الصراع في مصر / عباس بيضون

إذا كان هناك من ميزة للثورة المصرية اليوم فهي انها تتحقق في الميدان وفي خضم التجربة وعبر أدوار. في الدور الأول التحق الاخوان المسلمون بالثورة مع قدر من التحفظ والمناورة والتفاوض مع عمر سليمان أولاً والمجلس العسكري ثانياً. لم ينفصلوا عن النظام الا بقوة الأحداث وبدفع من القوى الثورية الأصيلة التي استلحقت الاخوان إلى معارك سارعت إليها هي، وأهداف رسمتها أو رسمتها لها الأحداث فالواضح ان الخليط الذي تكون في النظام المصري في غضون ستين عاماً كان يضم أشتاتا وقوى متباينة تتلاقى في لحظات هي نوع من إعادة التوزيع الذي لتتجابه بعده في لحظات أخرى.

هكذا لم يدم اللقاء مع المجلس العسكري وما لبث ان ارتفع شعار «فليسقط حكم العسكر». لا بد أن القوى التي وجدت في أساس الحراك وشكلت نواته الصلبة اهتدت إلى أهدافها الأساسية عبر هذه التحولات، لكنها لم تكن لتهتدي اليها لولا أنها، بوعي أو بغير وعي، كانت تصوب من البداية على النظام وكانت كلما واجهت رأساً جديداً للنظام المتعدد الرؤوس تتوجه ضده، ليس قبل ان تكشف طبيعته او تنكشف لها هذه الطبيعة. كانت النواة الصلبة للحراك الثوري مؤلفة من طليعة واسعة، طليعة تكون بعضها في الميدان او تدرب ونما في الميدان. طليعة هي التي كانت تتكشف راديكاليتها لها وللآخرين عبر الظروف. هكذا خاضت معركة رابحة مع المجلس العسكري اضطر بعدها المجلس إلى الاستتار أو النأي بنفسه إذا كان لنا ان نستعير هذه العبارة من السجال اللبناني. كانت المعركة الأولى التي خاضتها هذه النواة الصلبة ضد مراوغة السلطة المباركية. لم تنجح هذه في الالتفاف على الثورة فقد أدركت النواة الثورية ان الهدف ليس الحصول على تنازلات منها ولا هو المساومة معها (كما فعل الاخوان المسلمون) بل تصفيتها والقضاء عليها. لا بد ان هذا الهدف بدا في الوهلة الأولى بعيداً وخيالياً فالسلطة المباركية دفعت مرة واحدة بكل قواها إلى الميدان، وبدا في لحظتها ان ميزان القوى لا يميل إلى صالح الثورة، ومن العقل والمنطق ان يرضى الثوار بما بدا الحكم مستعداً للتنازل عنه.

الأخوان وهم ربيبو النظام المصري وواكبوه، منذ ابتدأ، ذهبوا إلى المفاوضات مع عمر سليمان ولما أطيح بمبارك وكان للمجلس العسكري يد طولى في الإطاحة به. بدأ أن من العقل والحكمة التراضي مع المجلس العسكري على شيء، فإذا كان مبارك هو واجهة النظام فإن المجلس العسكري بعد رحيل مبارك هو قلعة النظام ودرعه ومن الحكمة التسليم له بعد ان ماشى الثوار ونزل عند إرادتهم في ترحيل مبارك. لكن النواة الثورية ظلت في الميدان ورفضت ان تبارحه ولم تتهيب الصراع مع المجلس العسكري وجسرت على خوضه. هذه بالتأكيد غير المعركة مع مبارك الذي خذله المجلس العسكري. إذا كانت المعركة مع مبارك معركة مع الممثل فالمعركة مع المجلس العسكري معركة مع القوة الحقيقية لكن القوة الحقيقية فهمت ان رحيل ممثلها والثورة ضده أضعفاها وألحقا بها، ولو لم يبد ذلك، هزيمة ضمنية. الاخوان وهم ربيبو النظام ووجهه المعاكس هبوا إلى مماشاة المجلس العسكري وتهيبوا الصراع ضده وساوموه.

وحدها النواة الثورية التي ولدت من معاناة عقود من السنين رفضت ان تبارح الميدان، وقد انتظرت كل هذا الوقت وصبرت كل ذلك الصبر حتى تسنى لها أن تنزل اليه. كان النزول وحده إلى الميدان قضى نهائيا على الخوف وأزال كل حذر ورسم أهدافاً بعيدة.

هذه النواة جاءت من خارج النظام، كانت من انفجاراته، من قوته المضادة، ولا بد انها اكتشفت نفسها وتبينت أهدافها في الشارع وفي خضم الصراع، في خضم الصراع كانت هذه النواة لا تتصلب فقط ولكن تتوسع وتستلحق قوى أخرى. قوى كانت في المعترك تكتشف نفسها وتسترجع معاناتها وتتعبأ وتتجاسر وتشعر بقوتها وترسم أهدافها، في المعترك كانت العدوى الثورية تنتشر وتستقطب آخرين جدداً.

ما كان ذلك ليحصل لولا بقاء الثوار في الميدان، لولا رفضهم ان يبارحوا. لولا أنهم لم يسلموا الثورة ولم يستسلموا، وحين بدا ان نظاماً آخر يقوم أو أن النظام يتجدد وترتفع هياكله ثانية، رفضوا ان ينسحبوا وأن يتركوا الساحة، رفضوا أن يقروا بالأمر الواقع وأن يخلوا الميدان. رغم كل شيء، رغم أن في ذلك مجازفة حقيقية. مجازفة في أن يضجر الناس ويتعبوا، مجازفة في أن يتطلع الناس إلى الاستقرار بعد أن عانوا معيشياً وحياتياً. مجازفة بخسارة الشعب الذي ربحته الثورة وتحوله إلى المعسكر المضاد.

رغم كل شيء بقي هؤلاء الثوار في الشارع، لم يسلموا الثورة لقوة يتوجسون منها. لم يسلموها للمجلس العسكري، لكنهم أيضا لم يسلموها للأخوان. طلب الطرفان منهم الخروج. هددوهم إذا لم يخرجوا. اتهموهم بالحمق والطفولة والتهور وبطبيعة الحال الكفر والتآمر والاستتباع لقوى خارجية فهذه تهم سائرة دارجة جاهزة لكل يوم وكل موقف. لكنهم بوعي نفاذ او بغريزة نفاذه فهموا أن النظام لم يرحل مع مبارك كما حاول المجلس العسكري أن يشيع، لم يرحل النظام مع المجلس العسكري كما حاول الاخوان ان يشيعوا. النظام أعمق من ذلك وأرسخ وأكثر تعدداً وتفرعاً.

بقي الثوار في الميدان ساهرين على الثورة، موقنين انها أمانتهم وأنها في أعناقهم ولن يتركوها لأحد. لقد فهموا ان المجلس العسكري درع النظام وفي مقدوره ان يأتي كل لحظة بمبارك جديد لكنهم أيضا فهموا أن الاخوان ربيبو النظام، وانهم إذا كانوا قفا العملة فإنهم بذلك وجهه السري، بل انهم وجهه المعاكس. لذا لم يسلموهم الثورة رغم ان هؤلاء الحفوا في طلبها، بل ونازعوهم عليها وادعوا أبوتها. واجهوهم رغم انهم تظاهروا بأنهم أعادوا العسكر إلى ثكناتهم وكفوا يد المجلس العسكري (أية مساومة يمكن ان تكون تحت هذا التدبير وفي مقابله). واجهوهم رغم البرستيج الذي حازوه من حرب غزة (حازوه او كان منحة دولية لهم) بقوا لهم بالمرصاد.

ولم يطل الوقت فالاخوان وقد سقطت مصر غنيمة في يدهم، وقد انتظروا هذه اللحظة منذ ثلاثة أرباع قرن تقريباً. ما لبثوا أن شرعوا في أخونة مصر، أخونة الدولة وأخونة الاعلام وأخونة الجيش، سارع الأخوان إلى ذلك أو تسرعوا به، لكن ما انكشف هو طموحهم التوتاليتاري إلى الاستيلاء على المجتمع والدولة، ما انكشف هو فاشية لا ترحم الخصوم وتلحقهم بالهراوات والمسدسات، ما انكشف هو الطبيعة الطبقية لهؤلاء، الأخوان الذين يقودهم الرأسمال الكبير الناشئ في حضن والمتعاون مع الرأسمال الخليجي، ما انكشف هو استبداد الحزب الواحد وحكم الحزب الواحد وتطلعات الحزب الواحد.

سارع الأخوان او تسرعوا لكنهم وهم ربيبو النظام المصري وجدوا امامهم نموذجه، لقد حاولوا ان ينصبوا من الرئيس قائداً مطلقاً، أن يحولوا الحزب إلى بؤرة للانتفاع والسلطة. ان يحولوا الاعلام إلى ذراع حزبي.

كان في ذلك تجاهل لا لطبيعة الانتفاضة المصرية بل ايضا للقوى التي صنعتها، لقد بقي الثوار في الميدان ساهرين على الثورة التي صنعوها، بقوا في الشارع يواجهون سعي الاخوان الى أخونة الدولة والمجتمع، ولم تكن الانتفاضة المصرية التي قامت لتصفية نموذج مماثل قابلة للانخراط والاندماج في مشروع كهذا. كان المجتمع الذي عانى ما عانى من احتكار الدولة واحتكار الاقتصاد واحتكار الاعلام سلبيا بالتأكيد تجاه محاولة كهذه. لقد استشرف فوراً انه يخفي وراءه، نموذجاً جديداً من المافيا الحكومية، نموذجاً جديداً من حكم العائلة او الحزب، نموذجا جديداً من الفساد. نموذجاً جديدا من الاستبداد.

كانت العلامات أولية لكنها مقنعة، لم يفت الشعب أن يرى ما تخفيه، ولم تمر عليه دعاوة الاستقرار. لقد خاف من مطامع الاخوان وربما جشعهم السلطوي ودفعته هذه المطامع إلى تثمين هؤلاء الذين استمروا معه، إلى الالتفاف حولهم، هكذا انبنت استقطابات جديدة. تحولت القوى الديموقراطية إلى قوى فعلية وتحولت المعركة الديموقراطية إلى معركة شعبية، هكذا وجدنا النزاع حول مواد الدستور الجافة المجردة يتحول إلى نزاع شعبي، ووجدنا الاعلان الدستوري يغدو هدفا شعبيا ووجدنا الحرية تغدو قيمة جماهيرية، لقد وجدت مع الوقت وفي حماة الصراع موجه تسييس هائلة، تسييس المجتمع في دوامة العراك. تحولت القضية السياسية إلى قضية عامة. اصبحت الطليعة ملتحمة بالجمهور. غدت الطليعة قوة. لم يعد ممكنا تجنب الصراع ومهما تكن النتائج القريبة فإنه مستمر.

 

عن جريدة السفير – الملحق الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق