الصحافي الديبلوماسي” المصري ـ الفرنسي إيريك رولو يبعث مسائل حيوية من نصف القرن العربي المنقضي / وضاح شرارة

يكتب الصحافي الفرنسي والمصري إريك رولو، التسعيني إذا صح أنه كان في الثلاثين حين عمل في وكالة الصحافة الفرنسية في 1949، وحاور حسن البنا الاخواني الاول قبيل اغتياله في 12 شباط 1949 على ما يروي – سيرة 6 عقود 1952 – 2012، قضاها “صحافياً ديبلوماسياً” “في كواليس الشرق الادنى” (عن دار فايار، باريس، 2012)، أو الاوسط على ما جرينا، نحن أهل المشرق والمغرب “العربيين” على القول. وجمعه في تعريف نفسه وحرفته، الصحافة الى الديبلوماسية من غير اداة عطف قرينة ربما على ادراكه ان بعض أدائه عمله الصحافي حمله، قبل تعيين الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إياه سفير فرنسا الى طهران وأنقرة، على الاضطلاع بدور ديبلوماسي. وهو يسرد في فصل افتتاحي وسمه بـ”جمال عبد الناصر” – وغلاف المذكرات أو السيرة الاول هو صورة فوتوغرافية تجمع الرئيس المصري وجهاً الى وجه مع مراسل “لوموند” في حزيران 1963 حين حاور رولو جمال عبد الناصر، بينما الغلاف الرابع أو الثاني هو صورة أخرى يبدو فيها الصحافي والرئيس واقفين ومتحادثين – يسرد غير مغفل دقائق الاسماء والاوقات كيف انقلب الصحافي الفرنسي اليهودي المولد والهارب من مسقطه أداة ديبلوماسية أو سياسية خارجية.

فيومها توسل به الرئيس المصري ومحمد حسنين هيكل، مستشاره ورأس الهيئة والادراة الصحافية البارزة، ولطفي الخولي، وصْلة عبد الناصر باليسار الشيوعي المصري وجسر اليسار الثقافي الى عبد الناصر، توسلوا به الى مخاطبة الرأي العام الفرنسي والديغولي، ومن ورائه أوروبا والغرب. وهو حدس في استعماله الموارب أو إعماله هذا. ولم يفته في المحاورة نفسها أن عبد الناصر حين قال له “ضاحكاً” إنه لا يدير الظهر لأي حل سياسي وسلمي للمسألة الفلسطينية – الاسرائيلية إذا طرح عليه، أن “الريس” يحمله رسالة أو إخباراً الى رئيس وزراء الدولة العبرية، ليفي إشكول. واضطلع بنقل الرسالة غير متذمر ولا برم. ولم يربكه الامر، ولم يطلب اقالته منه. وبادر الى جلاء “مواد” العقد المضمر: لا باس بأن أكون مطيتكم الى الرأي العام الفرنسي والأوروبي، فشطر من صنيعكم أرضاه واستحسنه، ولكنني لا اسكت عن تحفظاتي الكثيرة، ولا أكتم ميولي الصريحة الى اليسار المصري. ورأى، وهو يشرح للمحتفين به الى مائدة سميراميس في القاهرة عشية نزوله المدينة، على قسمات محمد حسنين هيكل، مقدم المحتفين وصاحب الدعوة، “عبارة مبهمة” فك إبهامها بعد سنوات على اللقاء، ربما غداة حزيران 1967، وفهم أن هيكل يشاطره الرأي. وقد يكون الجزم بالرأي فيما يرى أو يعتقد محمد حسنين هيكل، وفيما لا يرى محفوفاً بالتكهن والتخمين، ورمياً في عماية فوق ما يحسب ربما “الصحافي الديبلوماسي” المجرب والبصير. وهو شديد الانتباه في رحلته المصرية الاولى، ثم في تعقبه زيارة خروتشوف، أمين عام الحزب الشيوعي السوفياتي ورأس السلطة وولي الامر الحقيقي قبل عزله، التي طالت 16 يوماً، الى مسرحة الحوارات والخطب وإخراجها، هي والكنايات والاداء الصامت والايمائي، مخرج دلالة ملتبسة ومعقدة.

تناقضات داخلية

والحق أن الشاهد الكثير الوجوه أو “الموشى”، على قول اسكندراني هلليني قديم – المصري والفرنسي، المراقب وصاحب الرأي، الثابت في الحاضر وغير المنقطع من أواصر الماضي والاهل القوية، ومحتسب الضرورة والمتمسك بمعايير لا ينزل عنها، يتعدى الشهادة البسيطة والامينة، على عسرها، الى ما هو أشد تعقيداً وأبعد أثراً في الحوادث، وفي مصائر الناس. وهو ما كانت “ماركسية” متطلبة وخطابية في آن تسميه “التناقضات الداخلية”، وتعني به الملابسات والحيثيات القاسية التي تتخبط فيها الافعال والمجتمعات، وتتربص بالناس من قبل ومن بعد، ولا مخرج ايجابياً أو مجزياً منها، على خلاف افتراض العقلانية النظرية والجدلية. ولعل تناول إيريك رولو الدقيق لمناقشات جمال عبد الناصر، وجهازه “الثقافي” أو الصحافي، وأعلام أو اقلام اليسار المصري الشيوعي والتقدمي، وهي دارت على حل اليسار هيئاته أو أطره المستقلة والتحاقه بالاجهزة الناصرية لقاء أثمان معلنة ومضمرة، لعله مثال معالجة “تناقضات داخلية” لا تعفي احداً من منازعاتها واستحالاتها ودوران ادوارها، ومآسيها في نهاية المطاف.

والراوي (الراوية)، أي “الصحافي الديبلوماسي”، ليس بمنأى مما يرويه ومن التباساته. فهو حين حل القاهرة ضيفاً (غير مدفوع الضيافة، على ما اشترطت ادارة الصحيفة الباريسية “لوموند”) على “الأهرام”، ورأس جهازها الناصري، كان جهر تأييده الانقلاب على فاروق، ومصادرة كبار ملاكي الارض على اراضيهم، وتصديع الاوليغارشيات الصناعية والمالية المحلية، وتأميم الشركات البريطانية والفرنسية الكبيرة وعلى رأسها شركة السويس للملاحة. ولم يرَ مطعناً لا في عقد علاقة طيبة بالاتحاد السوفياتي والدول “في فلكه”، ولا في مساندة جبهة التحرير الجزائرية وحزبها على السيطرة والتوطن الفرنسيين. وحمل مراقب المسرح الشرق أوسطي على “تصفية” سياسة محمد مصدق في ايران حملةً حادة. وهذا ما يذكر به الراوي اليوم من غير خشية الاختصار المضلِّل أو الاجمال الذي يمحو القسمات. وهو يجمعه في كفة، ويرمي في الكفة الثانية “تحفظاته” عن “النظام الناصري”. ومصدر التحفظ هو صفة النظام العسكرية المولود من استيلاء فريق أو تكتل من الضباط على السلطة في 23 تموز 1952. وقاده تحفظه الى تأييد اللواء محمد نجيب على العقيد (البكباشي) جمال عبد الناصر، والميل الى رغبة الاول في الترخيص القانوني للاحزاب كلها، من غير استثناء “الاخوان” والشيوعيين، وفي إحياء الحياة النيابية.

والرأي المدني والديموقراطي هذا وسطي، وأقرب الى التمني منه الى اعتبار موازين القوى والاهواء والاطماع. ورولو لا يحمل أقطاب السياسة المصرية غداة الانقلاب العسكري على ادوار “طبقية” تامة مفترضة، على خلاف الشيوعيين المصريين يومذاك، ولا يشخص وراء محمد نجيب مصالح بورجوازية وسطى في الارياف والمدن لا ترى غضاضة في حلفها مع البورجوازية الكبيرة والاقطاع، ووراء عبد الناصر مصالح بورجوازية صغيرة تبعثها قسوة أحوالها على راديكالية ثورية وما على الطليعة المحترفة إلا تغذيتها بالعلل الضرورية… وقد يقود “التحليل الطبقي” الى أحكام تخالف هذه مخالفة رأسية. أما المراقب الفرنسي المنخرط في المنازعة المصرية الداخلية والوطنية (الاهلية) فذهب الى ان حجة خصوم محمد نجيب، وهم أنصار جمال عبد الناصر، لا تخلو من قوة عملية قد ترجح كفتها: فالديموقراطية البرلمانية والحزبية السياسية التي ينشد محمد نجيب وأنصاره تحكيمها في السياسة المصرية، ويدعون اليها، لن تقود في ضوء أحوال المجتمع المصري إلا الى بعث نفوذ ممثلي رأس المال الكبير الذين يملكون، يومذاك، آلات السيطرة على السلطة ومرافقها. فلا بأس في معالجة أو “تصحيح” ديموقراطية الاوليغارشية، وتقويم حرفها تمثيل الطبقات الشعبية عن صدقه وعدالته، بنظام الحزب الواحد الذي يتربع في رأسه ومركزه قائد أو زعيم أوحد، على ما قال عبد الكريم قاسم العراقي في نفسه، ولا يكبح شهوته الى السلطة كابح أو حد، على ما لاحظ إيريك رولو على جمال عبد الناصر نفسه في معرض مديح نزاهة الرئيس المصري وتجرده وعفة كفه المادية.

ولا يهوِّن الصحافي المحقق من حدة المنازعة التي ربما قاسمه إياها أفراد قلائل من اليساريين المصريين. فيقول في قطبيها ومنزعيها إنهما على طرفي نقيض، ويسخر بعض الشيء من حسبانه يومذاك ان التمسك بإنكار مسوغات قمع الحريات العامة والحقوق الشخصية أو مصادرتها تحت أي حجة هو مبدأ أو أصل لا يجوز النزول عنه أو المساومة عليه. وهو يغلظ انكاره وتمسكه به، فيصف من غير تزويق ولا تخفيف عموم القمع والقهر والاعتقال صنوفاً عريضة من المعارضين الليبراليين والوفديين واليساريين والشيوعيين والاخوانيين، الى الطاقم الملكي والمحافظ القديم. وأودت الاستجوابات القاسية بحياة بعض المعتقلين. فقضى شيوعيان معتدلان هما شهدي عطية الشافعي (وهو من أهدى إليه أنور عبد الملك في 1962، كتابه الجامع “مصر مجتمعاًعسكرياً” بالفرنسية) وفريد حداد، “طبيب الفقراء”، تحت التعذيب. ولم يقتصر القتل على هذين، وأعطب التعذيب حياة الآلاف من المعتقلين، وخلف فيهم عاهات لم يشفوا منها.

المقايضة

وتتطرق المنازعة، أو المناقضة، الى اصول السياسة وأركانها، وإلى مبرراتها التاريخية في حال الشيوعيين واليساريين. فمقايضة عبد الناصر اطلاق سراح المعتقلين الشيوعيين في 1963 وهو خص محاورَه الصحافي بالخبر من غير تسويغ ولا مقدمات، وذلك لقاء حلهم منظماتهم المستقلة وأداء بعض البارزين منهم أدواراً إعلامية وإدارية وحزبية و”اعلانية” منظورة، لم تقتصر على صفقة اجرائية وبوليسية ممهورة بتواقيع اليساريين الاسمية تصديقاً لتنازلهم. فالمقايضة وقتت في ظرف سياسي كثير الخيوط، وقوي الحبكة: ففي 1963 كان عبد الناصر أنجز معظم التأميمات والمصادرات الصناعية والتجارية والمصرفية المالية (في “قوانين اشتراكية”)، وفرض ضريبة تصاعدية على المداخيل والعوائد بلغت 90 في المئة على أعلاها وأشدها ريعية، وقيد مرتبات كبار الموظفين الاداريين ومدراء الشركات المؤممة بسقف إسمي أوجب ألا تتعداه، وخفض القانون ساعات عمل العمال الاسبوعية الى 42 ساعة وزاد على اجورهم الجارية 25 في المئة من أرباح الشركات المؤممة وأشركهم في إدارتها ومراقبة أعمالها. وأنزل قانون الارض والاصلاح الزراعي الجديد، وهو الثالث منذ “الثورة” أو الانقلاب حد الملكية الاعلى (للفرد وليس للأسرة) الى 50 فداناً من الاراضي المروية، وحث على انشاء تعاونيات تتولى التسليف والمشورة التقنية وتيسير التوزيع…

