الطابع الاحتلالي للتبادل بين نظام ومعارضة / حسام عيتاني

عاد الشاب السوري المُفرج عنه في عملية التبادل بين النظام و «الجيش الحر» الى بيته بعد ساعات قليلة. جلس صامتاً رافضاً الحديث عما مرّ به، ثم استلقى ومات.

«هكذا افراحنا» كتبت قريبة له على صفحتها على «الفايسبوك»، مختصرة حياة السوريين اليوم بالغصة التي تعتمل في حلق كل من فقد عزيزاً بعد معاناة. الحزن على موت الشاب سبق الفرح بخروجه من زنازين النظام.

المشاهد الآتية من دمشق، من أمام مقرات الشرطة، تقول ان شباناً برزت عظامهم من تحت جلودهم جراء الجوع، بعضهم يحمل آثار جروح حديثة، وأكثرهم يرتدي ما لا يكاد يستر عورته، راحوا يخرجون من جوف حوت السجن الذي لم يفتح شدقه إلا ليبادلهم «سيد الوطن» بثمانية وأربعين ايرانياً، دخلوا احد فنادق دمشق الفاخرة بكامل صحتهم وبثياب دافئة. بعض الشبان الذين خرجوا من مقر الشرطة في دمشق، لم يجدوا احداً في انتظارهم باستثناء عطف المارة وأصحاب المحال القريبة من المكان الذين سارع بعضهم الى تقديم ثياب وأغطية لتقي من تبقّى حياً بعد المرور بجحيم السجن، برد العاصفة الثلجية العاتية.

لا نعرف كم من المعتقلين عاد الى اهله ليموت كما مات الشاب مقهوراً بعدما ذاق من العذاب والذل ألواناً. ولا نعرف ما الذي أثقل على قلب الشاب ليتوقف بعد ساعات من حصوله على الحرية. لكن ما نعرفه أن قسماً كبيراً من المفرج عنهم لم يكن من الناشطين السياسيين ولا من العاملين في صفوف الثورة السورية في أي شكل من الأشكال. كان ممن رماهم قدرهم الأسود بين ايدي أجهزة الامن و «لجانها الشعبية»، في صدف تكثر في أيام الحروب.

اكثر من ألفين ومئة معتقل سوري، خرجوا من المعتقلات في ظروف بائسة، تدين السجّان وكل المنظومة الحاكمة في سورية التي لم تجرؤ على تقديم توضيح واحد لمبررات هذه العملية، بعدما تأكد ان النظام رفض مرات ومرات مجرد التفاوض على مبادلة ناشطين معارضين معتقلين لديه بضباطه وجنوده الذين وقعوا في قبضة قوات المعارضة، ومن بين الأسرى ضباط رفيعو المستوى وملاحون أُسقطت طائراتهم اثناء تنفيذ اوامر «القيادة الحكيمة» بقصف المواقع المدنية والمخابز.

وأن تبادل دولة ذات سيادة الإفراج عن أكثر من ألفين من أبنائها الذين أنزلتهم سجونها مقابل عدد من الايرانيين الذين يحيط الغموض بسبب وجودهم في سورية، علامة ابتلاء ومصدر حزن كحزن السيدة التي رثت قريبها بدل ان تفرح بتحريره من المعتَقَل. ذلك أن في عملية التبادل إشارات كالحة السواد الى ما ينتظر سورية التي يقول حاكمها وحلفاؤه انها ترفض كل أشكال التدخل الخارجي.

ويبرز تعامل السلطات السورية القيمة الحقيقية التي توليها لجنودها وضباطها حتى لو كانوا من طائفة الرئيس. فهؤلاء الفقراء العلويون الذين وجدوا أنفسهم بين حدّي البطالة او الانضمام الى القوات المسلحة وأجهزة الأمن، لا يعنون الكثير بالنسبة الى النظام الذي يعيد جثثهم بالمئات الى ذويهم في قرى الساحل المعدمة التي لم تر شيئاً من منجزات «الحركة التصحيحية» غير حملات التخويف من الآخر والتطويع في «أجهزة القوة» التابعة للنظام.

مقابل الاحتقار هذا لمواطنيها السجناء ولجنودها الاسرى في ايدي المعارضة، أبدى نظام بشار الأسد كل الاستعدادات لوساطتين من صديقين سابقين باتا من أشد الأعداء له: قطر وتركيا. فالأنباء عن الصفقة جاءت من ممثل هيئة اغاثة إسلامية تركية في دمشق، هي الهيئة ذاتها التي أرسلت سفينة «مرمرة» الى غزة في 2010، والتي ترتبط بعلاقات وثيقة بحزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان. كما أعلن ان الحكومة القطرية تدخلت بناء على طلب إيراني.

ومقابل العنجهية والصلف اللذين أظهرهما النظام في التعامل مع الاقتراحات بمبادلة أسراه لدى «الجيش الحر»، لم تجد طهران حرجاً في اللجوء الى كل من يمكن ان يقدم مساعدة لها في سبيل الإفراج عن رهائنها، من رجال الدين الشيعة اللبنانيين المؤيدين للثورة السورية إلى الهيئات الانسانية التركية مروراً بكل ما يمكن تصوره من اجهزة امن واستخبارات في طول المنطقة وعرضها.

المقارنة السهلة بين حرص الحكومة الايرانية على استعادة مواطنيها، حتى لو لم يكونوا كوادر في «الحرس الثوري» جاؤوا يقدمون الاستشارات الامنية والعسكرية لقوات الأسد، على ما بات شائعاً، وبين احتقار النظام السوري لحياة مواطنيه، هي النقطة الأولى التي تميز بين الدولة والتشكيل المافيوي الحاكم. النقطة الثانية هي رضوخ الأسد للضغوط الايرانية بالتفاوض مع المعارضة المسلحة في واحد من أغرب فصول الثورة السورية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بمعنى «الداخل» و «الخارج» بالنسبة الى بشار الاسد ومن هم اهل الداخل وأهل الخارج وما هو التدخل الخارجي المرفوض؟ الجواب حملته عملية التبادل ذاتها. فالداخل، هو داخل النظام وما يؤثر في عمله وهاجسه في البقاء عنوة على رقاب السوريين. والخارج هو كل ما عدا ذلك. عليه، يكون الايرانيون المفرج عنهم، هم «المواطنون» الحقيقيون في دولة الاسد. أما الشاب الميت كمداً وقهراً، فلا مكان له ولأمثاله من الملايين البائسة في هذه البلاد.

انه الاحتلال في أبسط صوره ومعانيه.

 

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق