الصدريون وأزمة بناء الدولة: “ميليشيا” و”جماهير” بين الشرعية والشارع..

 من الناحية السياسية، يستطيع أي مراقب لمجمل الوقائع والأحداث السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية في العراق، أن يقرأ في استقالة وزراء التيار الصدري من حكومة المالكي حالة من الفراق مع المالكي نفسه، ليس بمجرد التأسيس على الحيثيات التي ساقها الصدريون في بيان استقالتهم الجماعية أمام وسائل الإعلام حول تقاطع ثوابتهم في المواقف من الاحتلال مع تصريحات المالكي باعتراضه على تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، ولا لأن الخدمات المناطة بالوزارات التي يشغلها ممثلوهم في الحكومة لا تكاد تنعكس إيجابياً على الواقع اليومي للمواطنين، وإنما لأنَّ مربط الفرس في مكان آخر حقاً، مكان تتنازعه التأثيرات البعيدة رغم أن تجلياته محددة في الهيكل الداخلي التنظيمي للتيار الصدري نفسه.
فمن المعروف إن التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر برز للواجهة بشكله الحالي وقيادته الراهنة بعد احتلال العراق مباشرة، فهو لم يكن جزءاً من النشاط السياسي للمعارضة العراقية في مؤتمراتها المتعددة، خاصة تلك التي بدأت الولايات المتحدة تضع أصابعها في تأشير خريطة تحركاتها ابتداء من مؤتمر فيينا في صيف عام 1992 وصولاً إلى عقد مؤتمر لندن 13 – 16 كانون الأول/ ديسمبر 2002 وانتهاء بمؤتمر صلاح الدين بكردستان العراق من 26 شباط / فبراير 2003 ولغاية 1 آذار / مارس 2003 الذي سبق احتلال العراق ببضعة أسابيع حيث أكمل المعارضون طريقهم إلى بغداد نزولاً من مصيف صلاح الدين في أربيل إلى صيف ساخن في بغداد.

التيار الصدري بهذا المعنى هو معارضة الداخل، معارضة قامت على فكرة “التقية” والتحرك تحت الأرض وفوقها في الوقت نفسه، وقد تمرَّسَ التيار بهذا الأسلوب جيداً تحت وطأة الدكتاتورية والقمع والعسف الطويلين، وهو اليوم يخلق من هذا التمرُّس متراساً وذريعة أخرى في تأجيل المواجهة مع الأمريكان وفصائل المعارضة الأخرى على حد سواء.

وبالعودة إلى فحص الدوافع المضمرة التي ضغطت باتجاه تقديم الاستقالة الصدرية من الحكومة لن نجد في البيان الإعلامي للاستقالة إلا نزراً مما يوحي بها فيما تتخفي حجومها الحقيقية في جملة من الوقائع والتفاعلات برز جانب منها خلال الأسابيع الماضية، ويعتمل الباقي في خضم موجة من التطورات الإقليمية والمحلية سواء في طبيعة العملية السياسية، أو في تفاصيل الخطة الأمنية، أو على طول الخط الساخن من بيروت إلى طهران بمرور إجباري ببغداد.

فالتاسع من نيسان وفي “ذكرى التحرير” الرابعة لم يكن ثمة من خطاب الحرية إلا واقع الاحتلال وتأثيراته المتفاعلة، وكان هناك مئات الآلاف ” قال التيار الصدري إنهم بلغوا مليوناً” من الزاحفين من مختلف مناطق العراق ليعلنوا احتجاجهم على استمرار الاحتلال ويدعون إلى انسحاب قواته على وفق جدول زمني إن لم يكن فوراً.

كان هذا هو الواقع السياسي على الأرض أما على ورق الاستطلاعات فثمة نتائج متعاضدة إذ كشف استطلاع للرأي أجري في بغداد والأنبار والنجف لمناسبة الذكرى الرابعة للاحتلال أن ثلثي سكان بغداد يريدون انسحاباً فورياً للقوات الأميركية من العراق . وأن 20% منهم طالبوا بانسحاب على مراحل على أن يبدأ فوراً. وهذه النسبة في بغداد المختلطة طائفياً وقومياً تكاد تكون هي ذاتها في كل من النجف والرمادي.

وكانت وكالة “يونايتد برس انترناشيونال” قد خلصت إثر نشر نتائج استطلاع للرأي أجراه في نوفمبر 2006 مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في العراق، أن “حوالي 90% من العراقيين يعتقدون بأن الوضع في البلاد كان قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة أفضل مما هو عليه الآن”

من هنا تبدو الاستقالة طبيعية مع التذكير بفقرة في بيان مقتدى الصدر الذي قرأه رئيس كتلته في البرلمان حين ذكر المالكي بأنه وصل إلى هذا المنصب” نتيجة لإرادة الشعب، ويجب أن يعبر عن الشعب الذي عبر عن رأيه فيالتظاهرة المليونية في النجف وطالب بانسحاب قوات الاحتلال. لكن “المالكي” مع الأسفعبر عن إرادة قوات الاحتلال” حسب البيان الذي ختمه مقتدى الصدر بتحية لافتة تذكر بتلك التي استخدمها الإمام الخميني بمخاطبة صدام في ختام آخر رسالة بينهما قبل أن تبدأ حرب الثماني سنوات على إيقاع تلك التحية الختامية الملتبسة المستلة من آية في القرآن الكريم من سورة طه تقول ” والسلام على من اتبع الهدى” وهي الآية التي استخدمها الرسول محمد في مخاطبة مشركي قريش.

إذن تبدو الرسالة من الناحية البلاغية موجهة للأمريكيين وليس للمالكي أو للشعب العراقي لأن تأكيداً بهذا الخصوص يأتينا من “أدب الكتُّاب” للصولي يخبرنا بأن عبارة” السلام على من اتبع الهدى” يخاطب بها غير المسلم.

غير أن الرسالة مزدوجة المآرب حقاً وإذا كانت بلاغتها العربية تحجبت بكهنوت خاص، وهي تتجه نحو الآخر المحتل، فإنها تتذرع بحالة قائمة حقاً من انعدام كل الخدمات اليومية الضرورية بعد أن أضحى الوضع الأمني في عداد المفقودين والقتلى مجهولي الهوية في طرقات المدن وحقول الأرياف.

وحين ينسحب وزراء التيار الصدري من ست وزارات نصفها ذات مساس مباشرة ويومي بالمواطنين كوزارات الصحة والنقل والزراعة ونصفها الآخر لليس له في الواقع سوى اسمه كوزارات السياحة والمحافظات والمجتمع المدني. فإنه يشير إلى تعطل مزدوج في عمل الحكومة: تعطل آني يتجسد في العجز عن تقديم الخدمات الضرورية، وتعطل مستقبلي من خلال التشكيك في إمكانية الوصول إلى حالة منظورة تجعل من السياحة متاحة أو من مؤسسات المجتمع المدني قادرة على النشاط، أو تعيد شؤون المحافظات إلى تواصلٍ ما في ما بينها، حتى وإن كانت صلة على أساس فيدرالي، وليس مجرد حكومات محلية تنفلت إداراتها في أية لحظة كما هو حالها اليوم.

وحين ينسحب وزراء التيار الصدري من الحكومة فأغلب الظن إنهم يعودون من الدولة الممتنعة عن البناء، إلى بناء عقائدي جاهز الآليات، وهو على كل حال، منظومة أكبر من الدولة وأوسع من فكرة الوطن فهي تنتمي إلى بنية “أمة”.. لا يعني هذا إن الحكومة الحالية تسعى للنجاح لبناء الدولة، إنها أفصح تعبير عن سعي حثيث، محبط في الغالب، نحو ترسيخ السلطة كأساس لإعادة بناء الدولة.

في المقابل، ومن الناحية التنظيمية، لا يختلف التيار الصدري عن معظم التنظيمات العقائدية في المنطقة في كونه يتوزع من حيث الظاهر بين جناح عسكري وآخر سياسي، ولكن في حالته الراهنة ثمة مسافة وفجوة كبيرة بين مسار العملية السياسية ومزاج الشارع، تجعل التنازع شديد الضغط باتجاهين مختلفين، ولعل هذه من أكثر الدوافع الحقيقية التي عجلت بالإعلان عن الاستقالة.

فمن المعروف إن دخول التيار الصدري للعملية السياسية جاء بعد انتفاضتين مسلحتين قام بهما ” جيش المهدي” الأولى في ربيع العام 2004 والثانية في خريف العام نفسه. لكن الخطة الأمنية الأخيرة في بغداد بدت وكأنها محاولة للاقتصاص من قيادات “جيش المهدي” وغدت عمليات فرض القانون صيغة لنزع سلاح ” الميلشيا” فيما كل أعمال الخروج على القانون في اضطراد، والإرهاب يضرب الشوارع هذه المرة بغاز الكلور، والشاحنات المفخخة بالأطنان من المتفجرات، تاركاً أحزمته الناسفة لمن ينجحون في الدخول إلى المنطقة الخضراء ويقتلون صيداً ثميناً من البرلمانيين.

إذن تحت وطأة عمليات “فرض القانون” ومحاولة إيجاد مسافة بين ” الميلشيا والجماهير” يشتد التنازع، فتضغط “آمرية جيش المهدي” باتجاه ويضغط مكتب الشهيد باتجاه ويحاول برلمانيو التيار الصدري اجتراح اتجاه ثالث يبتعد عن المكتب ويكاد يتناقض مع آمرية ” جيش المهدي”، ميليشيا مسلحة هي في الوقت نفسه قوة انتخابية حاسمة وهي أيضاً قاعدة قابلة للانفصال وخلق انشقاقات لا يستهان بها، وتحت هذا الضغط كانت البوادر الأولى قد تجسدت بإعلان كل من مقتدى الصدر واللجنة السياسية لمكتب الشهيد الصدر والكتلة الصدرية في البرلمان قراراً بفصل اثنين من أعضاء الكتلة من البرلمان العراقي واستبدالهما بعضوين آخرين،للقائهما معمسؤولين أميركيين, وهو ما يعارض ثوابت الخطالصدريحسب قول الكتلة، قبل أن ينفي العضوان أي لقاء لهما مع أي من المسؤولين الأمريكيين في العراق.

من هنا تبدو عودة التيار الصدري إلى الشارع كناية عن عودة إلى الداخل، عودة لإعادة ترميم شرعية تنظيمية تكاد تغرق في نهر من شقاق، من شرعية سياسية تمثلها حكومة مهددة من إدارة بوش المأزومة بمواجهة استحقاق الفشل بعد بضعة أشهر، ومتهمة من جمهور الناخبين بابتعادها عن الوعد وتحويله إلى وعيد.

لكنها ليست عودة تامة الذيول، فأعضاء الكتلة الصدرية في البرلمان والذين يشكلون ما مجموعه ثلاثون نائباً لا يزالون يجسدون صورة اندراج التيار الصدري في العملية السياسية، ولعل من المفارقة إن هؤلاء الثلاثين نائباً قد يجدون أنفسهم منخرطين في حسابات ترجيح سيكون المالكي أحد طرفيها. فبينما يبدو الائتلاف العراقي الموحد الذي حقق أغلبية برلمانية في انتخابات كانون الأول / ديسمبر 2005 متخلخل الصفوف مشتت الكتل ومتراخياً في إحكام قبضته الأكثرية داخل البرلمان،، وهذا ما يسعى إليه الأمريكان ويعمل عليه بجد رجلهم الأوضح في العراق إياد علاوي،، فإن ما يتصدع من بناء الائتلاف لن يذهب إلى حصة علاوي بالتأكيد، فهذا الرجل “العلماني” ما هو في عقيدة الصدريين سوى شريك مع الأمريكان في مقتل أكثر من ألف شخص من أنصار التيار في معارك النجف في ربيع 2004.

يمضي علاوي في جهوده لإنقاص أمد الحكومة وتقصير عمرها، وينشغل المالكي في التمسك بما حوله من كتل الائتلاف والبحث عن رضا أميركا بقليل مما يقدمه، لكن لا يبدو أن عين الرضا الأمريكية قادرة على ستر مساوئ عهد المالكي وعهوده المتراكمة على شكل ارتكابات دون معالجة.

ومع هذا، فالأمر لا يكمن في الحكومة، وليس في المنطقة الخضراء، بل ليس في بغداد كلها! فمدينة الفتن القديمة: البصرة القادرة على إدارة خلافات من مستويات شتى من مدارس النحو وانشقاق الأمم والأحزاب، إلى الخلاف على إدارة أنابيب النفط المصدرة إلى الخارج، تدير اليوم خلافات متعددة الأطراف ومشتبكة الولاءات ليس “حزب الفضيلة” المتفرع عن التيار الصدري سوى طرف فيها معلنا مؤخراً انسحابه من الائتلاف في أوضح تداع في البنية الأساسية للأكثرية البرلمانية الشيعية. والبصرة مكمن واحدٍ وليس وحيداً يشير إلى جهد إيراني في إعادة ترتيب التحالفات الشيعية المرتبكة تحت وطأة عمليات “فرض القانون” التي نفذها الجيش بإشراف القوات الأميركية.

جهد من الواضح أنه لن يبدأ من بغداد، لكنه سيتدحرج صعوداً وتصاعداً من الجنوب نحو العاصمة.

سرادقات حول مبنى محافظة البصرة تشبه السرادقات القريبة من مبنى السراي الحكومي ببيروت، تطالب بإقالة محافظ البصرة الذي ينتمي لـ”حزب الفضيلة” الخارج تواً من تحالفه مع الائتلاف، هل هو قصاص ضد من يسعى إلى انفراط التحالفات التي تبنى بعناية وتستمر برعاية؟

وقضية إقالة محافظ البصرة تشبه على حد كبير مشكلة الحكومة اللبنانية، فلكي يتم عزل المحافظ من منصبه يتوجب على أصحاب هذا المطلب الحصول على 28 صوتاً من أصوات مجلس المحافظة المكون من واحد وأربعين عضواً أي ثلثي الأعضاء، ليتمكنوا من عزله. المعضلة تكمن في أن “حزب الفضيلة” يشغل وحده ما مجموعه 19 عضواً في مجلس المحافظة، ولهذا كانت السرادقات نوعاً من الحل!

على أن السرادقات المنصوبة من جوار مبنى السراي الحكومي ببيروت إلى محيط مبنى المحافظة في البصرة، تشير إلى خط واحد للأزمة، وهي مهما بدت تعارضاً بين الشرعية السياسية والشرعية الشعبية، فهي تشير إلى مسارب الأزمة واتساع حدودها مثلما تؤكد ازدواج الولاء في أصل الحكاية وبقية فصولها.

كل هذا يحدث ومقتدى الصدر تحت الأرض أو في أرض أخرى، بينما يتناوب أنصاره على مسك الأرض بصيغ مختلفة مرة بقوة السلاح من خلال “جيش المهدي” وأخرى من خلال الجماهير، من خلال “مكاتب الشهيد” المنتشرة بالمئات بين الأحياء والمدن.

وفي ظل الحس الطائفي تبرز ثنائية الشرعية في القيادة الشيعية الشعبية والقيادة الرسمية، إضافة إلى ثقل المرجعية الدينية ومرجعية دولة الفقيه أو الدولة الإسلامية المثال ذات النموذج المتاح، ومن الواضح أن العراق لم يصبح بعد مسافةً سياسية بين إيران وأميركا، وهذه المسافة أضحت في الواقع مساحة للتنافس الداخلي داخل الطوائف نفسها، لا بين العلمانيين والثيوقراط في الجانبين الشيعي والسني، وإنما بين الثيوقراط أنفسهم داخل كل جماعة، فثمة وصائية كهنوتية في مقابل القيادة السياسية.

وسط هذه الحمى المعلنة والعواصف المؤجلة، أية استمرارية ممكنة لحكومة ذات شرعية برلمانية وانكشاف شعبي وصل حدَّ الندامة على انتخابها وانتظار مناسبة للثأر منها، وهي لا تجد سوى دعم أميركي مشروط باستحقاقات زمنية، وها هي تصبح مع انسحاب وزراء الكتلة الصدرية كالبطة العرجاء التي لا يمكن إخفاء عرجها حتى وإن جرى تعديل وزاري لسدِّ فراغ الوزراء المنسحبين؟ ذلك أن القاعدة الشعبية ” ميليشيا وجمهوراً” ستنتقل إلى المعارضة، لا للحكومة وحدها بل ولمجمل العملية السياسية، خاصة مع وجود تحفظات أساسية لدى الصدريين على تشكيلة الحكومة وعلى العملية السياسية برمتها، تلك العملية التي “سحبوا” نحوها سحباً من ساحة القتال، أو خُيِّروا بين الرزوح تحت وطأة الحملة العسكرية الأميركية أو الانخراط في عملية سياسية لا يبدو أنهم اقتنعوا بجدواها بعد مرور أكثر من عام.

ففي البصرة، كما هو الحال في النجف، كانت “الميلشيا” تحمل الأعلام واللافتات بدل القاذفات و البنادق، لتصبح جماهير تمارس ما يسميه الصدريون مقاومة سياسية، بينما كانت الجماهير “في الديوانية” تقاتل الحرس الوطني وقوات الشرطة والجيش الأميركي”, إنها رحلة البحث عن تثبيت شرعية خارج الدولة التي لا تمثلهم وهو بحث يبدو طبيعياً في ظاهره، لكن الخطير أن يغدو البحث عن تلك الشرعية رحلةً تبدأ من الشوارع المحلية لكنها تقود في النهاية نحو شرائع في أمكنة أخرى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق