الصبية والفولاذ / سمير عطا الله

عشرون عاماً على وجه الضبط. كم يبدو التاريخ ثانويا، لا معنى له إلا عند دارسيه، عندما يمر عليه الوقت وينتقل من حجم التأثير الى خفوت الاثر. عشرون عاما الآن: ماذا تعني لك هذه الاسماء: ميخائيل غورباتشيوف، بوريس يلتسين، اندريه غروميكو، يوري اندروبوف، الجنرال غراتشيف؟ هل تذكر ان موسكو كانت عاصمة الاتحاد السوفياتي، وأن أوكرانيا كانت جزءا منه، وان عشق أباد كانت جزءا من مستودعه النووي؟ عشرون عاما. كان طارق عزيز لا يزال يذهب الى غورباتشيوف في الكرملين لمطالبته بتنفيذ المعاهدة العراقية – السوفياتية والوقوف مع صدام حسين في وجه التحالف الغربي. أليس هو، ميشا غورباتشيوف، الامين العام للحزب الشيوعي السوفياتي؟ لم يصدق طارق عزيز ما قرأ بين سطور الكرملين ولا ما سمع. لم يدرك ما يحاول غورباتشيوف ان يقول له. لم يفهم جميع ايماءات صديقه القديم والمستعرب الازلي، يفغيني بريماكوف: ايها الرفيق القادم من الكتب، لم يعد الاتحاد السوفياتي ممكنا، لم تعد الناس تتحمل طوابير الارز واللحم وكعوب الملفوف. لم يعد الحزب قادرا على الامساك بـ97% من شؤون الدولة. لم تعد أخبار “البرافدا” ولا افتتاحياتها مقنعة او مقبولة في العقد الاخير من القرن العشرين. ايها الرفيق طارق، دعني اناديك أبا زياد، انا اعرف انك تعرف، واعرف انك لا تجرؤ على نقل ما تعرف الى صدام حسين. ولكن يجب ان تعثر على طريقة ما. دبّر حالك. حاول ان تلف هذا النبأ ضمن قصيدة عرمرمية لها قافية طنانة. قل له، الجماعة في الاتحاد السوفياتي يستعدون لإقامة الرثاء الاخير لفلاديمير ايليتش!

عشرون عاما. سافر وزير خارجية الاتحاد السوفياتي ادوارد شيفاردنادزه الى تبيليسي من غير ان يلقي نظرة اخيرة على جثمان لينين في الكرملين. دائما الطوابير طويلة هناك، وهو على عجل. فسوف يصير رئيس جورجيا، الدولة التي خرج منها الراهب المطرود لاحقا يوسف فيساريانوفيتش ديو غاتشفيلي ستالين. ولن ينسى الرفيق ادوارد، على عادة الجورجيين المؤمنين، ان تلتقط له الصور الرسمية في الرئاسة والى جانبه ايقونة تمثل العذراء، شفيعة تيبليسي وعموم جورجيا. كأن تقول: لكل مرحلة في السياسة إلحادها او دينها.

قبل ذلك بسنوات قليلة وقفت خلف ناديا وغسان تويني على مدخل الامم المتحدة ننتظر مرور البابا يوحنا بولس الثاني. وكانت ناديا على عصا المرض وتريد بركة بابا القرن، هي الدرزية ام الارثوذكسيين. وقبل وصول البابا، الذي اندفعت صوبه ناديا كأن ثمة شفاء في اطراف ثوبه الابيض، مرّ امام الناس ادوارد شيفاردنادزه، اول وزير بعد اندريه غروميكو القابض على الخارجية منذ ستالين. وقلت للاستاذ غسان مازحا: من سيدمر السوفيات قبل الآخر، الوزير الجورجي ام البابا البولوني؟

كنت اعتقد ان المزحة مضحكة لشدة ما هي غير معقولة. سوف نكتشف بعد حين ان العملاق البولوني لعب دورا مثيرا في الانتقام لشعبه من الامبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر، ومن الامبراطورية السوفياتية في القرن التالي. وسوف يكتب المؤرخون الروس ان شيفاردنادزه كان اول من قال للزعيم الجديد في الكرملين: ميشا، هذا الشعب سوف ينفجر في اي لحظة. الاتحاد صار مستحيلا.

اعلن غورباتشيوف البيريسترويكا والغلاسنوست. نسي ان القوى الاخرى في الحزب لا تزال تحتفظ بالدبابات والمدافع. تحرك الجنرالات واعتلقوه، فلجأ بوريس يلتسين الى الناس. ذهب من بيته الصغير الى البيت الابيض (البرلمان) ونادى على الناس. جاء بضع مئات. ثم بضعة آلاف. وعندما قرر الجنرالات احتلال المبنى، كان عدد الناس في الخارج قد صار مئة الف. كانوا ينوون النزول بالمظلات، كما خطط جنرالات الجزائر للنزول في باريس قبل عشرين عاما على وجه الضبط. فلما رأوا السور البشري تراجعوا. يتدرب الجنرالات على القوة ويقعون ضحاياها.

كم هي الاسباب التي اعطيت لسقوط الاتحاد السوفياتي؟ كلفة الحروب الخارجية بالواسطة ضد الاميركيين. “حرب النجوم” التي هدد بها رونالد ريغان. تكاليف حرب افغانستان (ليس اكثر من 4 مليارات دولار سنويا). هبوط اسعار النفط الذي الحق كارثة اقتصادية. سباق التسلح. التخلف الاقتصادي حتى عن دول اوروبا الشرقية. الى آخره.

الانظمة لا تسقط من الخارج. ها هي جزيرة كاريبية صغيرة تدعى كوبا، محاصرة منذ نصف قرن بعدو أميركي جبار قبالتها مباشرة. ومع ذلك يعدّ فيديل كاسترو خلافته بنفسه، وهو لم يعد يقوى على ارتداء شيء سوى “الجوغينغ سوت”. كل المؤامرات الاميركية، ومنها الحرب في “خليج الخنازير”، لم تستطع زحزحته. كان الكاتب الفرنسي جان دانيال يحاول اقناعه بالمصالحة مع جون ف. كينيدي، عندما دخل عليهما مساعده ليبلغهما ان كينيدي قد اغتيل في التكساس. منذ ذلك الوقت واجه كاسترو تسعة رؤساء اميركيين. والآن يهيئ مع شقيقه الاصغر وحليفه في الجبال تجربة على الطريقة الصينية. ثمة من همس في اذنه ان الامر لم يعد يطاق. وربما ثمة من صارحه بأن الفقر، الذي دمر الشعب بالدعارة ايام الديكتاتور باتيستا، عاد يحيي هذه التجارة التي قامت ثورته على الغائها. الفقر مريع يا فيديليتو. طوابير الاعاشة مضنية. والتحرر من المافيا الاميركية مذهل، ولكن هل من الضروري ان يكون الثمن عشرين دولارا راتب الطبيب و15 دولارا راتب المهندس؟ هل كنت ترضى بمثل هذا الراتب للمهندس الاسباني الذي كان والدك؟ وماذا عن امك التي كانت غسالة، مثل ام ستالين، تعمل في البيوت؟ هل جئت من الجبال لكي تنشر الصواريخ النووية في وجه اميركا ام لترفع الفقر عن شعبك؟ ارقام الدعارة مريعة يا فيديل، كما يقال. ربما هذا ما يردده اعداء الثورة والذيليون والمرتّدون، الذين يحلمون بالعيش مثل البرازيليين او الهنود او مئات ملايين الرفاق في الصين. لم يعد الفقر لائقا بالبشر. لعلك قرأت ان الهند انشأت وكالة للمساعدات الخارجية. عندما كنتُ شابا، هنا في “النهار”، اترجم اخبار الوكالات، كنت دائما اعمل على الانباء الآتية من هافانا والآتية من دلهي وبومباي وكالكوتا. اخبار هافانا كانت غالبا عن موجة يومية من الاعدام بالرصاص، طبعا للخونة واعداء الثورة. واخبار الهند كانت عن مساعدات القمح والارز التي أكلتها الجرذان في الموانئ قبل ان تصل الى عشرات ملايين الفقراء.

أليس نبأ مثيرا ان تنشئ الهند وكالة مساعدات وان ترفض – منذ زمن – اي مساعدة خارجية؟ كل هذا وهي ايضا خصم قديم للاميركيين وحليفة دائمة للسوفيات ثم الروس؟ لماذا تقدمت الهند الى هذا المدى، ولم تجارها حليفتها القديمة، مصر؟ هل هو عدد السكان؟ لا. هناك مليار هندي و84 مليون مصري. هل هو النظام السياسي؟ اللامركزية؟ الحريات؟ لماذا قبل الهنود ان ترث انديرا غاندي والدها جواهر لآل نهرو ثم ان يرثها ابنها راجيف، ولم يقبل المصريون ان يرث جمال والده؟ هل تعتقد أن لحرية الاقتراع علاقة بالامر؟ هل تعتقد ان لتعدد الاحزاب دورا في هذه المسألة؟ هل تعتقد ان ارث نهرو هو الذي كاد يدفع بالهنود الى انتخاب كنته الايطالية سونيا زعيمة على البلاد؟ على شبه القارة التي طلع اليها الاسكندر، واتجه اليها كولومبوس ببوصلة حمقاء اخذته عوض ذلك الى العالم الجديد؟

لا ادري. كلما اعتقدنا اننا فهمنا التاريخ نراه شيئا لا يعني شيئا، إلا لضحاياه ومنتصريه. احتفل ميخائيل غورباتشيوف اخيرا بعيده الثمانين في قاعة ألبرت هول بلندن. لم يكن حوله احد من الروس. غمر الممثلة شارون ستون وتذكر رايسا. كان شكلها غريبا عندما اطلت الى جانبه في الكرملين شقراء وحسناء وفراء. كان الكرملين قد اعتاد صورة نينا بتروفنا خروشوفا، بفستانها النضالي وشعرها الحزبي الملفوف احيانا بالملاقط. قلب الاتحاد السوفياتي نفسه وقلب العالم ايضا. ترك هذه الارض لقوة ظلت، على رغم سقوطه، تصرف على آلة الحزب اكثر من كل الدول معا. تخلخل الميزان وشعر الكثيرون بالندم. عندما عرض غورباتشيوف البيريسترويكا كانت جميع القطارات قد فاتت: سبعون عاما من ستالين وبيريا وبريجنيف ثم هذا العرض المقتضب؟ لقد تأخر الرفيق يوري اندروبوف في تقديم تقريره الى المكتب السياسي. وخاف ان يقول نيكولاي ريجكوف، كرئيس للوزراء عام 1985، ما قاله في ما بعد: “كنا نسرق انفسنا، نأخذ ونعطي الرشى، ونكذب في التقارير والصحف والمنابر، ونعلق الاوسمة بعضنا للبعض، من فوق الى تحت ومن تحت الى فوق”. ادوارد شيفاردنادزه كان اكثر جرأة ذلك العام. تطلع في وجه زعيمه غورباتشيوف وقال: “كل شيء مهترئ. لا بد من التغيير”.

عشرون عاما الآن على انقلاب 21 آب 1991. من كان يصدق ان الدولة التي علّمت كيف يُقبض على السلطة، سوف تنهار بمجرد ان يقف بوريس يلتسين على ظهر دبابة. شجاعة الفودكا، من دون ثلج. كانت الكهرباء مقطوعة ذلك النهار في البرلمان. تلك هي الخطوة التي غيّرت كل شيء. لم نكن نصدق ما نرى. الاتحاد السوفياتي يتهاوى امام المتفرجين. كان العالم قبل عشرين عاما يخاف ان تسقط اوروبا الغربية برمتها على اعتابه: الشيوعيون يحصدون البرتغال ويغمرون ايطاليا وفرنسوا ميتران يرغم على ضمهم الى حكومته، على رغم عضوية بلاده في حلف شمال الاطلسي. وموسكو تطارد واشنطن من افغانستان الى انغولا وهنا تبحر في المتوسط الدافئ للمرة الاولى كما حلم بطرس الأكبر وكما حلمت كاترين الكبرى، فإذا القيصر الاحمر هو الذي يحقق الحلم.

عام 1985 حضرت في جنيف المؤتمر الصحافي الذي عقده ميخائيل غورباتشيوف (خلال قمته مع ريغان). اطل علينا عملاق وسيم، بطقم ازرق داكن. وعلى رغم الروسية التي لا نفهم منها شيئا، فقد ذكّرني يوم حضرت امسية شعرية لناظم حكمت، باللغة التركية. لم تكن الترجمة ضرورية. وقلت في نفسي إن الغرب بدأ يرتعد حقا. هذا الرجل سوف يجر العالم خلفه كما فعل كينيدي. لكن التاريخ لا يكتب بالخطب. وذاكرة الناس رفوف من النكران والنسيان. ومن اجل ان يتذكر رايسا، جاء الى لندن، ولفت بذراعه الضعيفة خصر شارون ستون. حكاية قرن محا نفسه غير مرة. وكتب نفسه بالحروب والدبابات والمقاتلات. ثم وقفت مجموعة من الصبية عند جدار برلين. وانتصر الهاتفون على تاريخ الفولاذ.

 

عن جريدة النهار البيروتية 17/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق