الصين في مفترق طرق

بدا وكأن الايديولوجيا وليس المصلحة الوطنية هي التي حكمت السياسة الخارجية الصينية (وربما السياسة الداخلية أيضاً)، منذ انتصار الجمهورية الشعبية في العام 1949 وحتى العام 1972 حين تحالفت الصين مع الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي. وقد ساعد ذلك على توسيع دائرتها الاستراتيجية ورفع الحصار التجاري واستيراد المنتجات الزراعية والتقنيات الأكثر تطوراً. وقد وفرت لها علاقاتها مع الدول الصناعية الغربية شروط الانفتاح الاقتصادي في نهايات سبعينات القرن الماضي. استطاعت الصين إقامة توازن بين براغماتيتها الديبلوماسية وإيدولوجيتها الثورية، مستغلة الخطر السوفياتي.

في العام 1968، أدت الثورة الثقافية إلى تدمير الاقتصاد وإلحاق أضرار شتى بمصالح البيروقراطية الحاكمة وعموم الشعب على حد سواء. وقد أرسى وصول دينغ هسياو بينغ إلى السلطة في العام 1976 خطاً براغماتياً متمحوراً على التطور الاقتصادي بدل الإيديولوجيا الماوية المستندة إلى صراع الطبقات. ومن هنا ولجت الصين مرحلة إصلاح اقتصادي موجه وانفتحت على التقنيات والرساميل الغربية. لقد كان التطور هو الهدف النهائي بحسب بينغ. [1]

هكذا وبهدف تحقيق ازدهار اقتصادي محلي اعتمدت السياسة الخارجية الصينية خطين متكاملين، أولاً التقارب مع الغرب وتخفيف حدة العداء للإمبريالية باستبدال مفهومها بالهيمنة مستهدفة الاتحاد السوفياتي بالدرجة الأولى، وثانياً التخلص من الحلفاء التقليديين في العالم الثالث وأعبائهم وإبداء تعقلٍ متزايدٍ تجاه نظام دولي يهيمن عليه الغرب.

وفي محاولة انفتاحها على الولايات المتحدة، أزاحت مشكلاتها التقليدية جانباً ولو بصورة مؤقتة (اليابان، تايوان) طارحة تسويات مؤقتة وتصورات مستقبلية مبنية على مفاهيم التنمية الإقليمية المشتركة، وأن مفتاح العالم المعاصر هو السلام والتنمية.[2]

اعتمد نموذج التنمية الصيني على وفرة اليد العاملة الرخيصة وتوطين مصانع التجميع وتصدير المنتجات الرخيصة وتهافت الاستثمارات الأجنبية. وفي أجواء العولمة المتفائلة، تحولت الصين إلى دولة مصدرة بفضل شبكة المناطق الحرة التي استوطنت شواطئها وقد اجتاحت بضائعها العالم إلى درجة جعلت ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة يميل إلى صالحها (حوالي 130 مليار دولار في العام 2003).

أدى ذلك إلى تجاوز معدل النمو السنوي لرقم 9 بالمائة في العقدين الماضيين[3]، هكذا صعدت رأسمالية صينية حديثة شجعتها الدولة بإطلاق حملة تحديث عالية الوتيرة (مرافئ، مطارات، طرق سريعة، خطوط حديدية، جسور، سدود…الخ). وفي الوقت الذي ارتفعت فيه قدرة الصين التصديرية إلى أرقام فلكية، ازدادت مستورداتها الأساسية لتغطية نهم أسواقها ووسائل إنتاجها فهي المستورد الأول في العالم للإسمنت والفحم والفولاذ والنيكل والألمنيوم وتحتل كذلك المرتبة الثانية في استيراد النفط بعد الولايات المتحدة.

تعد الصين اليوم سادس اقتصاد عالمي، وتمثل قاطرة للنمو العالمي. وما من شك في أن أي اضطراب اقتصادي داخلها سيلقي بظله على الاقتصاد العالمي، ومع ذلك يعلن رئيس الوزراء الصيني أن بلاده لا تزال تنتمي للبلدان النامية وتحتاج لنصف قرن على نفس إيقاع النمو لتتحول إلى بلد متوسط التطور (صحيفة البايس الإسبانية 6-6-2001).

لكن انفراج ثمانينات القرن المنصرم لم يستمر، إذ تغير الوضع فجأة مع انتهاء الحرب الباردة (1989) وقيام نظام عالمي أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة. هكذا تبددت أوهام السلام العالمي، وجاء تزايد التدخلات الأميركية في العالم مثل الشرق الأوسط وتعزيز الوجود العسكري الأميركي في آسيا والمحيط الهادي لتقضي على آمال الصين بتحقيق سلام في محيطها الاستراتيجي ولم تصمد نظريتها في السلام والتنمية على وقع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والحملة الشرسة التي قادتها بعد أحداث ساحة تيان آن مين في العام 1989.

مع ذلك، واصل بينغ سياساته خشية وقوع مواجهة أميركية – صينية تفسد عملية التنمية في البلاد، رغم إدراكه للتحولات الجوهرية التي أخذت تسم النظام العالمي. لقد كان بديل الشرعية الإيديولوجية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية هو تنمية مستديمة تضمن استمرار النظام داخلياً، مما يعني طمأنة الغرب. على هذا النحو تخلت الصين عن راية أيديولوجية تدافع عن العالم الثالث ضد هيمنة الغرب ونظامه العالمي. أدى ذلك إلى انخفاض قدرة الصين على المناورة الاستراتيجية وضرب مصالحها الجيوسياسية (الأزمة الكورية الشمالية، غزو العراق) بفقدانها للدعم الاستراتيجي لحلفاء سابقين من الدول النامية. ومع ذلك كان لذلك التراجع فوائده التالية: رفع العقوبات بعد العام 1992، حصولها على صفة الدولة الأكثر رعاية من الولايات المتحدة وتزايد في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبالتالي تعزيز ديناميكية نموها الاقتصادي.

لكن الولايات المتحدة وفي سياساتها الهادفة لتطويق القوى الاقتصادية الصاعدة تكثف من انتشارها العسكري في شرق آسيا وتعزز تعاونها العسكري مع اليابان ودول جنوب شرق آسيا وتحسن استغلال ورقة تايوان بما يضيق هامش المناورة أمام سياسات الصين ومصالحها الاستراتيجية (خطوط النقل البحري، إمدادات النفط والمواد الخام…).[4]

داخلياً، لم يتحقق هذا النمو إلا على حساب البيئة والعدالة الاجتماعية، بل وحتى على حساب الأمن الوطني. فالإصلاحات الاقتصادية فاقمت من خلل التوازن الاجتماعي ومن الفساد والفجوة المتسعة بين الدخول وتزايد معدلات البطالة التي ساهمت في خفض الطلب الداخلي العام. وربما فشلت استراتيجية «مبادلة التقنيات بالسوق الداخلية» لصالح الشركات عابرة القومية وعلى حساب قدرات البحث والتنمية في الداخل[5]، مؤدية إلى دخول الصين حلبة المنافسة مع بعض بلدان العالم الثالث للحصول على المساعدات الأجنبية المباشرة، مما زعزع الثقة القديمة المتبادلة ودفع قادتها لاعتماد سياسة مزدوجة في مواجهة سياسة الاحتواء الأميركية، وهي تحقيق مصالحة مع واشنطن إضافة لمفاقمة التناقضات في محيطها الإقليمي والعودة لتبني علاقات متميزة مع روسيا لمواجهة أي خطر محتمل أميركي أو ياباني في شمال شرق آسيا. وقد أطلق جيانغ زين مين على هذه السياسة تسمية «ديبلوماسية القوة العظمى».

هل لهذا الخيار أي مستقبل؟ إن الصين أبعد ما تكون عن احتلال موقع في التحالف الياباني الأميركي أو الأوروبي الأميركي ولن تؤدي العلاقات الاقتصادية الوثيقة إلى توافقات سياسية، فالتنافس الشرس بين بلدان الثالوث (الولايات المتحدة، اليابان، أوروبا الغربية) على دخول أسواق الصين لا يمنح الأخيرة إلا هامشاً ضيقاً من المناورة ولكنه يبقى محصوراً في المجال الاقتصادي.

رغم انفتاحها الاقتصادي الواسع، فقد بقيت الصين حصينة ومنيعة على مطالب المؤسسات المالية الدولية، عملتها اليوان (الرينمنبي) غير قابلة للتحويل، رقابة صارمة على تدفقات رأس المال، وحمائية صارمة للأسواق الداخلية، لكنها في مواجهة تباطؤ الطلب الداخلي سعت إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (2001) لجذب المزيد من الاستثمارات والمحافظة على معدل النمو، مما سبب ضغوطاً إضافية من القوى العظمى خلال مفاوضات انضمامها إلى المنظمة.

إذن إلى جانب تراخيها الديبلوماسي الخارجي، تواجه الصين أزمة اجتماعية سياسية داخلية متفاقمة تعطي لتأمين الاستقرار الداخلي والإمساك بزمام الوضع أولويةً راهنة وقصوى، مما يوحي بأن التوازن السابق بين انفتاح السوق وانغلاق السياسة أمر غير قابل للاستمرار.

إن التوصل إلى حل التناقض بين انفتاح الاقتصاد ومصادرة الحياة السياسية هو أمر مفتاحي. وهو ما سيحكم في النهاية مسار تطور الصين داخلياً وخارجياً، فمنطق الاستبداد يطال حقولاً أخرى غير حقل السياسة، سواء اتخذ شكل العنف العاري، 1989، أو شكل العنف المستتر، ويتجلى في ظاهرتين أساسيتين، الفساد المستشري على نحو معمم والدمار البيئي الذي يهدد بعواقب وخيمة في المستقبل. لكنّ المنطق نفسه استطاع تحييد شرائح اجتماعية واسعة، الفلاحين في مرحلة سابقة، وبعث فئات جديدة في مرحلة لاحقة، طبقة وسطى وبرجوازية استثمارية عززت القوة العسكرية التي يستند إليها النظام.

يتمفصل جذر هذه القوة في الدافع القومي، وإن اتخذ ظاهر إيديولوجية اشتراكية، وقد كان المحرك الأساسي في صراعات الداخل والخارج منذ الصراع مع الامبريالية اليابانية بدايةً والامبريالية الأميركية لاحقاً ثم “الامبريالية السوفياتية” تالياً، قبل أن يتخذ دعوى الأمة التي تبحث عن مكانتها الطبيعية بين الأمم.

كانت مفارقة البديل الاجتماعي للرأسمالية، أي الاشتراكية، منذ البدايات(1917) والذي اتخذ سمة عطب جوهري، هي رفض نموذج التنمية الغربي والاضطرار لتبنيه في الوقت عينه ضمن بلدانٍ لم تحقق تراكمها الرأسمالي البدئي من جانبٍ، ولم يعد مسموحاً لها بفعل ذلك من جانبٍ آخر. خاصةً أنها لم تحقق تمايزاتها الطبقية على نحوٍ حازم. الأمر الذي أبرز منذ البداية منطق السلطة المطلقة الذي يحسم ما تقوم بحسمه عادةً الصراعات الطبقية في سياقها التاريخي. يستند هذا المنطق بصورةٍ أساسية إلى فكرة الدفاع عن الأمة، وفكرة تحديثٍ هي وسيلة هذا الدفاع وهدفه. لقد كان الخيار القومي رافعة الوصول إلى السلطة باسم الاشتراكية (يوغوسلافيا، الصين، فيتنام، كوبا)، ثم عاد ليكشف وجهه دون زينة، وإن اتخذ اسم “اشتراكية السوق”: أصحاب المليارات من طرف، ومئات ملايين الفقراء الجدد في المدن، تقف خلفهم مئات ملايين أخرى أكثر عوزاً في الأرياف.

أمام ضغوط الداخل الاجتماعية والاقتصادية، والخارج السياسية والاقتصادية، تخلت السلطة عن رقابتها الكلية, الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية, لتتمكن من فرض خياراتها الكبرى، ووسائل فرضها كذلك. لكنها تمسكت باحتكار مطلق لوسائل القمع واستخدامها الاعتباطي.

بدأنا بالمحطات التاريخية، ونختم بالأرقام الإحصائية لتتحدث عن نفسها: صين اليوم تعدّ 1300 مليار نسمة. بلغ ناتجها المحلي الإجمالي في العام 2000 ما مقداره 995 مليار دولار، ومعدل زيادته السنوية يتراوح بين 8 و9 بالمائة. يقدر تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العام 2004 بمبلغ 70 مليار دولار، وفي العام 1999، بلغت ديونها 154 مليار دولار، رغم أنّ احتياطياتها من العملة الصعبة تعادل 600 مليار دولار. يعتقد أنّ استهلاك الصين من الطاقة بعد عقدين من الزمن سيوازي ما تستهلكه الولايات المتحدة واليابان اليوم. وهي ثالث مستوردٍ عالمي، ورابع مصدر عالمي. بين العامين 1995 و2002، خسرت الصناعة الصينية 15 مليون وظيفة، أي ما يعادل 15 بالمائة من القوة العاملة في البلاد. 16 بالمائة من السكان يعيشون بأقل من دولار يومياً، و47 بالمائة بأقل من دولارين يومياً (البنك الدولي، 2003). أخيراً، رغم توقيع الصين على بروتوكول كيوتو، فهي تعد البلد الثاني الملوث للبيئة عالمياً، وهي مؤهلةٌ لحيازة المرتبة الأولى.

ظاهر النجاحات الحالية لا يشكل ضمانةً للمستقبل، فثمة استياءٌ واسع لدى الغالبية الفلاحية وتفاقمٌ في التوترات الاجتماعية داخل المدن – مهاجرو الأرياف، العمل والبطالة والاستغلال الوحشي لقوة العمل – مشاكل بيئية، سعي لتأمين مصادر الطاقة والغذاء، وأخيراً، استشراء الفساد.

إن السؤال الملح هو كيفية إخراج مليارات البشر من التخلف دون السقوط في نموذجٍ إنتاجوي واستهلاكي مماثل للنموذج الغربي الذي يدفع بالكرة الأرضية والبشرية جمعاء نحو الهلاك.

[1]Selected Works of Deng Xiaoping, vol. 3, pp. 350-351

[2]Li Shenzhitalks about PRC’s diplomacy, www.cmilitary.com

[3]
9.7% في النصف الأول من العام 2004 مقابل 2.3% لفرنسا.

[4] 30-12-2002 Andrew Murray, “Challenge in the East “ The Guardian
[5]Peter Nolan, “China, the US, and trhe WTO :Battle of the giants or defeat of the pygmies” 2001

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق