الطائفية في مصر

إنّ الحضور الذي فرضته مشكلة الطائفية في مصر يعني أنها قد أصبحت في مركز الحدث والاهتمام؛ بقوّة اندفاعها الذاتي الذي تحركه ديناميكيات لم تعد قوّة السلطة المتلاشية قادرة على احتوائها في إطار سياسي يخرجها من اختصاص الدولة ليخص بها السلطة وحدها.

ولئن كانت هناك – مع هذا العامل- مجموعة متنوّعة من العوامل التي ساهمت في اندفاعها العنيف؛ فإنّ العامل الأكثر أهمية في إبقائها حيّة هو امتلاك المسلمين والعرب لثقافة عداء للغرب لأسباب موضوعية؛ جعلها تكمن في صلب رؤية المسلمين لذاتهم، وبالتالي رؤيتهم للآخر. إنّ ردّ فعل الطائفة الأصغر قد خلقته حالة العداء والتضييق من الأكثرية تجاه الأقلية، فلم تكن الأقلية لتكبت لولا ما تقوم به الأكثرية المتحكمة بنواحي الحياة كافة، من تضييق على من يدعون “بالإخوان النصارى”.

وكان ظهور هذا التضييق نتيجة لاعتبارهم وكلاء للغرب وممثلين له في بلاد يجب أن تكون طاهرة، يتحقق طهرها عندما تنجح في إقامة حاجز ديني يفصلها عن الغرب الرجس، وعن وكلائه في بلاد الإسلام، وعلى هذا الفصل إنما يقوم فكر التكفير الذي أطلقه أبو الأعلى المودودي، و قام بإنتاج نسخته العربية سيد قطب مفكّر الإخوان المسلمين الأهمّ.

وإن تلمس موضوعية هذه الظاهرة يأتي بالتحديد من تتبع تاريخه، حيث نستطيع الفصل بين مرحلتين، ما قبل رحلة نيويورك وما بعدها. فقبلها كان قطب ناقداً أدبياً لامعاً، لكنه عاد ليعمل على بناء ذلك الحاجز الثقافي الذي يمتلك ثوابت الدين؛ والذي ندفع ثمنه الآن.

إنّ عدم قدرة عقول تعاملت مع الحداثة بإيجابية في بدايتها، مثل عقلي المودودي وسيد قطب، على إنتاج وعي يمتلك القدرة على قراءة الغرب والتعامل معه بالإيجابية المطلوبة، إنما يدل على أن ما جابهاه كان أمراً أكبر منهما، ولهذا يجب أن نبحث – ربّما – عن الأسباب في جذور غرزت نفسها في تربة العلاقة ما بين الحضارتين.

لقد اقتحم الغرب حضارة الإسلام حاقناً نفسه في دمائها، من خلال قدرته على تغيير نمط الحياة فيها بصورة دراماتيكية، لدرجة جعلت القيم التي كانت سائدة في بلاد الإسلام تصبح أكذوبة أمام أهلها. تلك القيم التي صاغها تاريخ تلك الحضارة في صيغ ثقافات تحمل للناس حلولاً لمشاكل اندماجهم في المجتمعات القائمة؛ وتحوّلهم إلى أفراد فاعلين فيها، وذلك عند نجاحهم في تحقيق التكيف النفسي والاجتماعي والمعرفي مع شروط للحياة نشأت من القدرات التكنولوجية لتلك الحضارة. ولكنّ الاكتساح الشامل لذلك النمط الذي نتج عن دخول تكنولوجيا غريبة قصّرت المسافات وضغطت الأزمنة، وأعادت صياغة الرؤية الكونية للعالم، همّش ثقافاتها، ففقدت القدرة على أن تصنع ذلك التكيف الذي يخلق فاعلية الإنسان المسلم.

لقد توجّب على المسلم أن يعيش شرطاً زمانياً متخيلاً، يأتي من زمن آخر، وذلك أثناء بحثه عن الحلول في ثقافات بائدة، وذلك بالتوازي مع ثقافات جاءته على حوامل مادية لا تقاوم، ولكنه لا يمتلك القدرة على اختراقها، وتحقيق تكيفه الثقافي والاجتماعي والمعرفي باستعمالها، فكان عليه أن يتشظى ليصبح قدره الضياع بين البحث عما يحقق لحمة واهمة لذاته، أو تفكيكها نهائياً لإعادة إنتاجها غريبة كل الغرابة عن متخيله.

وهكذا اكتسب الصراع ضد الغرب وجوداً موضوعياً قائماً على عدم قدرة المسلم على تخطي ذلك الصراع، أي على موضوعية الصراع ذاته. ونشأ فكر التكفير كاستجابة موضوعية لذلك الظرف، ففي فكر التكفير يقع العدو موقع المحور، لأنّ الصراع يصبح مطلوباً لذاته، وليس للقضاء على العدوّ، إنه يلعب دور حامل لمشاعر الكراهية والغضب والحقد، وهو الذي سيسمح للتكفيري أن يرى ذاته المتشظية كلاً كاملاً، وأن يراها متفوقة عمن يشعر تجاهه بالنقص.

إن وجود العدوّ في صلب فكر التكفير إنما سيسمح للتكفيري بتحقيق تلك اللحمة الواهمة لذاته. إن التطرف في جوهره هو انتقال من حالة عجز سببها ظرف ما إلى الحالة المعاكسة تماماً أي حالة الفاعلية الخارقة.

ولكن تحوّل هذه الرؤية إلى ثقافة اجتماعية تقدم للبشر حلولاً إنما يتطلب ظرفاً مجتمعياً حاضناً يفقد فيه المجتمع توازنه، ويبدأ بالبحث عن حلول تتحرك بين النقيضين. لم تكن المشكلة في نشأة ذلك الفكر، ولكنها كانت في تحوله إلى ثقافة ذات طابع شمولي تمفلصت مع الظرف السياسي الذي أوجدته الديكتاتوريات الشمولية، بل لقد وصلت درجة تمدد هذا الفكر إلى أنه احتكر لفترة طويلة عملية الصياغة الفكرية لدى كمّ هائل من المسلمين للموقف من الغرب.

لقد مرت عديد مجتمعات العالم الثالث بمثل هذه الظروف، مثل الهند والصين ودول جنوب شرق آسيا، ولكنها تعاملت معها بطريقة أكثر توازناً ممّا حدث في بلادنا، ولعل السبب هو أن ثقافة التطرف لم تطغ على بقية الثقافات الاجتماعية التي- وإن حملت نفس الجروح – قد نجحت في خلق توازنها الداخلي الذي قام في معظم الحالات على توظيف ما يمكن توظيفه من القديم في خدمة حداثة ليست بالغة التقدم، ولكنها تسمح للجميع بأن يكونوا جزءاً منها.

ولعلنا نرى الآن بوادر لعودة مثل هذه التوظيفات فيما يقدمه الصوفيون المصريون من صور بالغة الروعة في دعوتهم للإخاء بين الطوائف، ودعوتهم لإقامة الدولة المدنية وغيرها. فالصوفيون ليسوا حداثيين بالمعنى المعاصر للكلمة، ولكنهم يمتلكون رؤية إنسانية أنتجتها الثقافات القديمة في بلادنا، وهي تشكل عندهم مدخلاً لعالم جديد لا مكان فيه للتطرف، عالم تسود فيه أفكار محيي الدين بن عربي الذي وجد بعد خوضه للتجربة الصوفية أن قلبه مفتوح للنصارى واليهود بل حتى “لمعبد بأوثان”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق