الشكوى العربية من إيران

  يتصاعد الحديث السلبي في كثير من مواقع الإعلام العربي، ولدى بعض النخبة السياسية والفكرية العربية ودوائر القرار العربي، على إيران.. هذه الدولة الكبيرة الجارة التي شهدت خلال القرن العشرين ثورة شعبية عارمة، وصفها كثير من محللي ومفكري الغرب بأنها من أهم ثورات الشعوب بعد الثورة الفرنسية.

وكم كان التوقع كبيراً في أن تتمكن تلك الثورة الشعبية من بناء دولة مؤسسات حقيقية لا دولة مذهبية ثيوقراطية كما هو واقعها حالياً، تعيش في الحاضر والمستقبل على بقايا أحداث وقضايا ورموز وأفكار وسلوكيات تاريخية ماضوية تشكل بحد ذاتها حالةً متنافرة وتاريخاً مستقطباً متنابذاً بصورة حادة بين تيارات ورؤى ومذاهب إسلامية أخرى، ولا تحظى بأدنى توافق أو إجماع سياسي أو تاريخي ثقافي.. فكانت هذه الدولة –بالرغم من كل الشعارات الوحدوية والمؤاخاتية التي رفعت- مصدر قلق وتهديد متزايد لدى المحيط العربي الخليجي المجاور الذي تفاجأ بهذا الحجم والكم الهائل لفكر وثقافة التبشير ومذهبة الدين وتصدير فكر وقيم ثورتها الدينية الخاصة إلى باقي أنحاء العالم عبر نشر المدارس والمعاهد والحوزات الدينية، وتعميم ثقافة الكتاب الديني الخاص (الرخيص الثمن!)، واستقبال بعثات للدراسة الدينية وغير الدينية من مختلف أنحاء العالم في جامعاتها ومعاهدها، وإنشاء جامعات متعددة في مواقع جغرافية عديدة من العالم الإسلامي، وتدريس اللغة الفارسية فيها كلغة أساسية أسوة بالعربية..وووالخ.. تماماً كما كان يفعل “التبشير” اليساري الماركسي زمن الاتحاد السوفييتي السابق الذي كانت جامعاته العلمية تجبر على تدريس مواد المادية الديالكتيكية وكتب ماركس ولينين إلى جانب المواد العلمية المقررة المعروفة..

والحديث العربي حول إيران غالباً ما يتمحور حول طبيعة هذا الدور التدخلي المتنامي لصناع القرار الإيراني في كثير من ملفات المنطقة العربية ابتداءً من الخلاف والسجال السياسي والإعلامي حول تسمية الخليج العربي، ومن ثم قضايا الصراع على تجارة النفط والغاز، ومروراً بالأزمات الداخلية لكل من العراق وسوريا، وانتهاء بلبنان وفلسطين وربما أبعد من ذلك، بحيث يعتقد المرء أن إيران –بحسب تلك القناعة أو الرؤية العربية- باتت دولة (أو شبه دولة) عظمى قادرة على التأثير وإيجاد مواطئ أقدام داخلي لها في كل ما يتصل بشؤون ومستقبل المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج بحثاً عن دور ومكانة ربما هي أكبر بكثير من حجمها وإمكاناتها ووضعها الإقليمي والدولي، وموازين القوى السائدة عالمياً.

وعلى هذا الأساس رأينا كيف بدأت هذه الدولة –التي لا شك أنها باتت تنوء تحت هموم وضغوط تحديات أزمات الداخل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعاني من تنامي معارضة ليبرالية وإسلامية متصاعدة برغم القمع والعنف العاري المستخدم بحقها- تقوم على الدوام وبين وقت وآخر بمناورات عسكرية (فضلاً عن السياسية) مكثفة عديدة، وترسل سفنها الحربية عبر المياه الدولية وصولاً إلى البحر المتوسط، وربما إلى المحيط.. ولاحقاً لاحظنا كيف قامت إيران بإطلاق حملة تهديدات مكثفة تمحورت باتجاه التركيز على قضية إغلاق مضيق هرمز، ومنع الملاحة فيه.. والإصرار على ملكيتها للجزر العربية المحتلة في الخليج (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى)، وسعيها مؤخراً لإقامة قواعد عسكرية فيها رافضة التحكيم الدولي حولها.. كذلك دعوتها المصحوبة بتهديدات جدية لدول الخليج إذا ما حاولت تعويض كميات النفط الإيراني، في حال عوقبت طهران، ومنعت من بيع نفطها لأوروبا واليابان كما هو مقترح في سلة العقوبات الدولية التي بدأت ترتسم وتلوح في الأفق القريب.

طبعاً، تراجعت إيران عن تصريحاتها النارية السابقة بخصوص إغلاق المضيق ومنع الملاحة فيه، وبلعت لسانها التهديدي، وقبلت (مرغمةً) بوجود إبحار متواصل “طبيعي تقليدي!” –كما عبر بعض قادتها- تمخر فيه عباب الخليج سفن وأساطيل وحاملات طائرات أمريكية “عدوة!”..

كما أنها بدأت جلسات تفاوض حول برنامجها النووي المزعوم الذي أض2حى مصدر قلق ومبعث ريبة حقيقية لدى المجتمع العربي والدولي خاصة في ظل إصرار القادة الإيرانيين على رفع معدلات تخصيب اليورانيوم..

والمعروف عن صانع القرار الإيراني –الذي قد يذبح الخصم بالقطنة، ويحيك سجادته على مهل وفي مدى زمني قد يصل إلى خمسين سنة- صبره وجلده و”مسكنته” السياسية الخارجية وبراغماتيته الذرائعية النفعية الشديدة (البعيدة عن منطق الأخلاق الدينية المعلنة).. وهذا ما رأيناه سابقاً في عدة لحظات سياسية إيرانية كفضيحة صفقة الأسلحة الإسرائيلية “إيران غيت”، و”إيران كونترا”، كما رأيناه في نهاية الحرب العراقية الإيرانية عندما وافق الساسة الإيرانيون على إنهاء الحرب وتجرع كأس العلقم، أو “مرارة السم”، وكذلك خلال حرب أفغانستان، وشبه تحالف إيران –غير المعلن- مع أمريكا فيها، وأيضاً خلال غزو العراق التي تحولت بعده إيران إلى اللاعب الأول على الساحة العراقية، في حين خسر العرب هذه الساحة التي كانت بمثابة العمق الاستراتيجي الحيوي الطبيعي لهم.. كما ويمكن أن نجد حالات أخرى للتدليل على هذه السياسة البراغماتية الإيرانية في كثير من مفاصل ومتعلقات السياسة الإيرانية على المستوى الداخلي أو الخارجي.

أما على الجانب الآخر فيمكن أن نلاحظ على دولنا العربية (المتعاطية مع قضاياها الخارجية ومنها القضية أو الشأن الإيراني بالذات) بأن دبلوماسياتها تعيش حالة غيبوبة شبه كاملة عن مجريات الأحداث ليس الدولية منها بل تلك المتعلقة بالداخل العربي وبملفات الإقليم المحيط والمجاور، بحيث لا تستيقظ إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس كما يقولون، لتنطلق بعد ذلك تلك الدبلوماسيات العربية على طريق مواجهة الخارج، فتظهر المسألة وكأنها غائبة عن الفعل والتأثير الجدي في الملفات والأحداث، بطريقة أقرب ما تكون فيها إلى حالة الدبلوماسية الشاكية والباكية والمتوسلة والقصيرة المدى، ضيقة الأفق، يطغى عليها طابع الذاتية والخبرة الشخصية لا المؤسساتية، بحيث تنتهي مع انتهاء ممثلها أو خبيرها..

وهذه الدبلوماسية العربية كثيراً ما تكون من دون مبادرة ولا مبادأة، تقيم وتبني سياساتها على ردود الأفعال الانفعالية، وليس على الفعل ذاته، والدليل على ذلك أن الجامعة العربية أو جامعة الدول (لا الشعوب) العربية –العريقة تاريخياً- الممثلة لهذه الدبلوماسية لم تتمكن –على وجه الإجمال- في حياتها من إيجاد أية حلول ناجعة وفعالة ومؤثرة لكثير من الملفات والتحديات المصيرية والأزمات الساخنة والصراعات العربية الخطيرة التي حدثت في دنيا العرب خلال العقود الماضية.. ومنها مثلاً أزمة احتلال الكويت في العام 1990 حيث اختلف العرب في وقتها، وتآمروا على بعضهم البعض، والنتيجة كانت أنهم لم يتفقوا على أي شيء، ولولا قيام التحالف الغربي بتحرير الكويت –بمشاركة دول عربية أخرى، منها سوريا- لبقيت محتلة من قبل نظام صدام حسين حتى هذه اللحظة.

هذا بالذات ما انطبعت به عموم السياسة الخارجية العربية في تعاطيها مع أي شأن خارجي وبالذات منه الشأن الإيراني على مدى السنوات الماضية، حيث أنه وبمجرد أن ترى دولنا العربية –خاصة الخليجية منها- لدى أية دولة أخرى مجاورة حالة نهوض سياسي ورغبة متصاعدة للقيام بدور ما بحثاً عن مصالح ومكاسب وأدوار لها هنا وهناك، تبدأ لغة الشكوى والتذمر بالتصاعد ضد أفعال وسلوكيات الآخر، إيرانياً كان هذا الآخر أم غير إيراني، بما يجعلك تستنتج أن تلك الدول تفتقد بالفعل لأية مبادرة ذاتية حقيقية قد تكون قادرة على التأثير لا التأثر بالمحيط والعالم كما قلنا.

طبعاً لا شك بأنه من حق أية دولة أن تنمو وتتطور وتمارس أدواراً في محيطها الطبيعي الجغرافي والسياسي، ولكن ليس على حساب حقوق الآخرين، أو على حساب التعرض لمصالحهم وأدوارهم أيضاً..

وربما يكون صحيحاً القول والتذكير هنا بالذات بأن شكوى بعض العرب من إيران في محلها، حيث بدأت تلك الشكوى تنمو وتكبر كثيراً في الآونة الأخيرة على خلفية التهديدات الإيرانية التي أرعبت العرب وأخافت الغرب أيضاً، وتحوُّل إيران لاعباً أساسياً وشبه وحيد على الساحة العراقية، وتدخلها في شؤون سوريا ولبنان وفلسطين، من خلال ما لها من نفوذ سياسي وحزبي ومالي وقوى وتحالفات مع تيارات وقوى إسلامية جهادية وسلفية.

طبعاً هذه الشكوى العربية الدائمة من إيران كانت هي الأداة الوحيدة التي استخدمتها الدبلوماسية العربية لمواجهة تنامي الدور الإيراني في ملفات المنطقة العربية، ومحاولة إيران ملء هذا الفراغ السياسي العربي الواضح في كل من العراق ولبنان وسوريا وحتى فلسطين.

ويمكن القول هنا بأن إيران كدولة إقليمية كبرى لها كامل الحق سياسياً –على صعيد المحافظة على مصالحها- أن تمد أذرعتها السياسية لاحتواء مناطق نفوذ جديدة تجعلها كأوراق رابحة لها في لحظة السخونة السياسية وغير السياسية.. والمشكلة هنا أن هذا الفراغ الذي خلقه العرب أو أجبروا على خلقه، يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى ساسة وحكام العرب قبل غيرهم، وليس إيران، لأن إيران بمنطق السياسة ومعايير اللعب السياسي الدولي، من حقها أن تبحث –كما قلنا- عن مواقع وأدوار ومسارح عمل لسياستها واقتصادها وقضاياها وتجارتها.. لكن ما ليس حق لها هو أن تستخدم القوة والعنف، وتسلك طرق وسبل التهديد والتحدي الدائم لتحقيق وإنجاز مطامعها ومصالحها السياسية وغير السياسية، خاصة مع وجود أقليات مذهبية في دول الخليج تحاول إيران التهديد بهم على الدوام، والتلويح بخطرهم وكأنهم مجرد ورقة تساومية بيدها من جملة أوراق أخرى.. مع أن هؤلاء –وقبل أي شيء آخر- هم مواطنون يجب أن يكونوا منتمين لتراب بلدانهم بالمعنى الوطني والطبيعي والإنساني قبل الانتماء العقيدي الديني لمذاهب أخرى.. وقد سبق لكثير من علماء مذهبهم أن دعوا هؤلاء للاندماج اللامحدود والانخراط الكامل في مجتمعاتهم الخليجية أو غير الخليجية، وعدم السير بأنفسهم في متاهات الدول الأخرى، أو الزج بمذهبهم في تحالفات وتشابكات سياسية لحظية مع هذه الدولة أو ذاك الحزب، تفادياً للخصومات والصراعات التي قد تدمر انتماءهم الديني والوطني على حد سواء..

وبالعودة زمنياً إلى الوراء يظهر لنا من خلال متابعتنا لملف تلك الأزمات ابتداءاً من حرب الخليج الأولى التي وقفت فيها دول الخليج العربي صفاً واحداً كالبنيان المرصوص مع نظام صدام حسين ضد إيران بثورتها الفتية، مروراً بأزمة ناقلات النفط وضري مصافي البلدين، وحرب الخليج الثانية، والعقوبات الدولية ضد العراق، ومن ثم غزو العراق في عام 2003 وصولاً إلى تسونامي ربيع الثورات العربية التي على ما يبدو ستهب على كثير من الدول هنا في منطقتنا بما فيها إيران الثورة الخضراء.. أقول يظهر لنا أن إيران تريد بالفعل دوراً ومكانة إقليمية طاغية ومهيمنة على دول المنطقة، ولهذا هي تشتري أحدث الأسلحة، وتنشئ المفاعلات النووية، وتتسلح بالذري وغير الذري، وتنشر صواريخها في كل مكان، وتوصل أذرعتها العسكرية لكل مناطق نفوذها، وتقوم بمناورات دائمة هنا وهناك.. ووالخ، مكررة للأسف سلوك دول بادت بعد أن عسكرت مجتمعاتها، وتناست تنميتها اقتصادياً وسياسياً، فخسرت عسكرتها، ولم تربح مدنيتها، وناءت تحت ديون وأزمات اقتصادية لم تنجو منها حتى الآن..

طبعاً، ربما تكون أيضاً مشاكل إيران الداخلية المتتالية هي السبب الكامن وراء افتعالها لأزمات إقليمية هنا وهناك من المنطقة، من باب سياسة الهروب نحو الأمام عسى ولعل تتمكن من تنفيس احتقاناتها الداخلية، أو قيامها بممارسة الضغط السياسي (وغير السياسي!) في غير موقع جغرافي تهيمن عليه، بهدف حرف النظر عن معاناتها وأزماتها الاقتصادية والسياسية الداخلية.. خاصة عند اقتراب استحقاقات انتخابية يراد من خلالها تثقيل كفة ميزان طرف سياسي داخلي على حساب آخر.

وفي مواجهة تنامي نزعات التطرف والعسكرة والشيطنة والدور التخريبي في الخليج (ولم وجمع أكبر قدر ممكن من الأوراق التفاوضية من القاعدة وغير القاعدة)، لم تعمد إيران كدولة كبرى في المنطقة للأسف –ما عدا في بعض الأوقات زمن الرئيس الإيراني السابق: محمد خاتمي- إلى اتخاذ إجراءات جدية لتخفيف حدة التوتر السائد في منطقة الخليج والمنطقة العربية عموماً، والبدء بمرحلة تعاون فعالة ومثمرة مع أبناء ودول الخليج.. كما لم تبد أيضاً –خاصة في عهد نجاد والمحافظين المتشددين- أية تراجع عن سياسة التهديد ولغة الوعيد التي هي أقرب ما تكون للغة الإنسان الكاره للقانون والنظام، وليست لغة السياسي أو رجل الدولة الناجح المهتم بشؤون ومستقبل بلده.

ومن الطبيعي أن نؤكد هنا على أن هذا المنطق والسلوك العدائي القائم بين ضفتي الخليج لن يتضاءل أو يتناقص بسبب وجود وهيمنة العقول الساخنة والمتشددة، ولهذا فهو سيتكرس ويتعمق أكثر فأكثر مع تفاقم وتباين حدة المصالح والمحاور غير المنظورة فيها، لأن صراع النفط والسياسة والدور الإقليمي بين دول الخليج وإيران كان ولا يزال هو المسير والمتحكم الرئيسي بطبيعة رسم تلك العلاقة القائمة بين دول ضفتي الخليج منذ زمن، وهذا له بالطبع بعد تاريخي حيث أنه ومنذ بدايات تفجر ثورة إيران (الإسلامية!) قام نظامها –كما أشرنا في بداية المقال- على مبدأ التبشير الديني من خلال تصدير إيران الثورة الفكرية المذهبية الإيديولوجية، وأيضاً تصدير “إيران–الأزمات” النفطية وغير النفطية (دعم حركات إسلامية وغير إسلامية لزوم التدخل والعمل وقت الحاجة واللزوم على طرفي نقيض مع المذهب الوهابي) الأمر الذي أبقى تلك العلاقة متوترة ومتناقضة وصراعية في معظم الحالات والأوقات.. ولم تنفع معها كل مؤتمرات وندوات ودعوات التقريب والأخوة والتضامن الإسلامي التي عقدت بين الطرفين أو بين ممثلي الكتلتين السنية والشيعية على مدار حوالي ثلاثة عقود.. حيث كنا نتمنى لو كانت إيران تمارس سياسة موزونة ومتوازنة كما كانت زمن محمد خاتمي الذي حاول تجفيف منابع التوتر مع الخليج والعرب عموماً، وقام بإشاعة وتعميم خطاب سياسي إيراني خارجي هادئ ومستنير ارتكز على بناء سياسة عقلانية واقعية بعيدة عن منطق الغلو والتعالي والتكابر والإنكار.. وانطلق مهتماً بشؤون بلده الداخلية بعيداً عن لغة ومنطق وأساليب التدخل في شؤون دول المنطقة.. فإيران في النهاية دولة جارة قوية يمكن أن تكون قوة مضافة حقيقية للعرب، قد تشارك في تنمية المنطقة عموماً من خلال ما يمكن أن تقدمه من إمكانات وموارد وطاقات بشرية هائلة، وليس ما تقدمه من لغة ومشاهد وقوى العسكرة والتجييش الطائفي السائدة هذه الأيام.. والتي حولت مجتمعاتنا إلى قنابل طائفية موقوتة تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار.

والعلة هنا ليست في مذهب إيران الديني ولا في هذا التنوع الطائفي أو الديني أو العرقي الكبير عندها أو عند العرب، ولكن العلة هي في هذا الاستثمار والاستخدام والاستغلال السلبي السيئ لهذا التنوع خدمة للمصالح والمآرب السياسية الآنية لهذه الدولة أو ذاك النظام.. والعلة أيضاً هي في وجود اصطفافات وتحالفات طائفية مبنية على هويات طائفية مغلقة مكرسة في الدساتير والقوانين، وفي التعابير والسلوكيات الخارجية الممثلة للسياسة الخارجية لبعض تلك الدول..

وكما قلنا يجب أن يفهم القاصي والداني أن الدول لا تمثل مذاهباً أو طوائف، وإيران كدولة جارة مسلمة ليست هي الممثلة للشيعة لا في الخليج ولا في غيره، أي أنها ليست هي دولة الشيعة، وليست هي المدافعة عن مصالح وهموم وشؤون الشيعة في العالم، وهذه حقيقة هي أهم مشكلة تعاني منها إيران، حيث أنها تعتقد –بالنظر لفائض قوتها، وحضور البعد التاريخ الباحث عن دور ما مفتقد ومرغوب بشدة- بوجود مظلة ورعاية من قبلها لكل شيعة العالم، مما يدفعها للاعتقاد –مصلحة سياسية أم اعتقاداً دينياً- بأن لها كامل الحق والمبرر الديني وغير الديني للتدخل في شؤون الدول الأخرى تحت ذرائع مختلفة، حماية الأقلية الشيعية، نشر ثقافة المقاومة، حماية حق المستضعفين.. وهي ذرائع واهية تذكرنا بتلك الحجج التي كانت كثير من الدول الغربية تستخدمها لتبرير تدخلاتها آنذاك في دولة هنا وأخرى هناك.

من هنا اعتقادنا بأن الحل لبدء انحلال وزوال سوداوية هذا المشهد السياسي الإقليمي يكمن في مزيد من الهدوء والعقلانية السياسية والعودة إلى الاهتمام بالذات وبناء الداخل، وعدم الزج بطاقات بلد كبير ومهم كإيران في دهاليز وأنفاق اللعبة السياسية بالسير على حوافها الخطرة التي قد تنفجر (أو تفجر) في أي وقت، بل وعدم رهن إمكانات وموارد الدولة في حروب خارجية مهدد بها، لن تبقي ولن تذر.. ولو أن إيران التفتت فعلياً منذ أيام الثورة الأولى لبناء داخلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما فعلت دول الخليج التي يصل دخل الفرد في أقل دولة فيها إلى أضعاف مضاعفة أكثر مما يأخذه الفرد الإيراني المفقر والمستضعف والهارب للخارج للعمل (يعمل عدد كبير من الإيرانيين كعمال وفنيين هناك في الخليج)، لما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من السوء التي وصلت إليها في إيران على المستوى الاقتصادي بالذات. ولكنها الإيديولوجيات وخطابات وعقليات الوصاية وادعاء امتلاك الحقيقة والقيمومة على الآخرين..

ولكن ما استجد عند العرب يبدو أنه سيؤثر –عاجلاً أم آجلاً- في الإيرانيين إنه تسونامي ثورات الربيع العربية، وبشائر الحرية والكرامة المستعادة والمنتقدة لدى أنظمة الوصاية..

إنها الثورات الشعبية العربية التي ستكشف أكثر فأكثر إيران من الداخل، وستضعها حتماً على طريق التغيير الشعبي لمصلحة الناس والمجتمع.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق