الشَّيخ والمُريد

{{المشايخ يدمِّرون المريدين، والمريدون يدمِّرون المشايخ.}}

–ج. كريشنامورتي

عد بعض الناس تصريحَ كريشنامورتي هذا من قبيل المزاح، بينما حارَ بعضُهم الآخر في تفسير معناه. إذ إن ثمة، بحسب المأثور عن أغلب الطرق الروحية النقلية، رباطًا وثيقًا بين المرشد الروحي الحق، الكائن الذي يستطيع أن يوقد شرارة الطاقة الروحية في سواه، وبين تلميذه – “أوثق من الرباط بين الأب المحب والابن البار”، كما يقال؛ وهذه العلاقة تُمتَحَنُ إبان سنوات طويلة يراقب الشيخ إبانها مريدَه، فإذا وجدَه مستحِقًّا، شَمَلَه بعنايته واختصَّه بعلاقة داخلية أوثق.

ماذا عسانا نستخلص من المعطيات النقلية السابقة، وقد بتنا في الآونة الأخيرة نشهد في عالمنا العربي، على غرار ما يحدث في الغرب، تسربًا سريعًا للعديد من الحركات “الروحانية”، تتراوح بين النِّحَل و”الزندقات” الأشد تعصبًا وانغلاقًا وبين التجمعات ذات المظهر الجِدي نسبيًّا، يتمحور بنيانُها التنظيمي برمَّته على شخصية المؤسِّس أو الممثل عنه أو خليفته، وتَعِدُ أتباعَها بالصحة الدائمة، بالتتلمذ على “المعلمين الحكماء”، بالنعيم المقيم، أو بـ”الوعي الصافي”، إلى آخر ما هنالك من مزاعم.

من الجلِّي أن هذه الظاهرة مرتبطة بحالة الشواش المستشرية في العالم اليوم: فالمؤسَّسات الدينية النقلية traditional لم يعد في وسعها أن تجيب عن الأسئلة التي تراود أذهان غالبية أبناء هذا الجيل وتتصادى مع قلقهم الوجودي، والقيمُ الأخلاقية يُضرَب بها عرض الحائط، والمصلحة والاستغلال والعدوانية تعيث فسادًا في كلِّ مكان، ناهيكم عن الخوف وعن تفاقُم الحاجة المَرَضية إلى الأمان.

إذا أخلصنا الفحص عن ضمائرنا، لا بدَّ لنا من الاعتراف بأن الحاجة إلى الأمان هذه هي التي تحثنا على البحث عن شيخ. لا شيء في عالمنا المعاصر، على ما يبدو، ينجو من “قانون العرض والطلب”؛ وهذه الحركات، هذه الجمعيات، هذه الجماعات المتكاثرة، المتحلِّق كلٌّ منها حول زعيم يرسم حوله رأسه هالةً من القداسة والسمو، إنْ هي إلا الاستجابة لهذه الحاجة، هي العرض المقابل لذاك الطلب؛ وهي بهذه المثابة لا تزيد عن كونها، في أغلب الأحيان، واجهاتٍ أنيقةً مغريةً لـ”دكاكين روحية” لا يعلم إلا الله ما يستتر وراءها! فمَن لا يستشعر في نفسه القدرة على مواجهة المشكلات العديدة، المادية والنفسية، التي تنهال عليه من كلِّ صوب يتشوق إلى العثور على مَن يذلِّل له مصاعبه، يأخذ بيده، ويقرر عنه الوجهة التي يجب أن تتخذها حياتُه.

إن أسلوب عيشنا برمَّته دائرٌ في فلك البحث عن الأمان هذا: الأمان المادي الذي نحسب أننا نستطيع شراءه بالمال؛ الأمان العاطفي الذي نظن أننا نستطيع إيجاده في التعلق – بالأم، بالعشيق، بالزوج، بالطفل، بالصديق، إلخ؛ والأمان “الروحي” الذي نتوهم أن بمقدور المعلِّم الروحي أن يمنحنا إياه. ولكن مثلما أن الأمان المادي الذي يوفِّره المالُ هو محض سراب، ومثلما أن أمان التعلق العاطفي هو الآخر محض وهم، كذلك فإن فكرتنا عن “الأمان الروحي” الذي يمنحه “الشيخ” المزعوم هي سراب السراب ووهم الوهم!

لماذا نطلب الشيخ إذن؟ نطلبه لأن معاناتنا من التشوش، في أحسن الأحوال، تزين لنا أن في وسع كائن نعتبره “عارفًا بالله”، “مستنيرًا”، متحررًا من الشواش، أن يساعدنا على أن نرى رؤيةً أوضح. غير أن أغلب الناس يهرعون إلى المشايخ المزعومين لأنهم يطلبون شيئًا ما: دعمًا، عزاءً، بركاتٍ، تحررًا من ضغوط المعيشة، من مشكلات عالم الأعمال، أو من الأرزاء والبلايا الناجمة عن صحة غير مستقرة. ويتوهم هؤلاء الأتباع أنهم إذا ما سدَّدوا الرسوم المالية المترتبة عليهم، إذا ما أعجبوا الشيخ وقدموا له فروض الطاعة، فهذا حسبهم لكي يتقدموا روحيًّا! إن في “عبودية” الأتباع مفسدةً للمعلِّمين لأنهم يوهمونهم بأنهم متفوقون وقادرون؛ ولأن المعلِّمين، في المقابل، يستغلون أتباعهم بمكافأتهم “روحيًّا”، فيما هم يقبلون منهم هدايا مادية عينية: ساعات ذهبية، سيارات فاخرة، منازل باذخة، طائرات خاصة، إلى ما هنالك من وسائل الرفاهية الشخصية.

أما الشيخ الحقيقي فهو لا يكترث لشيء من ذلك. فهو يحيا في عالم مختلف، ليس فيه لهذه الترضيات المادية أو النفسية من وزن أو قيمة. المشايخ الحقيقيون يقولون: “اتركوا عالمكم وتعالوا إلى عالمنا.” و”عالمهم” هذا ليس مختلفًا جغرافيًّا عن عالمنا؛ إذ ليس المريد طالب المعرفة مضطرًّا للذهاب إلى جبال الهماليا أو التيبت للعثور على مرشد روحي. إن عالم وعيهم هو المختلف لأنه عالم التحرر التام من أهواء النفس وشهواتها، عالم قوامه الوحدة والطهارة، الحكمة والمحبة؛ إنهم يطلبون من مريدهم أن يدخل عالمًا مجردًا من الطموح والطمع والحسد والقسوة وسائر النزاعات التي تمرمر الحياة البشرية.

إيَّاكم والأنبياء الكذابين، فإنهم يأتونكم في لباس النعاج، وهم في باطنهم ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم.

–يشوع بن مريم، إنجيل متى 7: 15-16

الشيخ الحقيقي لن يُذلَّك أبدًا، ولن يغرِّبك عن نفسك. سوف يعيدك دومًا إلى كمالك الأصلي ويشجعك على التنقيب في الداخل. […] أما الشيخ الذي ينصِّب نفسه شيخًا فهو مهتم بنفسه أكثر منه بمريديه.

–نِسَرگَـدَتَّـا مَهـاراج

ماذا يحدث عمليًّا في بحثنا عن الشيخ؟ نتصرف، بكلِّ أسف، محكومين برصيدنا كاملاً من القيود الذهنية والإشراطات النفسية والندوب العاطفية، فنتخيل الشيخ و”نختاره” سلفًا بحسب هذه القيود وتينك الإشراطات والندوب، بحسب شواشنا ورغبتنا في الأمان، وليس بمقتضى الصفات الحقيقية للشخص الذي نَكِلُ أمرَنا إليه. فنحن، في غالبيتنا العظمى، عاجزون عن تمييز ما إذا كان الشيخ الفلاني المزعوم كائنًا “متحققًا”، متحررًا فعلاً من أوهام الشخصية الزائلة وسلطانها القاهر، أو لم يكن كذلك. لذا فإن الكثير من الطلاب يقعون في الفخاخ التي ينصبها لهم دجالون محترفون، أشد اهتمامًا بنفوذهم وبنجاحهم الشخصي منهم بصحة أتباعهم وبخلاص هؤلاء من قيودهم وإشراطاتهم. فلا غرو، والحال هذه، أن تنتهي العلاقة مع “المعلِّم” غالبًا إلى خيبة وانكسار قلب لا يُجبَر.

كل شيخ حق فهو لا يخشى أن يمتحنه مريدوه، لا بل يطلب منهم ذلك. ولدى امتحان الشيخ، لا بدَّ للطالب من أن يتذكر أن المظاهر قد تكون خداعة وأن “ليس كل ما يبرق ذهبًا”: فكثيرًا ما تبيَّن أن أشد المعلِّمين صدقًا وإيمانًا برسالتهم في الظاهر هم أشدهم خطرًا على تلاميذهم لأنهم أكثرهم أخذًا لأنفسهم على محمل الجد، وبالتالي، أكثرهم توهُّمًا.

غير أن ثمة علاماتٍ تحذيريةً لا مناص للطالب الفطن والمخلص من أن يلتقطها، بما يسمح له بإعمال ملَكة التمييز لديه قبل أن يفوت الأوانُ ويقع الضرر. ]أما إذا لم يكن التقاط تلك العلامات بهذه السهولة عليه، فقد تفيد الإشاراتُ التالية دليلاً مساعدًا على لزوم جانب الحذر:

–تجنَّبْ شيخًا يدَّعي أن “استنارته” هي “الـ”استنارة: فالحقيقة ليست حكرًا على أحد.

–تجنَّبْ شيخًا يطالبك بقبول آرائه من غير نقد أو استيضاح أو بطاعته طاعةً عمياء، أو يُخضِعك لامتحانات “ولاء” قد تتطلب منك أن تنتهك قواعد مسلكك الأخلاقي.

–حذارِ من شيخ يعزِّز اتكالَ مريديه عليه – كأنْ يختلق مناخًا لا بدَّ فيه من الحصول على إذْن منه لاتخاذ القرارات الشخصية الهامة، أو يُشجَّع فيه الأتباعُ على التخلِّي عن أعمالهم أو علاقاتهم، إلى ما هنالك]؛ فالشيخ الحق لا يقيِّد تلاميذه بشخصه، بل يحرِّرهم منه.

–الاستنارة الروحية تسبغ على الإنسان المستنير “جاذبية” قاهرة، ما في ذلك ريب، ناهيك عن “الكرامات” التي قد يتحلَّى بها؛ لكن إياك والمشايخ الذين يشجعون قصدًا عبادة الشخصية (شخصيتهم حصرًا!).

–حذارِ من أيِّ شكل من أشكال الاستغلال، التي أشيَعُها الاستغلال المادي والجنسي (مع أن هناك أشكالاً من الاستغلال أحذق وأبشع): قد نضرب كشحًا عن المعلِّمين الذين يقبلون عطايا تلاميذهم، لكن فرض “أتاوات روحية” على التلاميذ أو “إغواء” بعض التلميذات (بواسطة التلاعب بمشاعرهم غالبًا) لا يجوز غض النظر عنه ولا بأيِّ شكل من الأشكال!

–لا تولِ ثقتك شيخًا لا يتعظ بما يعظ، متذرعًا بمقولة “صوفية” من نوع: “حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين”!

–لا تثقْ في شيخ يبالغ في أخذ نفسه على محمل الجد أو يفتقر إلى روح المرح.

غالبًا ما يتولَّى الأتباع، بالنيابة عن شيخهم، تشكيل جمعيات أو تنظيمات كثيرًا ما تنبت حول شخصه كما تنبت الفطور! ومع أنه لا يصح الحكمُ مطلقًا على شيخ من خلال سلوك مريديه وحسب، فإن في مراقبة تأثير علاقة هؤلاء بشيخهم على هذا السلوك والتدقيق في الثقافة السارية في الطريقة فائدةً جمة. حذارِ هنا من الأمور التالية:

–النخبوية الروحية: كأنْ تدَّعي الجماعةُ أن طريقتها هي “الـ”طريقة، أو أن فلسفتها الخاصة تمثل الحقيقة المطلقة، أو أن “تبشر” الآخرين بها تبشيرًا مبالَغًا فيه حتى الهوس.

–استنكار الطرق الروحية أو المدارس الدينية الأخرى أو الطعن في شيوخ آخرين.

–جو السرية والتكتم: كإمساك المعلومات عن المريدين وحَصْرها ضمن نطاق حلقة باطنية ضيقة من “المختارين”، أو تحريم النقاش في مسائل معينة والترويج لمناخ لا يجوز فيه إبداءُ الشكوك ويثبَّط فيه التفكيرُ الحر.

–التخويف: ولاسيما تهديد أفراد الجماعة ممَّن لا يسيرون على “الصراط المستقيم” (افهم: لا يطيعون شيخهم طاعة عمياء!) أو الذين غادروها بالويل والثبور.

–تكريس بنيان هرمي توزَّع فيه المراتبُ جزافًا على “المستحقين” من المريدين

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This