واستبق الرئيس المصري الاجراءات أو القوانين والقرارات هذه بعقد مؤتمر الاتحاد الاشتراكي الاول، وهو المنظمة الحزبية والسياسية الثالثة، ومناقشة وثيقته “الاشتراكية العلمية” وإقرار “الميثاق”، في ربيع 1962. وسبق ما تزيا بزي مراجعة فكرية (“نظرية”) وإجرائية ادارية تقويضُ حلف سوري عريض الجمهورية العربية المتحدة، الدولة الاتحادية أو القومية الاولى في تاريخ العرب المعاصر، والانقلابُ عليها وعلى قسرها الكيانات الوطنية ودولها على بنيان سياسي عسكري وإداري واحد وأجوف. ومنيت مفاوضات الوحدة الثلاثية، بين مصر وسوريا (البعثية) والعراق (البعثي)، في ربيع 1963، بإخفاق ذريع. وهي كانت شكلية، وذريعة الى انصراف مصر الناصرية الى قضايا البناء الداخلي، بحسب رطانة الوقت. ولما كان تضامن اليسار الشيوعي المصري مع تحفظ نظيريه السوري والعراقي عن دمج المنظمات اليسارية في حزب واحد، سبباً راجحاً في اعتقال اليساريين والتنكيل فيهم، رفع الانصراف عن المخاضة القومية السبب أو الذريعة، وفتح الطريق الى الاندماج. ولم يسهم تمويل الاتحاد السوفياتي المرحلة الاولى من السد العالي، ثم المرحلة الثانية والاخيرة، واستثماره في خطة التصنيع (12 مشروعاً ثقيلاً) بنحو نصف مليار دولار، وإقامته على تسليح الجيش المصري وتدريبه – لم تسهم هذه بسهم ضئيل في تغليب الانضواء اليساري تحت لواء أحد وجوه الحياد الايجابي و”معسكره” القريب من الاتحاد السوفياتي والشيوعي.

والارجح على الظن أن انخراط قوة سياسية، ثانوية أو بارزة، غير ايديولوجية أو ضعيفة الصبغة الايديولوجية في تيار سياسي قوي وحاكم ينحو برنامجه المعلن، وبعض بنوده النافذة، نحواً قريباً جداً من برنامج القوة الحاكمة ومصالحها وتوقعاتها، هذا الانخراط ينبغي ألا يشكل أو يحمل على مناقشات حادة، وانقسامات، وانعطافات، شأن انخراط المصريين في الجهاز الناصري. ويلمح صاحب المذكرات، وهو ينوه بمشاركته في المناقشات، الى ان المسألة لم تقتصر على الشيوعيين واليساريين بمصر. ففي وقت قريب (يومها) كان على الحزب الشيوعي الكوبي ان يعالجها ويتصدى لها، ويخلص الى ان الاندماج في حزب فيديل كاسترو… الشيوعي والحاكم معاً خير من البقاء حزباً شيوعياً سوفياتياً غير حاكم ونهباً للبطالة السياسية والقمع والاعتقال! والمسألة نفسها عادت وألحت على الشيوعيين العراقيين، واليسار الجزائري، وعلى ناصريي سوريا، و”اليسار” الفلسطيني بإزاء “فتح” وجهاز منظمة التحرير الفلسطينية الذي تربعت حركة ياسر عرفات في قمته. وراودت المسألة إياها فروع المنظمات القومية واليسارية الوطنية في كل مرة استولت على السلطة منظمات حزبية من المشارب نفسها، ومستقوية بـ”جناح” عسكري وغالباً أهلي عدا على السلطة واستولى عليها. وهي تجددت مع استيلاء الاسلاميين الخمينيين على إيران في 1979، ومع “مقاومة” فصائل اسلامية متفرقة إما العدوان الاسرائيلي على بعض بلدان الجوار أو الطوق، وإما الحملات الاميركية العسكرية على بلدان “اسلامية” أو جماعات وديرات في بعض البلدان. ويحتج بشار الاسد، وجهازه العصبي والبيروقراطي العسكري، بعلل الاندماج، أي تلك التي حُملت عليه وصورته أفقاً أو مصيراً ضرورياً ولازماً، ويعود رأس النظام الحاكم، والحزب الواحد والأسرة المنفردة بالسلطان، فيعملها (علل الاندماج) في انكار المعارضة، وجوازها أصلاً، وفي رفض محاورتها تالياً والاقرار لها بـ”حيثية” تمثيل ولو ضئيلة تشهد على انقسام المجتمع والقوى السياسية والاجتماعية، وترسي السياسة على الانقسام والمنازعة والتأليف.

الاستبدال

والاستطراد الذي تقدم للتو هو قرينة على دوام المسألة التي دعي اليساريون الشيوعيون المصريون الى مناقشتها، وعلى إفضائها، على ما حصل غالباً، الى تمزق تفاوتت مفاعيله وخطورته. فما تعلل به شيوعيو مصر، وهم جماعات من المتعلمين و”المثقفين” (على ما سموا تيمناً ونسبة الى الاجتماعيات الماركسية) المتحلقين في حلقات دعاوة، وما تعلل به كذلك جمال عبد الناصر وبعض من حوله مثل هيكل، هو تلبية الجهاز الحاكم بنود “برنامج ديموقراطي ووطني”، استقلالي، حَسِب الماركسيون واليساريون الشيوعيون انها تلبي احتياجات الطبقات الشعبية في المرحلة، ولا “ينقصها” إلا الحريات السياسية والشخصية، وحرية عمل الشيوعيين الحزبيين أولها وفي مقدمها. وأما دعاة الحريات السياسية الآن، في المرحلة هذه، فهم من يحق لهم وأدها إذا استولوا على السلطة.

وأما لماذا لم تضطلع قوى المرحلة الديموقراطية والوطنية المفترضة – الاجتماعية والعينية – بمصالح المرحلة، وهي مصالحها المباشرة، وبقيادتها، وأوكلت الى القوى “البورجوازية” الصغيرة والمتوسطة انجازها من طريق الاستيلاء العسكري على جهاز الدولة، فأسئلة جوابها هو ميكانيكا الجبهات والمراحل والقيادات المعقدة والمتداخلة والمتشابكة على نحو يعصى الأفهام، وعصيها على الدوام تقريباً. ولم تسعف هذه الميكانيكا كثيراً الشيوعيين المصريين، ولا هي أسعفت من بعد من ألْفوا أنفسَهم في حال مثل حالهم (وهؤلاء هم “نحن” جميعاً على أنحاء أو مصدقات كثيرة).

ولعل عقدة المسائل المتفرعة عن مسألة التفاوت بين المراحل وبين القوى الاجتماعية والسياسية و”الايديولوجية” المفترض فيها انجاز برنامج المرحلة هي جواز تجريد المرحلة من “صراعاتها” في سبيل انجاز برنامجها. فما دعا اليه الجهاز الناصري الشيوعيين واليساريين المصريين، وحملهم عليه بواسطة الاعتقال والتعذيب والترهيب و(بعض!) القتل، ومن طريق الحجة الواقعية والعملية المقنعة من وجه آخر، هو الاقرار بأن الاحتياجات والاجراءات التي يرفعون لواءها، ويرون إليها مضمون التاريخ القويم وحركته الصحيحة والعادلة، يتولاها الجهاز على أحسن وجه، ولا يعيب توليه إياها إلا شرط ثانوي وغير ضروري هو تخلي الجهاز الشيوعي عن إنفاذها بنفسه، وتخلي اصحاب المصالح أنفسهم عن النهوض إليها وبها. وهذا ما كان ظهر عجز الجهاز الشيوعي وطبقاته المفترضة عن القيام به، وتحققت قدرة الضباط الاحرار عليه. وبقي السؤال عما يحلُّ بالقوى الاجتماعية والسياسية إذا هي لم تضطلع مباشرة بمصالحها و”مهماتها” وإنتاجها نفسها من طريق تربيتها، وأوكلت هذا العمل الى حزب أو طليعة أو جهاز، معلقاً. وجواب المسألة العملي هو انتصاب بيرقرواطية (إيديوقراطية علمائية أو جهازية أو باسدرانية أو باسيجية) وصيةً مطلقةً على “شعب” قاصرٍ ومستسلم. وعلى هذا، فالعيب ليس عيباً، ونهوض الفريق الانقلابي بالمهمة ليس تنطحاً ولا تجاوزاً. ولغز “استبدال” القوى الاجتماعية والمراحل قياداتها وبرامجها ليس لغزاً إلا على أفهام الماركسيين ومن لف لفهم. وهذا ليس بالأمر الجلل ولا الخطير، فـ”التاريخ” تدور عجلته من غير مشاركة زمرهم وشراذمهم، وهم ليسوا إلا بعض الترصيع الاداري والثقافي الذي يزين الجيد “الوطني والديموقراطي” الأسيل. ويخلف الحزب الاسلامي السياسي البيروقراطية الناصرية أو “الاشتراكية”، وتنظيمها “الطليعي” وهو مزيج من مفوضين أمنيين ورقباء حزبيين، على قيادة الامة وإمامتها على المثال الاستيلائي نفسه.

ولكن المُحصلة الفادحة التي أجمع عليها مواربة الجهازان، الناصري (باسم “الدولة”) والشيوعي (باسم “المجتمع”)، وتواطأا عليها، هي جواز بل ضرورة اطراح المنازعة أو الانقسام من العلاقات السياسية والاجتماعية، أي من الدولة والمجتمع، وعلى الاخص من علاقة المجتمع (وهو أبنية كثيرة ومختلفة) بالدولة (وهي ليست سلطة أو أمر وحسب بل ادارات وتقنيات ونصاب حقوقي وقانوني وقضائي كذلك). فالاطراح هذا نصَّب جهاز الحكم، والحزب الواحد والعصبية المستولية والدولة الصورية، حاكماً فرداً ومستوفياً شرائط التدبير وهو على هذه الصورة والحال. واستغنى الحاكم الفرد عن خارجه، أي عن القيود التي تقيد سلطته وتمثيله وتحدهما بمصالح الجماعات والطبقات والهيئات والاجسام، وبأعرافها وحقوقها وروابطها، وبالاحكام والقوانين المنبثقة عن المصالح والاعراف والتواريخ، استغنى عن الانخراط في دوائر دولية وإقليمية تنضبط علاقاتها على قوانين وأحكام قاسرة على هذا القدر أو ذاك. وندب الى انجاز مهمات المرحلتين معاً، الوطنية الديموقراطية والاجتماعية، على مثال بلشفي، حفنةً من الثوريين: أبو نضال أو تيسير قبعة أو أيلول الاسود أو أحمد جبريل أو كارلوس أو الحاج عماد مغنية أو صهره أو اللواء الركن جميل السيد أو جورج ابراهيم عبدالله وغيرهم كثير.

وافتراض الحاكم الفرد أن لا خارج يقيد سلطانه يقوده على حمل القيود السياسية والاجتماعية على عدوان خارجي وأمني خالص، وعلى دعوى حرب أهلية. وتعثر بشار الاسد واصدقائه الحرسيين والبوتيين اليوم بتصور خلاف سياسي واجتماعي أو شقاق ليس حرباً خارجية و”كونية” إرهابية هو صدى غليظ وثقيل لاستحالة إدراج المنازعة والمعارضة في صلب النظام السياسي الذي نشأ عن استيلاء فريق قليل على مقاليد التدبير، وزعمه الحلول محل السيرورة السياسية والاجتماعية الداخلية كلها والاستغناء عن نزاعاتها وتناقضاتها واختياراتها.

وإيريك رولو يبعث أطياف هذه المسائل والخلافات التي غذتها، وينبه الى بعض المعضلات التي لم تفك، ويقوم حاضر مجتمعاتنا وبلداننا على دوامها وإزمانها.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

i-theme�-%-t- -X�Q-�-O-tin’>لا تزال الاستجابة محدودة بعد نحو عامين من الكفاح، وهي تبلغنا أن هناك خللا فادحا في نظام الذكر العالمي، إن جاز التعبير. أن في العالم مناسي واسعة، صحارى يغيب فيها الذكر والتذكر، أن بلدنا الذي ولدت فيه الأبجدية أحد هذه الصحارى. وأن النظام الدولي الذي لا تكف الثورة عن تذكيره شريك للنظام الأسدي الذي جعل البلد منسى.

وما سبق قوله عن أن التذكر والنسيان فعلان عاما وسياسيان، هو اليوم واقعة عالمية أكثر وأكثر. ليس هناك مجتمعات تعيش خارج العالم. وتاليا إن ما ينسى وما يذكر مرتبط بنظام العالم اليوم، وليس بالنظم السياسية المحلية وحدها. في هذه الحيثية يمكن القول إن العالم اليوم يشبه المنسى الأسدي أكثر مما يشبه أي بلد ديمقراطي، في الغرب أو غير الغرب. ويمكن تعريف الديمقراطية، في هذا السياق المحدد، بأنها الترتيب السياسي الذي يتيح لأكبر عدد من الأفراد الذكر العام، التذكر والرواية “على رؤوس الأشهاد”.

الذاكرات الوطنية لم تعد تقبل العزل عن بعضها. وأحد ميادين الكفاح اليوم هو التملك المتساوي للذكر والمساواة بين الذاكرات أو الشهادات. ظاهر اليوم أن الذكر والذاكرة الأميركية مهيمنان عالميا، وذكر الغرب وذاكراته قوية الحضور. والذاكرة والذكر الإسرائيليين ربما يكونان الأقوى عالميا. إسرائيل هي الحالة القصوى للّامنسى، للمذْكر. إنها تشغل في العالم الموقع الذي كان يشغله حافظ الأسد في سوريا.

بالمقابل، تشكل بلدان بأكملها مناسي عالمية، منها بلدنا.

 

عن جريدة المستقبل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق