على الأقل عالمهم الخاص.

إن الإقرار بهذا الدور المركزي للشغف في بناء الهويات الاجتماعية والسياسية هو أمرٌ حيويٌ أيضاً من اجل فهمٍ أوسع للديمقراطية. فالشغف هنا عنصرٌ أساسيٌ لمفهومَي المواطنة وقوة التمثيل المدني اللذين غالباً ما يشكلان محور النقاشات حول تدنّي مستوى المشاركة في العملية الديموقراطية. إلا أن فهم قوة التمثيل هذه يتطلب أن ننظر الى المواطنة لا من نواحيها القانونية فقط وإنما عبر ما يتصل بها من مدلولات ٍ وممارسات وتواصلٍ وهويات. فمن هذا المنظور يمكننا تجاوز المفاهيم المقيّدة للمجتمع المدني، والإقرار عبر هذه العملية بدور الأفراد والجماعات في احداث الفرق ايجابياً.

كذلك سيتيح لنا هذا الإقرار المضيّ أبعد من النماذج المختلفة للديمقراطية التي إما ترى أن الجهات السياسية الفاعلة تتحرك وفقاً لمصالحها في المقام الأول أو تكتفي بمجرد التركيز على دور العقل والأخلاق في العملية الديموقراطية. وبغض النظر عن الاختلافات بين وجهات النظر الفلسفية الكبرى حول المواطنة، فلها جميعاً اهتمام مشترك في حقوق المواطنة وواجباتها. ومفهوم المواطنة هنا ليس مفهوماً كليّاً مطلق القيمة، بل يحمل في طياته أجندة المشاركة الناشطة والفعّالة (في ما هو أبعد من المواسم الانتخابية). كما أن المواطنة المسؤولة مرتبطة بالقيم المدنية مثل الديموقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والتسامح والمسؤولية الاجتماعية، والتضامن والعدالة. وترتبط هذه القيم بدورها ارتباطاً مباشراً بمنظور المجتمع المدني كشكل ًمن أشكال الحياة الجماعية التعاونية التي تضم جميع الشبكات المجتمعيّة، مثل المنظمات غير الحكومية، والأحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية أو الاقتصادية والاتحادات أو النقابات العمالية، وما إلى ذلك من المجالات التي يشارك فيها الأفراد طوعاً. والفكرة من ذلك هي أن مثل هذه الأشكال من المواطنة الفعّالة أو المشاركة البنّاءة في الحياة العامة هي التي تكوّن رأس المال الاجتماعي المنتج والمجتمع القادر على المنافسة الاقتصادية، كما أنّها الموقع الذي تصاغ فيه السياسات من خلال المعارضة العقلانية والمناقشة والنزاع البعيد عن العنف.

وفي لبنان، استوعب كتاب مائة قصة وقصة احساس المواطنين العميق بالمسؤولية ازاء بعضهم البعض وتجاه مجتمعاتهم. وأظهرت القصص أيضا قيمة العمل التراكمي لدفع عجلة الديموقراطية وتحقيق المزيد منها واحداث تغيير في الواقع السياسي. وفي الوقت ذاته سلطت القصص الضوء على الانفصام الحاصل بين المواطنة الفعالة على الارض التي تحاول احداث تغيير وبين نظام حكم كاد ان يوصل البلاد الى حرب اهلية في عدة مناسبات خلال السنوات القليلة الماضية.

ان معالجة هذه القضايا في عالم اليوم وفي أوضاع كالتي عاشها لبنان خلال السنوات الثلاث الماضية ليست بالمهمة السهلة. «هل أنت من المرِّيخ؟» هو السؤال الذي أصبح اللازمةَ المفضَّلة التي تكررّ تردادها أثناء العمل في هذا المشروع. من ذا الذي يملك الوقت لمناقشة دور المواطنة والدولة في غمرة واحدة من أعتى الأزمات السياسيّة التي واجهها لبنان على الإطلاق، وفي أعقاب مسلسل اغتيالات هزَّ البلاد واستقرارها، فضلاً عن حربٍ كارثيَّة وسلسلة من النزاعات الأهليَّة المحدودة وشلل ِمؤسَّسات الدولة بصورة تدريجية. سئلنا :هل ناقش التقرير دور الدولة؟ وسئلنا أي دولة؟ نحن لا يمكننا أن نتّفق على من نريد أن يمثِّلنا، ناهيك عن الدور الذي يجب ان تقوم به الدولة. وفي هذه البيئة، يبدو تنظيم نشاط ما، صغيراً كان أم كبيراً، مهمة شاقَّة غير مرحَّبٍ بها. هل ستنفجر سيارة مفخّخة؟ أو هل سيحدث اغتيال؟ أو هل ستُعقد جلسة برلمانيَّة لانتخاب الرئيس تؤدِّي إلى إغلاق نصف المدينة ولن تولّد إلا مأزقاً سياسيَّاً آخر؟ هل سيكون هناك إضراب يتطوَّر ويتصاعد ليصبح نزاعاً؟ أو هل سيحدُث شغب وإحراق إطارات؟

انّ ما أبقى هذا المشروع مستمراً هو إيمان القيّمين عليه بأنَّ هذه اللحظة هي بالتأكيد اللحظة المناسبة للكلام عن المُوَاطَنة وعمّا يريده اللبنانيون لبلادهم. إنه الوقت الصحيح لمناقشة رؤاهم إلى مستقبلهم وكيف يستطيعون تحقيقها. إنه فعلاً الوقت المناسب للبدء في مناقشة الدور الذي يستطيع المواطنون القيام به لصياغة مستقبلهم وكيف يوجّهون طاقاتهم نحو بناء نظام أكثر ديموقراطية ومساواة. ففي عام 2005 خرج أكثر من ثلثي الشعب اللبناني إلى الشوارع للمجاهرة بما يؤمنون به، في مظاهرتين منفصلتين. ومُذَّاك، تزداد مشاعر الإحباط وخيبة الأمل لدى كثيرين منهم ينتجه استمرار ممارسة «السياسة كالعادة». وهذه «السياسة كالعادة» هي نتاج النظام القائم، والتحدِّي المماثل اليوم هو كيفيَّة إخراج المواطنين مجدَّداً من أجل شيءٍ يستطيعون أن يؤمنوا به. هل يمكننا أن نجمع الطاقات المتولّدة عن «مائة قصة وقصة» لنجعلها ألف قصة وقصة؟ ما الذي يمكننا فعله لتوظيف شغف وإيمان اللبنانيين الإيجابي ببلدهم واستنباط طُرق تسمح لهم بأن يتغلّبوا على الانقسامات التي تمزّق مجتمعهم، وربما أن يحيوا الأسطورة القائلة إن لبنان هو نموذج لحوار الثقافات وتعايشها بوئام.

إنّ هذا الإيمان بقدرة الافراد والجماعات على إحداث فرق ايجابي وتجاوز الاختلافات هو الذي سمح لهذه الرحلة بأن تنطلق. ونرجو أن يثير هذا العمل الموجود بين أيديكم نقاشاً حول رؤية اللبنانيين (أو رؤاهم) إلى بلدهم وسبل المتابعة الى الأمام. وكما قالت «مارغريت ميد «من دون ادنى شكّ، أن عدداً ضئيلاً من المواطنين الواعين والملتزمين يستطيعون تغيير العالم بأسره. وبالفعل، لم يتغيّر العالم قطّ إلاّ من خلالهم.»

[عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي صدر التقرير الوطني للتنمية البشرية حول لبنان 2008 2009، حاملاً عنوان «نحو دولة المواطن». السطور أعلاه هي التمهيد الذي قدمت به مهى يحيى ، مديرة المشروع، للكتاب الذي يحتوي دراسات التقرير واحصاءاته ونتائجه.

عن ملحق نوافذ- جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق