الضحية والجلاد، قراءة في بنى التعذيب وتقنياته

في الفصل الأول من كتابه “المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن”، والمعنون بـ”أجساد المحكوم عليهم”، يدخلنا فوكو مباشرة ضمن تضاعيف لوحات متتابعة ترسم وتسرد قصة تعذيب ذلك التعس المدعو داميان(1) Damiens، منذ أن كان محمولا على عربة العرض التي تخترق به شوارع باريس لتصل به إلى ساحة الإعدام. وفي كل ذلك، يمارس فوكو لذة خارقة في إعادة إحياء فصول التعذيب لحظة بلحظة، حسب إيقاع تقطيع الأوصال وتمزيق أعضاء المسكين.

وهنا، يحاذي التحليلُ الوصفَ. وفيما يوغل الأول في سرد المشهد بأدق تفاصيله، يقدم الثاني لوحاته بحجمها الطبيعي المباشر، وبنفس الأسلوب المميز لفوكو، والذي يعبر عن نتائج التحليل، ليس بالمعنى العلّي، وإنما بالمعنى البصري. ومن ثم، فإن كلا من التحليل والوصف يسيران معا في طريق واحد، ففيما يهتم التحليل بأدقّ جزئيات السلطة Le Micro-Physique يعني الوصف بالاستثمار السياسي لجسد المعذب المكلوم المنصوب على خشبة الإعدام.

ويؤكد فوكو أيضا أن جسد داميان المعذب سيظل هو ذاته دليل الجسد الآخر الانضباطي، حتى عندما ينتقل من مرحلة التعذيب الماديّ المباشر، والمعروض جماهيريا إلى نوع التعذيب الآخر (الناعم) الموجه إلى روح هذا الجسد. فالسلطة هي السلطة دائما ما تنتج عملية البغي باستمرار ولا فرق في الحقية بين هذا التعذيب الذي تعرض له داميان، والذي يشبه إلى حد بعيد تلكم التصفية الدموية التي تعرض لها الحسين بن منصور الحلاج (قتل 309هـ) في تاريخ الإسلام، حيث الجسد مستباح تقطع منه الأعضاء والأوصال عضوا عضوا، وبين هذا التعذيب الآخر المستحدث الذي تتعاون عليه المجتمعات الانضباطية المعقلنة، ذاك الموزع بعدالة ومعرفة أيضا، سواء في جغرافية الجسد الخارجية أو الداخلية (الروح).

ففي الحالين معا، يحلّ الجسد الانضباطيّ (العاهل، السلطان، الرئيس) مكان الجسد المعذَّب لتتأكد الجماهير الحاضرة لمجرى التعذيب كيف أنه حام وقويّ وحاضر على الدوام. ليس المستهدف إذاً من وقائع التعذيب ذاك الجسد المصلوب، وإنما منْ يحضر ويشاهد وقائع التعذيب في الواقع.

وقد باتت وقائع التعذيب المنتشرة في السجون والمعتقلات العربية تثير العديد من التساؤلات حول مضمونها ودوافعها، فضلا عن إثارتها قلق المنظمات الحقوقية وكافة المدافعين عن منظومة القيم والكرامة الإنسانية. فما هي الأسس التاريخية لبنى التعذيب؟! وما أهمّ النظريات الفلسفية التي أولت سياقات التعذيب ومقارباته المنهجية اهتماما ملحوظا؟! وإلى أيّ مدى يمكن الحديث عن التعذيب المعاصر كتقنية تعتمد العديد من الآليات العقابية وتوقع الجزاءات المادية والمعنوية بحق الجسد أو الروح أو كليهما معا؟!
ومن هو المستهدف أساسا من عمليات التعذيب؟! وما فحوى الرسالة التي يحملها جسد المعذب فيما هو مصلوب على الجذع أو فوق مداخل الميادين؟! ومن المستفيد في المقام الأول والأخير بحوادث التنكيل اللإنساني بحق المعذبين؟! وما هي السيكولوجية الحاكمة لنظريات كل من الجلاد والضحية على حد سواء؟! هذا ما نودّ مناقشته في مقاربتنا هذه لبنى التعذيب وتقنياته. 
بداية يمكن القول، إنّ التعذيب يرتبط في المقام الأول والأخير بالسلطة ودوافعها ويمتلك وجها سياسيا أساسيا، وقلما يخلو طابع التعذيب من بصمة الفعل السياسي ورغباته وتخوفاته. وبحسب البعض فإنه يجب أن يكون التعذيب مختوما بخاتم الحاكم، أو على الأقل بخاتم سلطته.
وفي السياق ذاته يؤكد فوكو أن التعذيب هو في الأساس “مسألة سياسية وليست مسألة توازن يجب إعادته إلى المجتمع … المسألة مسألة تفارق بين فرد في الرعية والعاهل كلي القوة …، [عبر] سياسة الترهيب، وإشعار الجميع وفوق جسم المجرم، بوجود العاهل غاضبا، إن التعذيب لا يعيد العدالة إلى نصابها، بل يقوّي السلطة”.( 2) حيث تنغرس في نفسية الجماهير مشاعر الخوف والهلع والذي يأتي “بعد فوات الآوان، البعض يتأثر به، والبعض الآخر لا يتأثر.. فليس الهلع رعبا مقدسا – كما يزعم البعض- ولا مكونا فطريا في نفس الفرد …، إنه نتيجة لعدم إعداد الجماعة نفسيا لتوقع الأخطار”.(3 )
وملاحظة فوكو هذه على قدر بالغ من الأهمية، حيث لا تتعلق وقائع التعذيب في الغالب بالعمل على سيادة القانون وإنصاف المظلوم أو إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإنما ترتبط بالعكس من ذلك تماما. فكما أن المستهدف ليس جسد المعذب الضعيف، كذلك ليس المستهدف من التعذيب إرساء قواعد العدل والإنصاف وإنما تثبيت السلطة وإدامة وجودها والأهم من هذا وذاك إشعار رعاياها بأنها لا تزال قوية وحامية وأن التعذيب يعد مصير كل من يخرج عن ربقتها ومن ثم يهابها الجميع!!
لكن هذا لا ينفي أن يكون التعذيب هدفا في حد ذاته ضمن سياقات أخرى. فعلى مدار التاريخ الإنساني ابتليت الإنسانية بالعديد من الحكام الساديين الذين تصادف وصولهم إلى كرسي العرش أو الخلافة فأعملوا في رعيتهم الحرق والصلب والسلخ والقتل والتخشيب…إلخ. وقد سعى الوزير حامد بن العباس، إبان محاكمة الحلاج، على سبيل المثال، إلى إضفاء الشرعية على إعدامه، وذلك بحثِّ الخليفة على التوقيع “ليكون قرار القتل مختوما بخاتم الحاكم” من جهة، وعلى التشبث بكلمة “يا حلال الدم”، باعتبارها فتوى دينية تبيح هدر دمه باسم الشرع لصدورها من جهة قضائية ملزمة من جهة ثانية.
كان فوكو محقا إذاً في إشارته للتعذيب على أنه بمثابة “تقنية، فالموت التعذيبي هو فن إمساك الحياة في الوجع، وذلك بتقسيمه إلى (ألف موتة) قبل أن تتوقف الحياة على أشدّ حالات الفزع”.( 4) وطوال تاريخ الإسلام، إلا فيما ندر، اعتبرت السلطة السياسية التعذيب تقنية وتفننت في تصفية الخصوم من المعارضين السياسيين ورجال الدين وأصحاب الفرق والمذاهب والمتصوفة.
ويكفي كمثال بالنسبة لرجال التصوف ما حدث لكل من الحلاج والنابلسي وغيرهما، ممن وقفت لهم السلطة السياسية والدينية والثقافية بالمرصاد، فنالهم: النفي والطرد والسب والقذف والاتهام بالكفر والزندقة والإلحاد والخروج من دائرة الإسلام، كما نالهم القتل والصلب والحرق والسلخ والتصفية الجسدية الدامية.
ثمة من يرى أن العنف “هو أول مصادر السلطة، وأول أدواتها وأكثرها وحشية … وإذا كان من العنف ما هو مباشر معلن كالعنف الرسمي … فإن هناك عنفا آخر مباشرا أيضا ولكنه خفيّ غير معلن تستخدمه السلطة ولا تجاهر به … وهناك العنف الرمزي الذي يقوم على فرض دلالات رمزية معينة في حالات خاصة، وهو عنف تستخدمه السلطة وتتبرأ منه في نفس الوقت”.(5 )
وهذه الأنواع الثلاثة من العنف مورست ضد كافة قوى المعارضة، بل والموالاة أحيانا، في تاريخ الإسلام، وبالمثل مارستها قوى المعارضة هذه حين تسنى لها ذلك ضد السلطات القائمة. ذلك أن العنف الإيجابي يولد مقاومة، ونقطة الضعف الرئيسة للعنف إنما تتمثل في عدم مرونته، إنه حرب لاهوادة فيها حيث يعمل كل طرف على النيل من الطرف الآخر وتجشيمه أفدح الخسائر، ومن ثم، تستدعي السلطة غالبا كافة أدواتها اللإنسانية للتنكيل بالمعارض وجعله عبرة للآخرين، إن العنف باختصار”سلطة متدنّية النوع ” كما لاحظ بحق ألفن توفلر.(6 )
لا يتوقف العنف هنا ولا ينحصر في الجانب المادي فقط، وإنما يمارس على صعيد الفكر كذلك، ويؤكد فوكو تخفي السلطة داخل حقل المعرفة، وبرأيه، فإنّ مهمة دارس الأفكار تتمثل في الحفر والتنقيب عن الكيفيات التي تثوي بها السلطة داخل المعرفة فتجعل مفكّري فترة مّا من الفترات يرزحون في تفكيرهم، ومهما اختلفت ميادينهم، تحت ثقل تصوّر معيّن للمفاهيم والأشياء.
إن إرادة الحقيقة كما تزعمها السلطة “ترمي إلى ممارسة نوع من الضغط [العنف] على كل الخطابات الأخرى حتى لكأنّها سلطة إكراه”.(7 ) أما عن الأسباب النفسية لعنف السلطة؛ فيمكن القول بأنّ السلطة المستندة إلى العنف والإكراه “إنما تفعل ذلك لتواري بفعلها إحساسها بالنقص تجاه الآخر، وفشلها في استخدام كيفيات ووسائل أخرى أكثر مرونة، وأكثر أخلاقية”.( 8) فالخليفة المعتصم كان يحاكم الإمام أحمد ابن حنبل في القول بخلق القرآن بينما هو “أُميّ” لا يعرف القراءة والكتابة!!!
وواقع الأمر، أنّ السلطة تعمل عملها في الجسد، هذا الجسد المعذب والمعتقل والمنضبط، والذي هو على حد تعبير فوكو، “غاطس ضمن حقل سياسي، فعلاقات السلطة تعمل فيه عملا مباشرا، فهي توظفه وتطبعه وتقومه وتعذبه وتجبره على أعمال وتضطره إلى احتفالات [احتفالات التعذيب]” (9 )
فالتعذيب مراسم وطقوس “وعملية تدوين لجسد المعذب، قصد الحصول على الاعتراف بالجريمة، لذا فإنّ الاعتراف هو القطعة الأساسية من عملية التعذيب … ومن أجلها يُمارس التنكيل والتعذيب بمختلف أشكاله، ولأنّه يؤمن اقتران البرهان المكتوب والبرهان الشفوي في شكل اعتراف”.(10 )
ففي حالة الحلاج، شهيد التصوف في الإسلام، كان التّصديق على حكم إعدامه يتضمن الشكل الذي نفذ به، “وقد استعمل فيه السوط الذي يكون في الحدود كلها وفي التعزير، والسيف الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، والصلب الذي يكون في العادة لقطاع الطرق والمحاربين، والنار التي نهى عنها لأنها مثلة ثم نصب الرأس والأعضاء الذي لا يكون إلا للخارج، مع تنفيذ كل ذلك علنا وأمام الناس”.(11 ) ألم يقل فوكو بأنّ التعذيب تقنية، وأنّ الموت التعذيبيّ هو فنّ إمساك الحياة في الوجع؟.(12 )
بيد أنّ وقائع التعذيب تنطوي على إشكالية تتمثل في علنيته. وبحسب فوكو أيضا، فإن هذا الحضور هو المشكلة، “ومشكلته أنه حضور ملتبس، إذ كثيرا ما ينقلب مسرح التعذيب، من العبرة إلى التعاطف، ومن الانتقام إلى التسامح مع المجرم، وخاصة عندما يعلم الشعب أن العقوبة جائرة، وأنّ الحكم ظالم”.( 13) وهو ما حدث مع الحلاج، حيث هاجت العامة وأغمي على بعض الشيوخ وكادت الفتنة أن تقع، ففعل الحراس ما فعلوا.

 

الهوامش والإحالات
( 1) مواطن فرنسي حكم عليه في الثاني عشر من مارس/آذار سنة 1757 بأن يدفع غرامة معنوية وهي الإقرار بذنبه علنا (قتل أبيه) أمام الباب الرئيسي لكنيسة باريس. وقد تم حمله إلى منصة الإعدام، وهناك جرى قرصه بالقارصة في حلمتيه وذراعيه، وركبتيه وشحمات فخذيه، وحَملَ في يده اليمنى السكينَ التي ارتكب بها جريمته المذكورة، وحُرِّقتْ يدُه بنار الكبريت، وفوف المواضع التي قُرص فيها وُضع رصاص مذاب وزيتٌ محمي وقارٌ صمغي حارق، إضافة إلى شمع وكبريت ممزوجين معا، ثم مُزق بعدها جسده وقُطِّع بواسطة أربعة أحصنة، وتلفت أوصاله فيما بعد وذُري رماده في الهواء.
(2 ) ميشيل فوكو: المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ترجمة علي مقلد مراجعة وتقديم مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990، ص 71.
(3 ) يانيك بور دوازو: الهلع: خوف قاتل، ترجمة: جوزيف عبد الله، مجلة الثقافة العالمية، السنة الأولى، المجلد الأول، يناير، 1982، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 10.
(4 ) المصدر السابق، ص 120.
(5 ) سالم القمودي: سيكولوجيا السلطة، مؤسسة الانتشار العربي، لندن – بيروت، الطبعة الثانية، 2000، ص 65.
(6 ) آلفن توفلر: تحول السلطة من  العنف والثروة والمعرفة، تعريب: د. فتحي حمد بن شتوان، نبيل عثمان، مكتبة طرابلس العلمية، الجماهيرية الليبية، الطبعة الثانية، 1996، ص 30.
(7 ) ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، 1984، ص 15.
(8 ) سيكولوجيا السلطة، مصدر سابق، ص 65.
(9 ) المراقبة والمعاقبة …، مصدر سابق، ص 64.
(10 ) الزواوي بغورة: مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2000، ص 220.
(11 )الحلاج: ديوان الحلاج، تحقيق ودراسة وتفسير: كامل مصطفى الشيبي، منشورات أسمار، باريس، 2005، ص 56.
(12 ) المراقبة والمعاقبة، مصدر سابق، ص 71.
(13 ) مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو، مصدر سابق، ص 221، 222

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق