الطاهر الحداد..الفتى الطليعي

لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين”
طه حسين


عاجل الموت الطاهر الحداد وهو في مطلع شبابه، فمات وقلبه يَهتِك به القهر والخيبة على بلاده التي لم تعرف حينها أهمية دور المرأة في نهضتها، ولو استمهله الموت بضع سنوات لامتلأ قلبه فرحا ورضا عن التحول الكبير الذي عمّ بلاده، وعن التقدير والتكريم الذي بادله إياه الشعب والسلطة التونسيان بعد الاستقلال. لهذا يقول عنه محمد الشرفي، وزير التربية التونسي الأسبق: “إنّ الطاهر الحداد قد رُدَّ إليه اعتباره مع استقلال البلاد وأصبح حجة كثيراً ما يُستشهد بها في الخطاب الرسمي، وأُنشئ نادٍ ثقافي يحمل اسمه، ثم إنّ كتبه تدرس بالمدارس… ولا نزاع في أنّ تلك المجلة تأسّست عمليّا على نظرية الطاهر الحداد”( 1). فمجلة الأحوال الشخصية التي صدرت عام 1956، في زمن حكم الحبيب بورقيبة، حوّلت العديد من أفكار وأقوال الحداد إلى قوانين تعطي المرأة حقوقها وتُلزِم بها الأفراد والجماعات. فالمجلة أقرت حرية الفتاة بالزواج وعدم إكراهها في ذلك، وحددت السن الدنيا للزواج (17 سنة للفتاة و20 سنة للفتى)، ومنعت الزواج العرفي وحصرته ضمن صيغ رسمية، ومنعت تعدد الزوجات، وساوت بين الزوجين في كل ما يتعلق بالطلاق وأسبابه وإجراءاته وآثاره، وفرضت عقوبات على المخالفين.


للطاهر الحداد ولجميع رواد النهضة فضل عظيم على مجتمعاتنا العربية في أي ملمح حداثي تعيشه اليوم، وبالأخص في ما يتعلق بحال المرأة العربية وأوضاعها. فقد بادروا بشجاعة وجرأة إلى مواجهة الواقع المزري الذي كانت تعيشه المرأة حينها، من خلال المطالبة بقوة وإصرار بتحريرها وإخراجها من ظلمة حجابها، حيث حبسها المشايخ والفقهاء والذكور المحافظون. وقد تكبد أولئك الرواد من جراء ذلك تبعات مواجهة السلطات الدينية والمدنية التي قمعتهم واضطهدتهم بأبشع الأساليب، فالطاهر الحداد، مؤلف كتابنا هذا، اتهمه مشايخ وأئمة جامع الزيتونة في تونس بالمروق والإضرار بالأمة، وقاموا بمحاكمته ومعاقبته على آرائه الواردة في هذا الكتاب. وقد لقي نفس المصير، وبنفس الفترة، علي عبد الرازق، حيث حاكمه شيوخ وأساتذة الجامع الأزهر في مصر على كتابه “الإسلام وأصول والحكم”. كذلك اضطر الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى مغادرة تونس هرباً من الاضطهاد والضغوط التي مارسها عليه وجهاء الزيتونة بسبب آرائه الجريئة والمخالِفة لآرائهم، وحصل غير ذلك الكثير لآخرين من أمثال هؤلاء. وعلى الرغم من مرور قرن من الزمن على مثل هذه الأحداث فإنه لم يتغير الكثير من تبعات هذه الممارسات إلى يومنا هذا، بحيث مازالت كتب الطاهر الحداد وعلي عبد الرازق ممنوعة من دخول أكثر من بلد عربي حتى الآن. ومازالت أيضا، وستبقى لبعض الوقت، قضية تحرير المرأة ومساواتها مع الرجال من منظور حقوق الإنسان ميدان صراع محتدم، تدور فيه معارك طاحنة بين الحداثيين والأصوليين، يشارك فيها الرجال والنساء، ومازال يذهب ضحيتها طليعيون حداثيون ومناصرون لحرية المرأة وحقوقها، تقام عليهم الحدود ويتم تكفيرهم وتخوينهم ويُضطَهَدون من السلطات الدينية ومن السلطات المدنية المتواطئة مع المشايخ ورجال الدين، الذين يدركون بأن خسرانهم لحصارهم على المرأة وحجبها عن المجال العام وسيطرة الرجل عليها قد يتأدى إلى الإطاحة بسلطانهم على المجتمع عموما. فهؤلاء يتخذون من الحَجْر على المرأة وحجبها وسيلة فعّالة للسيطرة والتحكم  بالرجال، فضلا عن النساء، يتذرعون بها لاتهام الرجال في دينهم إذا اقتضت الضرورة، جاعلين من حجب النساء مقياس إرضاء الله والامتثال للدين، علاوة على استغلالهم الموقف من المرأة لاستثارة ذكورية الرجال بالتلويح لهم بحقهم في القوامة على النساء.
لهذا، وعلى الرغم مما يبدو لنا من مكاسب مهمة نسبيا حققتها المرأة العربية قياسا بما كانت عليه جداتها في بدايات القرن الماضي، فإن المرأة المسلمة وغير المسلمة في البلاد العربية ما زالت إلى يومنا لم تنل كامل حقوقها، مع تفاوت في انتهاك حقوقها بين بلد وآخر، وحتى بين مدينة وأخرى في نفس البلد. ففي المملكة السعودية ما زالت المرأة ممنوعة من أغلب الحقوق وأبسطها، كقيادة السيارة مثلا، وفي سوريا مازال مسموح تعدد الزوجات، ومازالت المحاكم تصنّف جريمة قتل الذكور نساء عائلاتهم في عداد جرائم الشرف، وتمنح هؤلاء القتلة أحكاما مخفَّفة، وفي مصر يمكن للمحاكم تطليق المرأة المسلمة رغما عنها من زوجها إذا أُنكر عليه إسلامه، وفي لبنان، البلد العربي المتعدد الأديان، ليس مسموحا فيه الزواج المدني، وبالمقابل، وحدها المرأة التونسية تتمتع بنسبة من الحقوق لا تقاربها النساء في أي من البلدان العربية. ويعود الفضل في ذلك إلى شجاعة النخبة السياسية والثقافية التونسية التي ناضلت في سبيل ذلك إلى أن تم وضع مجلة الأحوال الشخصية التي أقرت للمرأة حقوقا متساوية مع الرجل في الكثير من الجوانب.
عقابا على كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، المنشور عام 1930، قامت السلطات بطرد الطاهر الحداد بأمر ملكي من قاعة امتحانات مدرسة الحقوق، التي عاد إليها بعد انقطاع. ويذكر الشرفي في كتابه أن الحداد “لقي التشنيع به من قبل علماء الجامعة الزيتونية، التي سحبت منه الشهادة العلمية التي كان قد تحصّل عليها فيها عن جدارة”، كما قامت الزيتونة “بنشر كتاب ينقضه ويعارضه، حبّرهُ أحد أساتذتها التقليديين” بعنوان “الحِداد على امرأة الحدّاد” لمحمد الصالح بن مراد، كذلك نشر الشيخ عمر البرّي المدني كتابا آخر في مواجهة الحداد بعنوان “سيف الحق على من لا يرى الحق”، بل يقال إن وجهاء الزيتونة طالبوا بإخراجه من الملّة ومنعوا عليه حق الزواج. لكنه، على الرغم من كل هذا ومن الحصار الذي فُرض عليه، فإنه لم ييأس ولم يتقهقر، بل تابع الكتابة في عزلته وألّف كتابا عن إصلاح التعليم الزيتوني، وكتابين آخرين ضمنهما أشعاره وخواطره، ولم تر هذه الكتب النور إلا بعد وفاته، وبعد استقلال تونس بسنوات.

معاقبة الطاهر الحداد بمنعه من العمل والدراسة أرغمته على العيش منعزلا، بعد أن انفضّ عنه الناس خشية أن يطالهم بعض الحيف من السلطات الدينية والمدنية جراء تواصلهم معه. ومات وهو في ريعان شبابه يوم 7 أيلول-ديسمبر سنة 1935 في تونس العاصمة، المدينة التي ولد فيها عام 1899 ودرس في كتاتيبها، ليلتحق عام 1911 بجامعة الزيتونة وليتخرج منها بعد تسع سنوات حاملا شهادة التطويع. وعمل بعد ذلك ماسك دفاتر في أحد دكاكين سوق العطّارين ثم كاتبا بالجمعيّة الخيريّة.


ترك الحداد الدراسة بمدرسة الحقوق التونسية بعد أن نجح في سنتها الأولى لينكب على العمل السياسي والنقابي، وليمارس كتابة المقالات الجريئة في الصحف التونسية كجريدة “الأمة” و”مرشد الأمة” و”إفريقيا”. وخلال هذه الفترة قام بإصدار كتابه “العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية”، عام 1927، الذي حجزته إدارة الأمن في بداية كانون الثاني-يناير 1928.


عاصر الحداد الجدال المحتدم الذي شهدته تونس في عشرينات القرن الماضي ودار على صفحات الجرائد حول موضوع السفور والحجاب وتعليم المرأة، والذي شارك فيه الكثيرون من التيار المحافظ الأصولي وآخرون من التيار النهضوي الحداثي، من بينهم صديق الحداد الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي دعا إلى تعليم المرأة وفقا لتعاليم السّنة النبوية، معتبرا أن ذلك واجب وأنه حق من حقوقها.
ولم تغب المرأة عن الحضور والمشاركة بجرأة وقوة في هذه المعركة. ففي 15 كانون الثاني-يناير 1924 صعدت السيدة منوبية الورتاني سافرة الوجه إلى منبر الجمعية الثقافية “الترقي” وطالبت بتحرر المرأة من الحجاب. وبعد خمس سنوات من هذه الحادثة المعبّرة، في يوم 8 كانون الثاني-يناير 1929، وعلى نفس المنبر ونفس المناسبة، طالبت السيدة حبيبة المنشاري بتحرير المرأة وأكدت أن الحجاب ليس حاميا لعفّتها، إن لم يكن نقيض ذلك، وأنه ليس من الإسلام في شيء.


في هذا المناخ كتب الطاهر الحداد كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، فكان تتويجا لتلك السجالات والصراعات، حيث عكس فيه تطور الفكر النهضوي في تونس ووعيه بقضية المرأة وضرورة تحررها لإصلاحِ كاملِ المجتمع والنهوض به من تخلفه. لهذا نجد الحداد يطرح في كتابه الذي بين أيدينا تصورا شاملا للنهوض بالأمة، معتبرا تحرير المرأة من أهم شروط هذه النهضة، ليس لكونها تشكل نصف عدد السكان فحسب، بل أيضا لأن تحريرها هو تحرير للرجل من براثن التخلف الاجتماعي الذي يصوّر له أن الدين هو ما يخوّله الحق في التحكم بالمرأة.
والحداد، بذلك، يتابع ويكمل مسيرة الرواد الآخرين الذين انبروا للدفاع عن المرأة وعن حقوقها، كقاسم أمين ومحمد عبده وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم. لكنه، ربما بسبب من كونه مناضلا سياسيا ونقابيا، فقد كان أكثر جرأة في قراءة وتفسير النص الديني القرآني فيما يخص موضوع المرأة.


وقد برع الحداد بتقسيم كتابه إلى قسمين: التشريعي والاجتماعي، كما يشير إليهما عنوان الكتاب، وذلك نتيجة إدراكه أن إصلاح حال المرأة وإعلاء مكانتها يتطلب الاشتغال في هذين الحقلين معا، ولا يمكن الاكتفاء بالتركيز على أحدهما دون الآخر. فهو يريد إعادة صياغة رؤية جديدة لما يجب أن يكون عليه وضع المرأة لتمكينها من المشاركة في المجال العام. لهذا لم يحصر رؤيته لموضوع المرأة بالبعد الحقوقي فقط، ولم يقف منه موقف المصلح الاجتماعي، بل نظر إلى الموضوع من زاوية أكثر اتساعا، من زاوية رجل دولة يتطلع إلى تحرير بلاده من تخلفها والنهوض بها. فقد وجد في وضع المرأة ومكانتها في المجتمع دليلا صارخا على تخلف المجتمع برمته، إن على صعيد أشخاصه رجالا ونساء، أو على صعيد ثقافته، وكذلك على صعيد مقدراته الاقتصادية والتنموية. فكفاحه من أجل تحرير المرأة ترافق مع كفاحه لتحرير الرجل، بل انبنى على كفاحه لتحرير الوطن من تخلفه ولتمكينه من مواكبة الغرب، الذي مكّنه تقدمه من استعمار البلدان المتخلفة مثل تونس وغيرها من البلدان العربية والإسلامية.


ويرى أن السبيل إلى ذلك هو في تحديث الشريعة الإسلامية وإعادة تفسير الآيات القرآنية وفق منظور تاريخي. لأنه يرى أن القهر المسلط على المرأة ليس ناتجا عن الدين، بل هو من فعل التاريخ، أي بقول آخر: إنه ليس مِن فعل الإسلام بل من فعل المسلمين، مستدلا على ذلك من التعارض بين الأحكام الشرعية، التي تتحكم بوضع المرأة وتخفضها إلى مكانة دونية، وبين الأحكام التي قررها الله في القرآن ولم يخالفها الرسول. معتبرا أنه لا يمكن الاعتداد بأحكام الفقهاء لأنهم بشر خاضعون لظروف عصورهم وأحوال مجتمعاتهم، لهذا يقع الاختلاف بينهم في الكثير من الأحكام. وعليه، يعتبر الحداد أنه من الضروري إعادة قراءة النص القرآني، والآيات التي يتذرع بها الفقهاء والمشايخ المناهضون لمساواة المرأة ويتخذونها دليلا على وضاعة مكانتها، وإعادة تأويلها استنادا إلى مقاصد الشريعة، والأخذ بالتدرج في سريان الأحكام الذي اتسم به الدين الإسلامي مراعاة لأوضاع مجتمع شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، وهو المجتمع الذي اتسم بالقبلية والبدائية حينذاك. وقد كان هذا التدرج بقصد تسهيل تخليه عن اعتقاداته وعاداته القديمة وتبنّي ما يدعو إليه الإسلام من مساواة وعدل. لهذا احتاج الإسلام في بداياته إلى بعض المرونة والتراخي في بعض أحكامه وتشريعاته في المواضيع التي كان من شأنها أن تغضب المسلمين الجدد، وتحول دون وفود آخرين إلى رحاب الإسلام.
ومن هذا المنظور تحديدا استحضر الحداد قضية الرق، التي حللها القرآن، ومع ذلك تم التخلي عنها لاحقا لتناقضها مع جوهر الإسلام في المساواة، معتبرا أنها دليل ساطع على هذا التدرج ووجوبه، ووجوب تجديد التشريع الإسلامي بشكل عام. وطالب الحداد بلا مواربة بالتخلي عن الجانب الشكلاني للآيات التي يمكن أن تنتقص من حقوق المرأة في مقابل حقوق الرجل، واعتماد تفسير جديد لها أساسه المساواة التامة في الحقوق بين المرأة والرجل، معتبرا أنه “ليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع، مهما كان هذا العمل عظيما”. وقد استعرض في كتابه هذا جميع الآيات التي تتناول حقوق المرأة وأعاد قراءتها وفق ما رآه من مقاصد الشريعة الإسلامية ووفق مبدأ التدرج في الأحكام، ليخلص إلى أنه لا يوجد في القرآن ما يمكن أن يعطل مساواة المرأة. وهكذا علل ما يذكره القرآن في بعض آياته عن محدودية قدرات المرأة بأنه يقصد تلك المرأة في مجتمع شبه الجزيرة العربية، حيث كانت تفتقر للثقافة وللحرية. فموضوع شهادة المرأة المذكور في القرآن جاء محدَّدا بمسألة الديون التي يطول بها الأمد وتحتاج إلى الذاكرة والحساب، وهما مما كانت تفتقدهما امرأة ذاك الزمان، ولكن لا يمكن للقرآن عدم الاعتداد بشهادة المرأة ومضارعتها لشهادة الرجل في أمور قريبة تعتمد على حواسها الخارجية كالسمع والبصر، إذ لا يمكن اتهام المرأة بنقص في حواسها أو في أخلاقها.


لم يوارب الحداد في آرائه ولم يناور في مواجهة المتشددين والمناهضين لتحرر المرأة، بل عرض موقفه بوضوح وصراحة بكل ما يراه يعزز من إنسانية المرأة، لهذا اعتبر أن الحجاب هو من العادات وليس أصلا من أصول الدين بشيء.
وقد طال الحداد فضلا عن ذلك بإصلاح البنية التحتية وتهيئتها لاستقبال المرأة، كافتتاح المدارس والمعاهد لتعليم البنات، بما في ذلك التعليم المهني الذي يمكنّها من العمل، وإتاحة مجالات العمل لها لتكون فاعلة في أسرتها، معتبرا أن “نهضة المرأة هي نهضتنا جميعا”.
وهذا الجانب ليس من شان الحكومة وأعمالها فقط، بل هو من مهام المجتمع المدني، الذي تقوم به وتقوده النخبة المثقفة. فلذلك يجب “عدم الاتكال على الحكومة في تقرير مصيرنا”، بل “يجب أن نعطي المثال بأنفسنا، فنؤسس مدارس البنات طبق حاجتنا منها، فنحمل الحكومة على اتباع إرادتنا متى برهنّا أمامها على القدرة وحسن الاستعداد”.
وطالب أخيرا بتغيير المنظومة الثقافية والقيمية والعادات والقوانين بما يكفل رفع يد الاضطهاد الذكوري عن المرأة. فتغيير “العقليات” المتخلفة ضروري لأن العلم وحده لا يكفي “فمهما بلغت درجته ليس إلا سلاحا يحتاج إلى روح وإرادة يستعملانه للظفر بالحياة،… وهذه الروح وتلك الإرادة ليستا إلا ثمرا خالصا للتربية الفاضلة”. وهذه الروح التي تحدث عنها الحداد منذ قرابة المئة سنة ما زالت إلى اليوم غائبة عن معارضي الحداثة، بكل تلاوينهم، ممن يريدون الأخذ من الغرب نتاجه العلمي ورمي الروح والثقافة التي أنتجت هذا النتاج.
ولا بد ضمن هذا الإطار من تمتين نظام الأسرة ومنزلة المرأة فيه، من خلال تعديل القوانين بحيث يُمنع تعدد الزوجات، ومنح المرأة نفس حقوق الرجل بالطلاق، وأن يكون هذا الطلاق حصرا في المحاكم، وليس حقا مستباحا يمارسه الرجل في أي لحظة يشاء.

كان الحداد فيما يطرحه في هذا الكتاب، أو في غيره، وفي أي نشاط آخر مخاطرا ومجازفا. وقد دفعته جرأته للدعوة إلى التمثل بالتقدم الأوروبي والأخذ بالسبل التي توسلها الغرب لإحراز تقدمه، فطالب بتحرير المرأة وتعميم التعليم وإقامة المؤسسات أسوة بالغرب في الوقت الذي كانت فيه بلاده رازحة تحت الاحتلال الفرنسي، ما جعل من السهل على خصومه اتهامه بالمروق على الدين وممالأة مصالح المحتل. ولم يشفع له في ذلك مواقفه البطولية ضد التجنيس وضد تهميش تدريس اللغة العربية في المدارس العامة، كما لم يشفع له اعتماده القرآن والسنة مرجعا رئيسا في النظر إلى إنسانية المرأة وحقوقها.


لقد كان الشعب التونسي ونخبته وسلطته أوفياء لهذا الطليعي الذي ضحى من أجلهم ومن أجل نهضتهم، فمُنِح وشاح الاستحقاق الثقافي، وأُطلِق اسمه على المدارس والساحات ودور الثقافة، وأصدرت وزارة الثقافة أعماله الكاملة. وما زالت تقام له الاحتفالات، كالذكرى المئوية التي أُصدر بمناسبتها طابع بريدي يحمل صورة الحداد وذكراه، وتدار حول إنتاجه الندوات الثقافية التي تضعه بين عظماء الأمة وزعمائها، كما أُطلقِت باسمه جائزة وطنية. ومؤخرا يتم تصوير فيلم سينمائي تونسي عن الحداد وعن الفترة التي عاش فيها مع رفاقه الآخرين كأبي القاسم الشابي ومحمد علي الحامي وآخرين. ويساهم في تغطية تكاليف الفيلم، التي تُعتَبر الأعلى في تاريخ السينما التونسية، جهات عامة وخاصة.

 


1 – محمد الشرفي: الإسلام والحرية، سوء التفاهم التاريخي. رابطة العقلانيين العرب ـ دار بترا، دمشق 2008.



قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This