الصهيونيّة إيديولوجية عنصرية

ليست المرّة الأولى التي يسقط فيها القناع عن الوجه البشع للإيديولوجية الصهيونيّة ذات الطابع العنصريّ، وأبادر إلى القول: إنّ جميع الأبحاث الجدّية، وقسم منها كتبه باحثون يهود، أثبتت أنه لا علاقة لها باليهودية باعتبارها دينا ولكنها نجحت في التستّر وراءه لنشر إيديولوجيتها الشوفينية التي تقوم على مبدأ التوسّع والهيمنة على الآخرين، فليس غريبا إذن أن نجد تيارات يهودية ذات طابع دينيّ تندّد بجرائم الصهيونيّة، وتتبرّأ منها كما أعرب عن ذلك بيان صدر أخيرا في مدينة حيفا يدين جرائم الإبادة الجماعية التي يقوم بها هذه الأيّام جيش الاحتلال الإسرائيليّ في غزة.

ومن المعروف أنّ هذه الإيديولوجية هي التي أدّت إلى انتشار الحركات المعادية للسامية في الغرب نفسه قبل ما يربو عن قرن وتسبّبت في ويلات عاشها اليهود قبل غيرهم، ومن الغريب أن تحاول الصهيونيّة والنظم الإمبريالية إلصاق تهمة معاداة السامية بالعرب والمسلمين وهم منها براء، بل إنّ المفهوم قد تسرّب إلى الفكر السياسيّ العربيّ الحديث من أدبيات الفكر السياسيّ الغربيّ، فمن المعروف أنّ الأسر التونسية مثلا قد حمت أجوارها اليهود وأخفتهم في منازلها لما لاحقهم النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية.

إننا نرى أنه من الضروريّ العودة إلى الماضي لفهم المأساة التي يعاني منها سكّان غزة اليوم، ولإماطة اللثام عن طبيعة الإيديولوجية الصهيونيّة من جهة، وعن أهدافها بعيدة المدى من جهة أخرى، فقد سعت بكلّ الوسائل منذ ما يربو عن قرن للقضاء على جميع حركات المقاومة في الوطن العربي، وخاصّة المقاومة الفلسطينية، إذ أنّها تقف عقبة أمام تحقيق أهدافها التي رسمها مؤتمر بازل عام 1897، ونظّر لها زعيم بارز من زعماء الصهيونيّة هرتزل لمّا نشر كتابه “الدولة اليهودية” سنة 1896 مفيدا من عوامل تاريخية معيّنة عرفتها أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر.

إنّ تأييد زعيم المحافظين الجدد الرئيس الأمريكي الحالي بوش الابن قبل شهور قليلة لمفهوم “الدولة اليهودية” وما رافق تصريحه من الكشف عن خطّة إجلاء عرب 48 لتصبح إسرائيل تتمتع بعنصرية نقية هو إحياء لهدف قديم يمثل دعامة صلبة في فكر الإنجيليين المتصهينين، وهو هدف أسّس على نقاوة أثنية عنصريّة تختفي وراء الدين اليهوديّ، بل قل وراء الأساطير التوراتية، فليس من المبالغة القول في هذا الصدد: إنّ الصهيونيّة تلتقي في نقطة جوهرية مع الإيديولوجية النازية، فالنازيون نظّروا لرؤية نقاوة الجنس الجرمانيّ الآريّ، واعتبار الأجناس الأخرى بشرا من درجة ثانية مثل اليهود والغجر والعرب والصقالبة، ونظّر الصهاينة لخرافة “شعب الله المختار” فيصبح قتل الشيوخ والنساء والأطفال ضمن تطهير أرض الميعاد أمرا طبيعيا، ذلك انه يندرج ضمن مخطّط تنقيتها من العناصر الدخيلة على “أرض إسرائيل الكبرى” وعلى شعبها المختار؟

إنّ العنصرية الصهيونيّة قد خرجت على العالم في مؤتمر بازل من عباءة ظاهرة القوميات في أوروبا، والحركات الشوفينية التي عرفها النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو ما مكّنها من النجاح في تحويل روح التكتّل الطائفي الدينيّ للأقلّيات اليهودية إلى إيديولوجية سياسية متستّرة بالدين تهدف إلى تأسيس وطن قوميّ ودولة يهودية وبذلك تخرج اليهودية من المرحلة الطائفية القابعة داخل أحياء الغيتو إلى العالمية السياسيّة والاقتصادية، ونجحت في التحام مصالح البرجوازية اليهودية بالبورجوازية الأوروبية بأنّها حركة تجديدية ذات إيديولوجية علمانية متفطّنة إلى أنّ موجة العلمانية كانت قويّة في نهاية القرن الماضي في المجتمعات الأوروبية، ونجحت أخيرا في تأسيس الدولة اليهودية وتقديمها للرأي العام الغربيّ بأنّها امتداد للمشروع الغربيّ في الشرق الأوسط وأنها تمثّل واحة للديمقراطية والتقدّم في محيط متخلّف اقتصاديا وتقنيا وتحكمه نظم استبدادية وهي الحامية للمصالح الإستراتيجية والاقتصادية للغرب، فقد أعلن هرتزل في كتابه “الدولة اليهودية” أنّ هذه الدولة ستكون حصنا متقدّما للحضارة الغربية في مواجهة البربرية الشرقية.

فلا غرابة بعد ذلك أن يأتي كتاب شمعون بيريز “الشرق الأوسط الجديد” بعد قرن من صدور كتاب “الدولة اليهودية” تجديدا للأهداف الأساسية بعد تنقيته من الرؤية الدينية الطائفية، وتعويضها بالرؤية الاقتصادية في عصر العولمة ولكن مع الإبقاء على الجوهر وهو زعامة إسرائيل في المنطقة حامية لمصالح الغرب.

لكن، رغم هذا النجاح الذي حقّقته الحركة الصهيونيّة خلال قرن فقد حمل المشروع الصهيونيّ في طيّاته نقاط ضعف قاتلة تتمثّل فيما يلي:

–تأسيس دولة على أسس إيديولوجية دينية شوفينية ذات طابع أسطوريّ، وهي لا تستطيع أن تعيش إلا بحماية قوّة عسكرية غاشمة وهي الحقيقة التي اكتشفها الرأي العام العالمي بعد انتفاضة الحجارة الأولى وعودة اليمين المتطرّف إلى السلطة ليوقف قطار السلام.

–إذكاء الروح العنصرية بين يهود النخبة المنحدرين من أصول أوروبية ويهود الدرجة الثانية المنحدرين من أصول شرقية وإفريقية.

–الطابع العسكريّ التوسّعيّ للدولة اليهودية.

لا شكّ في أنّ نقاط الضعف هذه في المشروع الصهيونيّ هي التي تقف اليوم عقبة كأداء أمام تحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط.

ولا بدّ من الاعتراف في هذا الصدد بأنّ الحركة الصهيونيّة ما تزال قادرة على استغلال الظرف الدولي خدمة لمشروعها، فكما أفادت قبل قرن من الظرفية التاريخية التي عاشها العالم في نهاية القرن التاسع عشر فإنّها تفيد اليوم من الظرفية الدولية التي يعيشها العالم في مطلع الألفية الثالثة.

أفادت من ميلاد الإمبريالية الاستعمارية في نهاية القرن التاسع لتنظّر للدولة اليهودية وأفادت من نهاية الحرب العالمية وتقسيم تركة الرجل المريض الدولة العثمانية: بين بريطانيا وفرنسا ليبشّر وعد بلفور بدولة إسرائيلية في فلسطين، وأفادت من المحرقة التي عاشها اليهود أيام النازيين لتؤسّس الدولة عام 1948 معترفا بها من المعسكرين الغربي والشرقي، وتفيد اليوم من ظاهرة الإرهاب الدولي لتقنع الغرب بأنها الذائدة عن مصالحه في الشرق الأوسط وأنّ هذه المصالح تقتضي دعم زعامتها للمنطقة بمساعدتها على التصدّي لجميع حركات المقاومة المعادية فقد كشفت الوثائق عن الدور الحاسم الذي قام به اللوبي الصهيونيّ في إقناع المحافظين الجدد بغزو العراق واحتلاله.

وهنا يطرح نفسه السؤال التالي: ما هو موقف النظام الرسمي العربي من سعي الصهيونيّة للهيمنة على المنطقة بعد بلقنتها، وبعث نظم ضعيفة ذات طابع طائفي ومذهبي بالدرجة الأولى يمكنها من تحقيق حلمها القديم في قيادة المنطقة؟

إن أحداث غزة تبرهن على مدى الضعف الذي بلغه النظام العربي والظاهرة الجديدة التي برزت في صيف 2006 في لبنان وتبرز اليوم أكثر جلاء أنه فقد الحد الأدنى من التضامن للدفاع عن مستقبل شعوب المنطقة، بل بلغ الأمر ببعض قادته إلى التواطؤ مع المخطط الأمريكي الصهيونيّ في المنطقة فراحوا يبحثون عن مبرّر لموقفهم فظفروا به في طبيعة حركة حماس باعتبارها تمثّل الإسلام السياسيّ وانضمّوا بسرعة إلى الأصوات التي تنزع عنها طابع مقاومة الاحتلال واتّهامها بالإرهاب وقد فعلوا ذلك بالأمس القريب مع المقاومة الوطنية اللبنانية متناسين أنّ تاريخ حركات التحرّر العربية والعالمية قد علّمتنا أنّ الشعوب لا تسأل عن الخلفية الإيديولوجية أو المذهبية لحركات المقاومة مادامت تقاوم الاحتلال الأجنبيّ كما أنها لا تحاسب قادتها على الأخطاء ما دامت حاملة السلاح في سبيل تحرير الأرض. إننا نجد في صفوف حركات المقاومة الفرنسية أو البولونية للاحتلال النازيّ المسيحيّ الأصوليّ والليبراليّ والشيوعيّ الدوغمائيّ واليساريّ المتحرّر، وهو ما عاشته الثورة الجزائرية فهنالك من قاتل في صفوفها باسم الجهاد في سبيل الإسلام ومن قاتل باسم الوطنية، ومن قاتل تحت راية الحرية بصرف النظر عن الرؤية الدينية أو الفكرية.

سخّرت بعض النظم أبواقها هذه الأيام لتتحدّث عن أخطاء حركة المقاومة في غزة تبريرا لمواقفها المتخاذلة.

ليس من النادر أن ترتكب قيادات حركات التحرّر الوطنيّ أخطاء، بل قل هفوات، ولكن المحاسبة تقوم بها شعوبها وبعد تحقيق هدف التحرير، فالشعوب أنبل وأرحم من أن تغرز خنجرها في ظهر حامل السلاح في وجه المحتلّ.

ومن المؤلم أن تعمّق مواقف النظام الرسميّ تجاه حركات المقاومة العربية الهوّة بين النظم وشعوبها، وأن يضطرّها ذلك إلى مزيد الارتماء في أحضان الأجنبيّ للبقاء في السلطة، وهي اليوم أحوج ما تكون، إلى الالتحام بشعوبها حتى تكون قادرة على مواجهة التحدّيات الكبرى.

لا أريد أن أختم هذا النصّ دون التلميح إلى استغراب الناس شرقا وغربا قائلين:
ألا يرفّ للقيادة الصهيونيّة جفن وهي تشاهد هذه الأيام دماء الأطفال منهمرة في شوارع غزة؟

إنّ الإيديولوجية الصهيونيّة مستعدّة أن تضحّي بالأطفال اليهود قبل الأطفال الفلسطينيين لتحقيق أهدافها، فلما بدأت موجة اضطهاد النازيين لليهود في ألمانيا كان الشغل الشاغل للقيادة الصهيونيّة يومئذ تأسيس دولة إسرائيل في فلسطين قبل الاهتمام بضعفاء اليهود فقد صرح بن غريون في ديسمبر 1938 قائلا: “لو أعلم أنه من الممكن إنقاذ جميع أطفال ألمانيا، يعني اليهود، وترحيلهم إلى انكلترا أو إنقاذ نصفهم فقط وترحيلهم إلى أرض إسرائيل فإنني سأختار الحلّ الثاني، ذلك أنه يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار ليس فقط حياة هؤلاء الأطفال بل أيضا تاريخ شعب إسرائيل”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This