الشفع والوتر

لا أدري إن كان الفصل شتاء، ولكنّ الطقس كان باردا جدّا. ولا أدري إن كان الوقت ليلا أم نهارا، فالستائر الغليظة كانت مسدلة. الطقس كان باردا جدّا، لأنّ كلب الحراسة حفر في الحديقة حفرة حشر فيها جسده المترهل ثم ّ أغفى. أثاث البيت بسيط ولكنّه مرتّب بعناية. في الغرفة الصغيرة فراش لشخص واحد. الفراش بارد جدّا لأنّ الفُرش الخالية باردة دائما والفُرش الوتْر أبرد. الغرفة الصغيرة تفتح على قاعة الجلوس. في قاعة الجلوس كرسيان وحاسوب ومكتبة صغيرة ونبتة زينة ذابلة ذاوية. قد يكون صاحب البيت على سفر. على الجدارين المتقابلين صورتان معلّقتان. في الصورة الأولى رجل ينسج مروحة من سعف النّخيل. لمن ينسج المروحة في هذا الطقس البارد؟ في الصورة المقابلة امرأة جالسة على حافّة سريرها تفكّ أزرار قميصها. يبدو أنّها أحجمت. فكّت الزرّين الأوّل؟ والثاني ثمّ تمنّعت. هل كان الرّجل يسترق النّظر؟ لا أستطيع أن أجزم بشيء، فحاجباه الغليظان يغطّيان عينيه. هل كانت المرأة تسترق النظر؟ لا أستطيع أن أجزم بشيء فخصلة الشّعر الأشقر التي أهملتها على جبينها تغطّي عينيها. الطّقس كان باردا جدّا، فالكلب قد حفر الحفرة أعمق ثمّ أعمق حتّى غاب فيها. والرّجل حشر يديه في جيوبه وتكوّم على نفسه. والمرأة شدّت أزرار قميصها وأطفأت فانوس الكهرباء ثمّ أوت إلى فراشها. عمّت المكان ظلمة باردة موحشة…أشرقت شمس اليوم التّالي ونفذت إلى البيت رغم الستائر الغليظة المسدلة، فغزا المكان بِِشْرٌ لم يألفه من قبل، واستفاقت نبتة الزينة من احتضارها فأينعت ونضرت. والعصافير في الحديقة الصغيرة ملأت الفضاء تغريدا وحبورا. وكلب الحراسة العجوز خرج من حفرته أكثر نشاطا وحركة. في قاعة الجلوس صورتان معلّقتان. في الصورة الأولى مراوح صغيرة مظفورة من سعف النّخيل، مرصّفة ترصيفا محكما. ولكن أين يختفي الرّجل؟ في الصورة المقابلة امرأة جالسة على حافّة سريرها. فكّت أزرار قميصها كلّها حتّى سقط عن كتفيها دون تمنّع أو خجل. الرّجل في الفراش لم يستيقظ بعد. والطقس صار دافئا مع قليل أو كثير من خمول. الفراش لم يعد باردا. الفُرش العامرة دافئة دائما والفُرش الشّفع أدفأ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق