الطبع في كتاب تحصيل السعادة للفارابي فيما بين الورود والحدود

 تقديــــــــــــــــم :

إن اختيار معالجة هذا الموضوع – مع ما يطرحه من صعوبة وتعقيد – نابع من كونه يشكل، في الأغلب الأعم منطلقا لإصدار الأحكام في حق فلسفة الفارابي، إلى جانب كونه يشكل لبنة أساسية داخل تصور الفارابي ورؤيته للإنسان. ولئن كان عملنا مقتصرا على محاولة استقصاء دلالة الطبع في حدود المساحة التي يغطيها من مضامين كتاب تحصيل السعادة، فإن علة ذلك راجعة إلى صعوبة الإلمام بالموقع الذي يشغله هذا المفهوم ضمن مجمل المتن الفلسفي للفارابي.

وبغاية تجنب كل شرود عن النص، ولتفادي إصدار أحكام غير مؤسسة، عملنا على توسل منهج كمّيّ؛ يتمثل في حصر تواترية لفظ الطبع، وبعض الألفاظ المشتقة منه والمرتبطة به داخل متن كتاب تحصيل السعادة وإحصائها، لنعمد فيما بعد إلى الوقوف عند أبعادها الدلالية، لنعمل في النهاية على تلمس منافذ تأويلية لتلك الخلاصات من خلال الانفتاح على منظور ما يعرف بالتوجه الطبيعي في الفلسفة المعرفية.

ولمزيد إبراز للعناصر الموجهة السابقة وتدقيقها، نسترشد بالعتبة التساؤلية الآتية : ما دلالة الطبع لغة واصطلاحا؟ وكيف تتحدد دلالته لدى الفارابي؟ وبأي معنى يوظفه ويستثمره الفارابي ضمن كتاب تحصيل السعادة؟ كيف يكشف هذا الاستثمار عن نفسه إن كمّا أو كيفا؟ أي كيف تتحدد وتيرة تكرار وتواتر الألفاظ الدالة على الطبع في الكتاب المذكور وما دلالة ذلك في علاقة بتحصيل الأجناس الأربعة للفضيلة باعتبارها تقنية لتحصيل السعادة؟ وإلى أي حد بمقدورنا تسويغ مكانة الطبع في فلسفة الفارابي –في حدود العمل السابق لا في فلسفته بمجملها- اعتمادا على منظور التوجه الفلسفي الطبيعي لنفس الموضوع ؟

في دلالة مفهوم الطبع:
قد يكون من باب اللزوم بالنسبة لكل فاحص أو مؤلف لقول عن فلسفة رجل كالفارابي، أن يبتدئ قوله بالبحث عن حد الشيء الذي هو موضوع قوله، وذلك انسجاما مع الفلسفة الفارابية ذاتها التي يتنزل منها الحد منزلة أشرف ما يطلب، لأنه أسمى مبادئ العلم، بحيث اعتبرت “قضية التحديد من المسائل التي اهتم بها الفارابي وشكلت جانبا مهما من ممارسته الفلسفية والعلمية، حيث اهتم بها على مستويين، مستوى التنظير: أي صياغة نظرية دقيقة في كيفية وضع الحدود، ومستوى الاشتغال بالتحديدات في عمله الفلسفي والعلمي”(1) .
انسجاما مع هذا المنظور، أيّ تعريف بالإمكان تقديمه للفظ الطبع؟ وما الدلالة التي يخصه بها الفارابي؟

جاء في لسان العرب لابن منظور، المجلد الرابع، باب الطاء، الجزء التاسع والعشرون ما يلي :”الطبع والطبيعة: الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان، والطباع كالطبيعة مؤنثة،[..]قال الأزهري: ويجمع طبع الإنسان طباعا، وهو ما طبع عليه من طباع الإنسان في مأكله ومشربه، وسهولة أخلاقه وحزونتها، وعسرها ويسرها وشدته ورخاوته وبخله وسخائه […]وطبعه الله على الأمر يطبعه طبعا: فطره. وطبع الله الخلق على الطبائع التي خلقها، فأنشأهم عليها، وهي خلائقهم. ويطبعهم طبعا خلقهم […] والطبع :ابتداء صنعة الشيء، تقول: طبعت البن طبعا، وطبع الدرهم والسيف وغيرهما يطبعه طبعا: صاغه، والطباع :الذي يأخذ الحديدة المستطيلة فيطبع منها سيفا أو سكينا أو سنانا أو نحو ذلك، وصنعته الطباعة […]والطبع : الختم وهو التأثير في الطين ونحوه […]وطبع الشيء وعليه يطبع طبعا ختم والطابع (بفتح الباء): ميسم الفرائض. يقال طبع الشاة وطبع الله على قلبه: ختم على المثل ويقال طبع الله على قلوب الكافرين، نعود بالله منه، أي ختم فلا يعي وغطى ولا يوفق للخير […]وطبع الإناء والسقاء يطبعه طبعا، وطبعه تطبيعا فتطبع، وطبعه ملؤه، والطبع: ملؤك السقاء حتى لا مزيد فيه من شدة ملئه […] وتطبع النهر بالماء: فاض من جوانبه وتدفق.” (2)، من خلال هذه التحديدات اللغوية الواردة في لسان العرب يمكن التمييز في دلالة الطبع بين إفادته معنى الفطرة والسليقة والسجية وبين دلالته على ابتداء صنعة ما، وبين دلالته على الختم الذي يعني بعدا سلبيا حين التغطية والحؤول دون إدراك الخير، كما يفيد كذلك معنى الملء.

وغير بعيد عن الدلالة الأولى من هاته الدلالات نجد الجرجاني يعرّف الطبع في كتابه “التعريفات مقيما لنوع من علاقة التكامل بينه وبين مفهوم الطبيعة تبعا لتحديده لها، فالطبع :”ما يقع على الإنسان بغير إرادة و قيل الطبع بالسكون الجبلة التي خلق عليها الإنسان. والطبيعة عبارة عن القوة السارية في الأجسام بها يصل الجسم إلى كماله الطبعي “(3)

ببلوغنا إلى هذا المستوى من الدلالة نكون قد اقتربنا من الدلالة المتضمنة في متون الفارابي،إذ ذاك ما نكشفه، إن نحن أخذنا بما حصره باحث اشتهر بمعاشرته الطويلة لهذه المتون، ففي كتابه “الفارابي في حدوده ورسومه ” يورد الدكتور جعفر آل ياسين تعريف الفارابي للطبيعة كالآتي :” مبدأ للحركة والسكون، لا يكون من خارج أو عن إرادة”، ومن كتاب السياسة المدنية يقدم القول الآتي “إن المادة و الصورة كل واحد منهما يسمى بالطبيعة، إلا أن أحراهما بهذا الاسم هو الصورة “(السياسة ص36،37) ومن كتاب إحصاء العلوم يختار التعريف الآتي :”هي التي وجودها لا بالصناعة وبإرادة الإنسان مثل السماء والأرض وما بينهما من النبات والحيوان”(ص91) ومن كتاب فلسفة أرسطوطاليس يقتبس التعريف الأتي :”ماهية كل واحد من الجواهر الطبيعية …وهي في الجواهر النفسانية ضربان: ضرب مادة وضرب آلة، فتكون الطبيعة في الجواهر النفسانية لا لأجل ذاتها بل لأجل النفس”(أرسطوص113ص115 )، ومن رسالة في العقل يورد التحديد التالي :”هي صور جسمانية في مواد هيولانية “(العقل 42)ومن السياسة الأخلاقية يأخذ الجملة الآتية : “إن الطبيعة لا تفعل شيئا باطلا”، أما فيما عدا ما قدمناه، فإن الشواهد التي يوردها هذا الباحث يرد فيها لفظ الطبع والطبيعة إما مضافا لاسم آخر أو موصوفا بنعت وهي بالترتيب الواردة به في كتابه كالآتي :الطبائع الفائقة، طبع الفلك، طبيعة الأرض، طبيعة الإنسان، طبيعة الحجر، طبيعة العناصر، طبيعة القلب، طبيعة الهواء .
ومن الأخيرة نأخذ تحديد طبيعة الإنسان الذي جاء فيه :”طبيعة غير كائنة ولا فاسدة بل مبدعة وهي مستبقاة بأشخاصها الكائنة والفاسدة”( كتاب التعليقات /7) (4)

وقد نحمل مضمون هذا القول للفارابي على جهة هاجس الحد الذي استبد به؛ فماهية الإنسان هي مبدعة بمعنى أنها مجردة وهي موجودة في أشخاص الإنسان الكائنة والفاسدة، لأن الإنسانية هي مجموع أفراد النوع الإنساني من حيث أنهم يؤلفون موجودا جماعيا، وبعبارة أخرى هي مجموع خصائص النوع البشري المقومة لفصله النوعي التي تميزه عن غيره من الأنواع القريبة مثل الرأفة والإيثار والتعاطف التلقائي مع البشر. والإنسانية تشترك في معنى الحيوانية انتماء النوع إلى الجنس لاسيما وأن “الميت يحمل عليه الإنسان باشتراك الاسم فيقال هو الإنسان وحمله عليه غير واجب فان الإنسانية تتضمن الحيوانية ولا يصح أن يحمل الميت على أنه حيوان “(5)

إن ما يستشف مما سبق هو أن تحديدا دقيقا لمفهوم الطبع لا نلفيه مستقلا من غير إضافة لدى الفارابي مما يمنح نوعا من المشروعية لما نقوم به، ولمزيد تحديد لهذا المفهوم نقدم التعريف الذي أورده جميل صليبا في معجمه الفلسفي والذي يضع في مقابله اللفظ الفرنسي naturel ؛ إذ أورد ما يلي :”يطلق الطبع في علم الحياة على مجموع ما يتميز به الكائن الحي من صفات ذاتية، وقيل : الطبع هو كل هيئة يبلغ بها النوع كماله، فعلية كانت أو انفعالية، وهو أعم من الطبيعة، لأن الشيء قد يكون عن الطبيعة، ولا يكون طبعا، مثل الأصبع الزائدة في اليد، فهي ظاهرة طبيعية ولكنها ليست طبعا بحسب الطبيعة الكاملة. وقيل أيضا : الطبع مبدأ الحركة مطلقا سواء كان مصحوبا بإرادة وعلم، أو غير مصحوب بهما. وهو بهذا المعنى مرادف للطبيعة. وقيل أيضا: الطبع هو الصورة النوعية أو النفس. والطبع ضد التطبع لأنه فطري، والتطبع كسبي، والطبعي هو المنسوب إلى الطبع، ويرادفه الطبيعي.”(6)
بعد أن تعرفنا دلالات لفظ الطبع بقي لنا أن نعمد إلى استقصائه مثلما ورد في كتاب”تحصيل السعادة” .

المؤشرات الكمية لورود لفظ الطبع في كتاب تحصيل السعادة :

الفقرة2: فيتبين من ذلك أنا مضطرون قبل أن نشرع في الفحص عن المطلوبات؛ إلى أن نعرف أن هذه الطرق كلها صناعية، وإلى علمٍ نميز به بين هذه الطرق المختلفة بفصول وعلامات تخص واحدة منها واحدة من تلك الطرق، وأن تكون قرائحنا العلمية المفطورة فينا بالطبع مقومة بصناعة تعطينا علم هذه، إذ كانت فطرتها غير كافية في تمييز هذه الطرق بعضها عن بعض، وذلك أن تتيقن بأي شرائط وأحوال ينبغي أن تكون المقدمات الأول، وبأي ترتيب ترتب حتى تفضي، لا محالة، بالفاحص إلى الحق نفسه وإلى اليقين فيه.ص50ص51
 

الفقرة 41: وتكون تلك الفضيلة طبيعية وكائنة بالطبع، مقترنة بفضيلة فكرية كائنة بالطبع تستنبطها الفضائل الخلقية الكائنة بإرادة، وتكون الفضيلة الكائنة بالإرادة هي الفضيلة الإنسانية التي إذا حصلت للإنسان بالطريق الذي تحصل له بها الأشياء الإرادية، حصلت حينئذ الفضيلة الفكرية الإنسانية.ص76
 

الفقرة42: فكذلك ينبغي أن تكون حال الفضائل الخلقية العظمى التي شأنها أن تقترن بالفضائل الفكرية العظمى. فإن كان كذلك لزم أن يكون إنسان دون إنسان مكونا بفطرته لفضيلة تشبه الفضيلة العظمى، مقرونة بقوة فكرية بالطبع عظمى ثم سائر المراتب على ذلك.ص77

الفقرة43: فإذا كان كذلك، فالفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية العظمى والفضيلة الخلقية العظمى والصناعة العملية العظمى إنما سبيلها أن تحصل فيمن أعد لها بالطبع، وهم ذوو الطبائع الفائقة العظيمة القوى جدا، فإذا حصلت هذه في إنسان ما يبقى بعد هذا أن تحصل الجزئية في الأمم والمدن. ويبقى أن نعلم كيف الطريق إلى إيجاد هذه الجزئية في الأمم والمدن، فإن الذي له هذه القوى العظيمة ينبغي أن تكون له قدرة على تحصيل جزئيات هذه في الأمم والمدن. وتحصيلها بطريقين أوليين: بتعليم وتأديب.ص77،78

 الفقرة45: ويؤخذوا بتلك الأشياء التي ذكرت، بعد أن يكونوا قد قومت نفوسهم قبل ذلك: الأشياء التي تراض بها أنفس الأحداث الذين مراتبهم بالطبع في إنسانية هذه المرتبة. ويعودوا استعمال الطرق المنطقية كلها في العلوم النظرية كلها، ويؤخذوا بالتعلم من صباهم على الترتيب الذي ذكره أفلاطون، مع سائر الآداب إلى أن يبلغ كل واحد منهم أشده.ص78
 

الفقرة51: ثم بعد ذلك ينظر في أصناف الأمم أمة أمة، وينظر فيما وطنت له تلك الأمة بالطبع المشترك من الملكات والأفعال الإنسانية، حتى يأتي على النظر في الأمم كلهم أو أكثرهم، وينظر فيما سبيل الأمم كلهم أن يشتركوا فيه وهو الطبيعة الإنسانية التي تعمهم.ص83

الفقرة62: وأن يكون بالطبع محبا للصدق وأهله والعدل وأهله، غير جموح ولا لجوج فيما يهواه، وأن يكون غير شره على المأكول والمشروب، تهون عليه بالطبع الشهوات والدرهم والدينار وما جانس ذلك. وأن يكون كبير النفس عما يشين عند الناس، وأن يكون ورعا سهل الانقياد للخير والعدل عسر الانقياد للشر والجور، وأن يكون قوي العزيمة على الشيء الصواب.ص95

إن قراءتنا التوجيهية لمؤلف تحصيل السعادة، التي هدفت إلى تجميع مؤشرات ومعطيات من خلال تتبع لفظ الطبع وتلويناته الدلالية، مركزة عليه في صيغته الاسمية دون الصيغة الفعلية، لاقتناع راسخ بأن المفهوم الفلسفي يرد وينحت أولا وأخيرا بهذه الصيغة، أفضت إلى عدم ورود لفظ “الطبع”إن معرفا أو نكرة في المؤلف، بل أكثر تواتره والذي بلغ عدد مراته تسع مرات، مثلما تظهر الفقرات الشواهد أعلاه من المؤلف موضوع دراستنا، كان مرفقا بحرف الجر الباء، وهو ما يمكن أن يعزى إلى اختيار في الكتابة لدى الفارابي أكثر من أي شيء آخر، وهو ما سبقنا إلى لفت الانتباه إليه كذلك الباحث الدكتور محمد المصباحي :”…فالفارابي يميز بين النعت “بالطبع”وهيأة طبيعية” فعندما يتكلم عن المعقولات الأوائل التي توجد بالطبع في العقل البشري، فإن ذلك لا يستتبع بالضرورة إضفاء الطابع المادي على الحامل والمحمول، بينما عندما يتكلم عن “الهيأة الطبيعية” فإنه غالبا ما يشير إلى بنية مادية واستعداد أولي .”(7) ومهما كانت علة ذلك فإن الملاحظ هو أن أكثر المعاني التي تفيدها الباء في كل التراكيب التي وردت بها في ارتباطها بلفظ الطبع هو معنى السببية من بين معانيها المتعددة كالتوكيد والقسم والإلصاق والتعدية وغيرها، ومن ثم تكون وظيفة الطبع وظيفة علة لما جاء مرتبطا به في العبارات والجمل الشواهد المقدمة من مثل: أن يكون بالطبع محبا للصدق، فالفيلسوف بسبب من طبع ركب فيه يحب الصدق، وكذلك مرتبة الأحداث تعلل مرتبتهم بسبب الطبع وقس على ذلك كل العبارات الأخرى. إن كان ذلك عن الدلالة اللغوية للباء الملحقة بلفظ الطبع في كل العبارات السابقة، فما هي المناحي الدلالية التي يؤشر عليها توظيفه؟

إن أول ما يسترعي الانتباه هو هذا الانقطاع في ورود لفظ الطبع مقرونا بحرف الجر الباء على مستوى الفقرات؛ إذ لم يرد إلا في الفقرات :2،41،43.42،45،51،65. وهو ما من شأنه أن يعين في تبين مناحيه الدلالية في كتاب تحصيل السعادة. ففي الفقرة الثانية حيث يواصل الفارابي حديثه عن الفضائل النظرية باعتبارها العلوم التي تتغيى بلوغ معرفة بالموجودات باعتبارها معقولة فقط، أي تحصيل الحقائق التي لا ارتباط لها البتة بالمادة، يؤكد على ضرورة المنطق لكل ملتمس لعلم الموجودات، فهو مضطر إلى أن يعرف بأن الطرق التي تؤدي إلى المطلوبات كلها صناعية، مما يفرض الحاجة إلى علم بواسطته تتم عملية التمييز بين هذه الطرق، وهو المنطق، ومع أن الفارابي قد أكد قبل ذلك أنّ “هذه العلوم منها ما يحصل للإنسان منذ أول أمره من حيث لا يشعر ولا يدري كيف ومن أين حصلت، وهي العلوم الأول، ومنها ما يحصل بتأمل وعن فحص واستنباط، تعليم وتعلم. والأشياء المعلومة بالعلوم الأول هي المقدمات الأول؛ ومنها يصار إلى العلوم التي تحصل عن فحص واستنباط وتعليم وتعلم.” (8)فإن القرائح العلمية التي وطنت فينا بالفطرة وبالطبع غير كافية لتمكيننا من تمييز هذه الطرق بعضها عن البعض، الشيء الذي يجعل المنطق شرطا ضروريا و كافيا لكل طالب للعلم، وهذا ما يؤكد أن ورود لفظ الطبع هنا جاء في سياق دلالة بالسلب، أي أنه لم يرد لكي يعزى إليه دور في تحصيل العلوم أو لإبراز دور أساسي له في ذلك، بقدر ما تم إيراده بغرض الوقوف على عدم كفايته في ذاته، وضرورة تقويمه بصناعة هي أولا صناعة المنطق. وكما يقول الفارابي :”…وقوة الذهن إنما تحصل متى كانت لنا قوة بها نقف على الحق إنه حق بقين فنعتقده، وبها نقف ما هو باطل بيقين فنتجنبه، ونقف على الباطل الشبيه بالحق فلا نغلط فيه، ونقف على ما هو حق في ذاته وقد أشبه الباطل، فلا [نغلط فيه ولا ]ننخدع والصناعة التي نستفيد هذه القوة تسمى صناعة المنطق”(9)

أما في الفقرة41 فيقف الفارابي عند العلاقة فيما بين الفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية والفضيلة الخلقية، إذ يرى أن الفضيلة الفكرية الرئيسة لا يمكنها إلا أن تكون تابعة للفضيلة النظرية، لأن الأولى تميز أعراض المعقولات التي حصلتها الفضيلة النظرية فيما قبل معقولة فحسب، أي من دون أن تكون الأعراض مقترنة بها؛ لذلك فصاحب الفضيلة الفكرية يستنبط المتبدلات من الأعراض و الأحوال في المعقولات، فيكون ما يستنبطه على نحو لا يمكن معه أن تكون الفضيلة الفكرية مفارقة للفضيلة النظرية. مما يجعل الفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية الرئيسة والفضيلة الخلقية الرئيسة والصناعة الرئيسة متلازمة بحيث يستحيل فصل بعضها عن بعض، فالفضائل الخلقية لا يمكن أن توجد إلا إذا صيرتها الفضيلة النظرية معقولة، واستنبطت الفضيلة الفكرية أعراضها، لأن معقولاتها لا تصير كائنة إلا باقتران تلك الأعراض بها، وهذا ما يفضي إلى الإقرار بأسبقية الفضيلة الفكرية على الفضيلة الخلقية، لكن في حال كتلك سيكون سبيل الفضيلة الفكرية أن توجد منفردة دون الفضيلة الخلقية، فإن حصل ذلك لم يكن الذي بمقدوره استنباط الفضائل التي هي خيرات خيرا بالضرورة، لكن إن كان كذلك فكيف كان له أن يلتمس الخير وأن يرغب فيه بالحقيقة لنفسه و لغيره، أي كيف قوي على استنباطه دون أن يجعله غاية له ؟؟ ولا يخرج الفارابي من هذا الإحراج إلا بقوله: “فإذن يلزم أن تكون الفضيلة الفكرية هي التي استنبطتها [الفضيلة الفكرية]مقترنة بالفضيلة “النظرية” تهدي بها من له الفضيلة الخيرية والغاية الفاضلة “(10)

بعد هذا يأتي قوله المتضمن للفظ الطبع :”وتكون تلك الفضيلة طبيعية وكائنة بالطبع، مقترنة بفضيلة فكرية كائنة بالطبع، تستنبطها الفضائل الخلقية الكائنة بإرادة،[وتكون الفضيلة الكائنة بالإرادة]هي الفضيلة الإنسانية التي إذا حصلت للإنسان بالطريق الذي تحصل له بها الأشياء الإرادية، حصلت حينئذ الفضيلة الفكرية الإنسانية.” (11) على الرغم من الالتباس الذي يسم هذا المقطع والغموض الذي يكتنف الفقرة 42 عموما، بمقدورنا أن نؤوّله على جهة أن الفارابي كي يخرج من الإحراج السابق ذكره سيعمل على إدراج فضيلة طبيعية عانيا بها نوعا من النزوع الطبيعي المقترن بفضيلة فكرية هي ذاتها كائنة بالطبع، تخرجها إلى الفعل الفضائل الفكرية الكائنة بإرادة والتي إن هي حصلت للإنسان بالكيفية التي يحصل بها ما هو إرادي، حصلت الفضيلة الفكرية الإنسانية. والدليل على ذلك هو أنه يرى تجليا لهذه الفضيلة الطبيعية في أن كل إنسان يجد قوة في نفسه على أن يتحرك إلى فعل فضيلة من الفضائل، بحيث يجد ذلك أيسر عليه من فعل ضدها، ومع تكرار ذلك تصير الملكة إرادية بعد أن كانت طبيعية، لكن الفارابي هو ذاته القائل في كتاب التنبيه على سبيل السعادة :”كلما وجدنا أنفسنا مالت إلى جانب عودناها أفعال الجانب الآخر ولا نزال نفعل ذلك إلى أن نبلغ الوسط أو نقارب جدا “(12) ومع ذلك يميل الفارابي إلى تعميم هذه العلاقة بين الفضائل الخلقية الجزئية المرتبطة بالفضائل الفكرية الجزئية، لتنطبق على الفضائل الخلقية العظمى التي شأنها أن تقترن بالفضائل الفكرية العظمى، وهو ما يدل عليه قوله السابق تقديمه : “فإن كان كذلك لزم أن يكون إنسان دون إنسان مكونا بفطرته لفضيلة تشبه الفضيلة العظمى، مقرونة بقوة فكرية بالطبع عظمى ثم سائر المراتب على ذلك.”(13) مما يعني أن الناس متمايزون ومتفاوتون في مدى تهيئهم الفطري والطبيعي لقبول مراتب الفضائل، وبالتالي فليس من الممكن أن يكون كل إنسان له صناعة أو فضيلة خلقية أو فضيلة فكرية عظيمة القوة، ومن ثم فالملوك ليسوا ملوكا بالإرادة فحسب بل هم ملوك بالطبيعة كذلك، وكذلك الخدم هم خدم بالطبيعة أولا و بالإرادة ثانيا، وهذا ما يجعل الفضيلة النظرية العظمى والفضيلة الفكرية العظمى والفضيلة الخلقية العظمى والصناعة العظمى ليست في مكنة الكل، بل في مكنة من أعدوا لها بالطبع وكأن الفارابي يريد القول بأن العظمة التي تسم هذه الفضائل لا تليق بها إلا طبائع من نفس رتبتها، ولذلك لا يبلغها إلا ذوو الطبائع الفائقة والعظيمة القوى؛ أي ذوو الطبائع التي “تتصل أنفسها بالعقل الفعال ” (14)أي أولئك الذين لم تبق واسطة بينهم وبين العقل الفعال، فعندئذ يقف ذو الطبائع الفائقة تلك على تحديد الأشياء والأفعال وعلى تسديدها نحو السعادة، وحين حصول هذه الفضائل في هؤلاء الذين هم أهل لها يبقى بعد ذلك أمر إيجادها في الأمم والمدن، وهو ما يستدعي التعليم والتأديب كسبيلين لتحقيق ذلك وهنا يرد لفظ الطبع في الفقرة 45 الصفحة 78 ودلالته ليست عميقة الوقع في هذا السياق، إذ أن الفارابي بعد أن ميز بين التعليم والتأديب من حيث اختصاص الأول بإيجاد الفضائل النظرية في الأمم والمدن وارتباطه بالقول، في مقابل اختصاص التأديب بإيجاد الفضائل الخلقية والصناعات العملية فيها (الأمم)وارتباطه بالعمل وإنهاض العزائم، يرى أنه قبل البدء في تعليم العلوم النظرية يجب أن تراض الأنفس بالطرق التي تراض بها أنفس الأحداث الذين لهم هذه المرتبة بالطبع، فالطبع هنا يفيد معنى نمائيا ونشوئيا لا غير. ونفس المماثلة يعود إلى توظيفها فيما يرتبط بالتأديب ؛ذلك أنه لما كانت فضيلة الملك هي أن يستعمل أفعال ذوي الفضائل، وذلك على غرار ما يوجد عند أرباب المنازل والذين يقومون بأمر الصبيان والأحداث، فكما أن رب المنزل هو مؤدب أهل المنزل ومعلمهم والقيم بالصبيان هو مؤدبهم، وكما أنهما يلجئان في ذلك إلى المزاوجة بين الرفق والإكراه في ذلك، كذلك الملك في تأديبه الأمم وتعليمها يفعل نفس الشيء متوسلا ذوي الفضائل والصناعات. وعظم قوة الملوك، مثل عظم قوة المقومين والمؤدبين، تقتضي اللجوء إلى المهنة القوية التي بها يكون التأديب طوعا، وإلى نظيرتها التي يكون بها التأديب كرها، و تلك هي القوة على جودة التدبير في قوة الجيوش واستعمال آلات الحرب والمحاربين في مغالبة الأمم والمدن.

يحكم الفارابي بأن كل موجود إنما كان تكوينه لأجل أن يبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه وذلك بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه؛ أي أن غاية أي موجود هي بلوغ أقصى الكمال الذي تقضي به طبيعته، والإنسان بدوره لا يخرج عن هذه القاعدة، فالكمال الخاص به هو السعادة القصوى، وكل إنسان له منها بحسب رتبته في الإنسانية، قد يفهم من ذلك أن الفارابي يمايز بين الناس من جهة امتلاكهم لصفة الإنسانية، لكن الفيلسوف يقول في الكتاب ذاته، وبالتحديد في الشاهد المقدم في الجدول و الوارد في الفقرة 51:”وينظر فيما سبيل الأمم أن يشتركوا فيه وهو الطبيعة الإنسانية التي تعمهم.”ص83 وبالتالي فالتفاوت هنا تفاوت في الدرجة لا في النوع، أي تفاوت بين الناس من جهة الاستعداد بحيث يكونون مستعدين بالطبع ومهيئين بالفطرة لاكتساب الفضائل التي تحصل بها السعادة، مع تفاوتهم في ذلك، إذ يكون بعضهم أكثر مطاوعة وتقبلا لذلك من البعض الآخر -مع ضرورة استحضار السياق الاجتماعي الذي عاش فيه الفارابي كسياق متعايش مع الرق والعبودية-وبناء على ذلك فإن الذين لا ينقادون لفعل ما ينالون به السعادة التي لأجلها كون الإنسان، كان من الأجدر استعمال سبيل الإكراه معهم، أما من يؤدبون طوعا فيؤدبهم أهل الفضائل والصنائع المنطقية، والملك محتاج في تأديبه للأمم إلى العودة إلى الأمور النظرية التي عرفت ببراهين يقينية، فيعمل على تبليغهم إياها عبر توسله الطرق الإقناعية ؛ بحيث لا يأخذ هذه الأمور بأعيانها، إنما يتوسل مثالاتها وخيالاتها ليوقع التصديق بها. كما يحتاج بالمثل إلى إحصاء أفعال الفضائل والصنائع العملية الجزئية، فيجعل لها طرقا إقناعية مشورية تنهض بها عزائم المدنيين نحوها، موظفا الأقاويل الانفعالية الخلقية في اتجاهين : اتجاه تخشع معه النفوس وترق وتضعف، واتجاه تقوى معه النفوس وتعز وتقسو وتحنو، بعد ذلك يتم تصنيف الأمم والنظر في أنواعها تبعا لما انغرس في كل أمة بالطبع من الملكات والأفعال الإنسانية، وهذا هو منطوق الشاهد/المؤشر السابق تقديمه في الجدول أعلاه، والوارد في الفقرة 51ص 83، وفيه نصادف دلالة جديدة للطبع؛ إذ انتقل من مستوى الدلالة الفردية إلى مستوى اكتسى فيه دلالة اجتماعية ،أي ما يميز أمة بعينها ويسمها من خصائص من شأن الإحاطة بها علما، وحصرها أن يساهم في تسديدها نحو السعادة ، بحسب ما لها من ملكات و ما تقدر عليه من أفعال .لأن ذلك هو الكفيل بإقامة و توظيف الطرق الإقناعية الأصلح والأكثر جدوى لهم ،إن على مستوى الفضائل النظرية أو الفضائل العملية “فيثبث ما لأمة أمة على حيالها /بعد أن يقسم أقسام كل أمة و ينظر هل يصلح أن تستحفظ طائفة منهم العلوم النظرية أم لا ؟وهل فيهم من يستحفظ النظرية الذائعة أو النظرية المخيلة .”(15) و على أساس هذه القاعدة يباشر المؤدبون عملهم ،حتى يكملوا أغراض الرئيس الأول ،ولذلك يشترط في كل واحد ممن عهد إليهم بمهمة تأديب الأمم و الطوائف أن يتوفر على فضيلة جزئية و فضيلة فكرية ينتفع بهما على جودة استعمال الجيوش في الحروب ،إن دعت حاجة إلى ذلك ،حتى تجتمع في كل واحد منهم ماهية التأديب بالوجهين (الإقناع و الإكراه).

أما المقطع النصي /المؤشر الوارد في الفقرة 62ص 95 فقد جاء في سياق حديث الفارابي عن الشرائط الواجب توفرها في الفيلسوف الحق ، مع الإشارة إلى أن الفيلسوف هو ذاته واضع النواميس و الإمام و كما يقول الفارابي :”فإذن معنى الإمام و الفيلسوف معنى واحد ،إلا أن اسم الفيلسوف يدل منه على الفضيلة النظرية على كمالها الأخير من كل الوجوه ،لزم ضرورة أن تكون فيه سائر القوى .و واضع النواميس يدل منه على جودة المعرفة بشرائط المعقولات العملية و القوة على استخراجها و القوة على إيجادها في الأمم و المدن .فإن كانت مزمعة أن تكون موجودة عن علم ،لزم أن تكون قبل هذه فضيلة نظرية على جهة ما يلزم وجود المتأخر وجود المتقدم “(16)
 

و الملفت هو أن الفارابي يفرق بين الفلسفة و الملة على أساس الجهة التي تحصل بها الأشياء النظرية و العملية ،فإن حصل التصديق بأعيانها و على وجهها الحقيقي في نفس واضع النواميس كانت فلسفة ،أما إن هي حصلت في نفوس الجمهور ووقع التصديق بما تخيل منها فهي ملة ،و هذا لا يعني أن الفيلسوف أو واضع النواميس لا يتخيل الأشياء النظرية و العملية ،بل هو و إن فعل ذلك ،فليس على النحو الذي يباشره الجمهور ،ليجعل تلك الأشياء منغرسة في نفسه و راسخة فيها ،لأن ذلك حاصل لديه عن بصيرة يقينية ،و بالتالي فهو إنما يفعل ذلك لأجل اختراع الطرق التخييلية و الإقناعية لجعل تلك الأشياء راسخة في نفس غيره. ومن أبرز شروط الفيلسوف أن يكون مهيأ بالفطرة لتعلم النظرية فإن لم يتحقق هذا الشرط كنا أمام ما يسميه الفارابي الفيلسوف البتراء و الفيلسوف الزور و الفيلسوف البهرج و الفيلسوف الباطل ،أي ذلك الذي يكلف نفسه تعلم العلوم النظرية من دون أن يكون له توطئة فطرية و طبعيه لذلك . و من الشروط الأخرى و التي يشكل الطبع قاعدة لها ، و التي يجب أن تتوافر في الفيلسوف الحق ؛أن يكون بالطبع محبا للصدق و للعدل و لأهلهما و غير مفرط في الهوى و أن يكون مطبوعا على الزهد في المال و جانسه من الخيرات المادية و ما يرتبط بها من شهوات ،فإن لم تتوفر هذه الشروط من بين أخرى في “الفيلسوف” ،كان مصير ما حصله التلاشي و الانطفاء مع مرور الزمن ،حتى إذا أزفت المرحلة العمرية التي تبلغ فيها الفضائل تمامها لدى الإنسان ،حصل العكس لدى من لم تتوفر فيه هذه الشروط ،أي الإنطفاء التام لما تم تحصيله من علوم .
 

إن الملاحظ من خلال ما سبق هو أن المناحي الدلالية ،تبعا لتواتر لفظ الطبع في نص كتاب تحصيل السعادة تتركز أكثر في المنحى الدلالي الخاص بالعلاقة بين أجناس الفضائل و ذاك المنحى الدلالي الذي يأخذ توجها مدنيا سياسيا في الكتاب .إلا أن ذلك لا يرادف أن توظيف مفهوم الطبع يبقى بمعزل عن مداخلة الفقرات الأخرى ،إذ ما دام الرهان هو بيان مابه يتم تحصيل السعادة ، و حيث إن ما يتخذ قنية لها هو في غاية الترابط،فإن ذلك يعني بداهة أن دلالة الطبع تبقى سارية في مختلف أجزاء كتاب تحصيل السعادة ، الذي يبقى بمثابة خريطة طريق يقدمها الفارابي لكل من أراد ولوج هيكل العلم بمعناه الشمولي ،إذ بها يتبين حقيقة الموجودات على اختلاف مناحي و جودها و رتبتها ، مبتدئا من إبراز القاعدة الرباعية المتمثلة في أجناس الفضائل الأربعة ،و منها إلى بيان اللبنات المكونة لها ،إلى أن يصل إلى الملازم لحصولها في الأمم و المدن ؛أعني السعادة القصوى في الدنيا و الآخرة .

وتوظيف دلالة الطبع بشكل يخترق أجزاء النص يمكن بيانها من خلال شواهد نصية تؤشر عليها،وظف فيها الفارابي ألفاظ أخرى تفيد معنى الطبع ، و لنأخذ على سبيل التمثيل الألفاظ الآتية :
1 الفطرة:
الفقرة2: وأن تكون قرائحنا العلمية المفطورة فينا بالطبع مقومة بصناعة تعطينا علم هذه، إذ كانت فطرتها غير كافية في تمييز هذه الطرق بعضها عن بعض، وذلك أن تتيقن بأي شرائط وأحوال ينبغي أن تكون المقدمات الأول، وبأي ترتيب ترتب حتى تفضي، لا محالة، بالفاحص إلى الحق نفسه وإلى اليقين فيه. ص50،51

الفقرة 16: وإن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطاً فيما ينبغي أن يسعى له بإنسان أو ناس غيره، وكل إنسان من الناس بهذه الحال. وإنه كذلك يحتاج كل إنسان فيما له أن يبلغ من هذا الكمال إلى مجاورة ناس آخرين واجتماعه معهم. وكذلك في الفطرة الطبيعية لهذا الحيوان أن يأوي ويسكن مجاوراً لمن هو في نوعه؛ فلذلك يسمى الحيوان الإنسي والحيوان المدني ص61

الفقرة19: وهذا هو العلم المدني. وهو علم الأشياء التي بها أهل المدن بالإجتماع المدني ينال السعادة كل واحد بمقدار ما له أعد بالفطرة. ويتبين له أن الإجتماع المدني، والجملة التي تحصل من اجتماع المدنيين في المدن، شبيه باجتماع الأجسام في جملة العالم ويتبين له أيضا في جملة ما تشتمل عليه المدينة والأمة نظائر ما تشتمل عليه جملة العالم.63
الفقرة62: فأما الفلسفة البتراء، والفيلسوف الزور، والفيلسوف البهرج، والفيلسوف الباطل؛ فهو الذي يشع في أن يتعلم العلوم النظرية من غير أن يكون موطأ نحوها. فإن الذي سبيله أن يشرع في النظر ينبغي أن يكون له بالفطرة استعداد للعلوم النظرية؛ وهي الشرائط التي ذكرها أفلاطون في كتابه في السياسة؛ وهو أن يكون جيد الفهم والتصور للشيء وللشيء الذاتي.ص94، 95 

2الطبيعة :
الفقرة14: وعندما ينتهي بالنظر إلى الأجسام السماوية ويفحص عن مبادىء وجودها، يضطرة النظر في مبادىء وجودها إلى أن يطلع على مبادىء ليست هي طبيعة ولا طبيعة، بل موجودات أكمل وجوداً من الطبيعة والأشياء الطبيعية، ليست بأجسام ولا في أجسام، فيحتاج في ذلك إلى فحص آخر وعلم آخر يفرد فيما بعد الطبيعيات من الموجودات. فيصير عند ذلك أيضا في الوسط بين علمين: علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعيات؛ في ترتيب الفحص والتعليم وفوق الطبيعيات في رتبة الوجود.ص59،ص60
 

الفقرة22:..وذلك أن الأشياء المعقولة من حيث هي معقولة هي مخلصة عن الأحوال والأعراض التي تكون لها وهي موجوة خارج النفس. وهذه الأعراض فيما تدوم واحدة بالعدد لا تتبدل ولا تتغير أصلا، وفي التي لا تدوم واحدة بالنوع تتبدل. فلذلك يلزم في الأشياء المعقولة التي تدوم واحدة بالنوع، إذا احتيج إلى إيجادها خارج النفس، أن تقرن بها الأحوال والأعراض التي شأنها أن تقترن بها إذا أزمعت أن توجد بالفعل خارج النفس؛ وذلك عام في المعقولات الطبيعية التي توجد وتدوم واحدة بالنوع وفي المعقولات الإرادية. غير أن المعقولات الطبيعية التي توجد خارج النفس إنما توجد عن الطبيعة وتقترن بها تلك الأعراض بالطبيعة.ص65

الفقرة 51: وينظر فيما سبيل الأمم كلهم أن يشتركوا فيه وهو الطبيعة الإنسانية التي تعمهم. ثم ما سبيل كل طائفة من كل أمة أن تخص به فيميز هذه كلها وتحصل بالفعل. ثم الأشياء التي سبيلها أن تقوم بها أمة أمة من الأفعال والملكات ويسددوا فيها نحو السعادة، كم عدد ذلك بالتقريب، وأي أصناف الإقناعات ينبغي أن تستعمل معهم؛ وذلك في الفضائل النظرية والفضائل العملية.ص83.

الفقرة23: وما يحصل منها موجودا(الأحوال و الأعراض) فكثيرا ما يحصل على حسب ما عليه المريد الفاعل له، وربما لم يحصل منه شيء أصلا؛ وذلك للمتضادات العائقة له التي بعضها أمور طبيعية وبعضها إرادية كائنة عن إرادة قوم آخرين ص66

الفقرة26: وإنما تتبدل أعراض هذه المعقولات وأحوالها عند ورود الأشياء الواردة في المعمورة؛ إما مشتركا لها كلها أو مشتركا لأمة أو لمدينة أو لطائفة من مدينة أو لإنسان واحد. والأشياء الواردة؛ إما واردة طبيعية أو واردة إرادية، وهذه الأشياء ليس تحيط بها العلوم النظرية، إنما تحيط بالمعقولات التي لا تتبدل أصلا.ص67 ص68

الفقرة41: وتكون تلك الفضيلة طبيعية وكائنة بالطبع، مقترنة بفضيلة فكرية كائنة بالطبع تستنبطها الفضائل الخلقية الكائنة بإرادة، وتكون الفضيلة الكائنة بالإرادة هي الفضيلة الإنسانية التي إذا حصلت للإنسان بالطريق الذي تحصل له بها الأشياء الإرادية، حصلت حينئذ الفضيلة الفكرية الإنسانية.ص76

الفقرة42: . فإذا كان إنسان من الناس مفطورا مثلا على أن تكون حاله فيما نقدم عليه من المخاوف أكثر من إحجامه عنها، فما هو إلا أن يتكرر عليه ذلك عدة مرار، إلا وقد صارت له تلك الملكة إرادية، وقد كانت له تلك الملكة الأولى الشبيهة بهذه طبيعية.ص77
إن ما نلاحظه هو أن الشواهد النصية المتضمنة للفظ الفطرة و ما ارتبط به أكثر انطباقا مع الدائرة الدلالية التي ورد فيها لفظ الطبع ،أي دائرة العلاقة فيما بين أجناس الفضائل الأربعة و الدائرة الدلالية المدنية و السياسية ،إن هي قورنت بالشواهد المتضمنة للفظ الطبيعة، والتي جاءت في أكثر الشواهد في صيغتها المعرفة مرتبطة بدلالة علم الطبيعة، مع أنها في صيغتها الوصفية (نعت في صيغة تنكير )كانت أقرب إلى الدائرة الدلالية للطبع ، وستزداد انطباقا معها في شواهد نصية أخرى لم نوردها و على الأخص عندما يوظفها الفارابي مرفقة بباء الجر التي تفيد السببية من مثل قوله في الفقرة 43 التي يتركز فيها لفظ الطبيعة بهذه الصيغة :” فإذا كان كذلك، فليس أي إنسان اتفق تكون صناعته وفضيلته الخلقية وفضيلته الفكرية عظيمة القوة، فإن الملوك ليس إنما هم ملوك بالإرادة فقط بل بالطبيعة، وكذل الخدم خدم بالطبيعة أولا ثم ثانيا بالإرادة؛ فيكمل ما أعدوا له بالطبيعة. فإذا كان كذلك، فالفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية العظمى والفضيلة الخلقية العظمى والصناعة العملية العظمى إنما سبيلها أن تحصل فيمن أعد لها بالطبع، وهم ذوو الطبائع الفائقة العظيمة القوى جدا، فإذا حصلت هذه في إنسان ما يبقى بعد هذا أن تحصل الجزئية في الأمم والمدن. ويبقى أن نعلم كيف الطريق إلى إيجاد هذه الجزئية في الأمم والمدن، فإن الذي له هذه القوى العظيمة ينبغي أن تكون له قدرة على تحصيل جزئيات هذه في الأمم والمدن. وتحصيلها بطريقين أوليين: بتعليم وتأديب ص77

هكذا فالأكيد، من خلال ما سبق، هو أن الفارابي لا يتجاهل الطبع، سواء تعلق الأمر بتحصيل الفضائل، أو تعلق بتدبير المدن والأمم وهما أمران يترابطان على أية حال، لكن ما هي المكانة التي منحه إياها على وجه الدقة والتحديد في كتاب تحصيل السعادة؟ ذاك سؤال لا ندعي جدارة الإجابة عنه إلا بعد استيفاء استقصائنا للمعجم الدال على الإرادة والاكتساب في الكتاب ذاته. لكن أيا ما يكن، فإن الفارابي قد زاوج بين الأمرين وهو ما يظهره بجلاء الشاهد النصي الأخير، مع منحه الرتبة الأولى للطبيعي والفطري، وما نعتقد أنه أتى بفعله ذاك جريرة تنقص من شأن فلسفته وحكمته، لأن المكتسب إنما يكتسب على قاعدة ما منحته الطبيعة من استعدادات، وهي لم تمنحها بشكل متساو للبشر أجمعين، وهو الأمر الذي تِؤكده الأبحاث السيكولوجية المتعلقة بجدلية الفطري والمكتسب على مستوى الذكاء الإنساني، وقد عمقت تأكيده النوروبيولوجيا ومجمل العلوم المكونة للمجرة المعرفية، وهو ما أسهم في نشوء تيار فلسفي يرتكز على نتائج هذه العلوم ويدعو إلى تفسير كل الظواهر تفسيرا طبيعيا، بما فيها تلك التي يظهر أنها تستعصي بحكم طبيعتها على كل تفسير من هذا النوع كالظواهر الأخلاقية وهو التوجه المعروف بالنزعة الطبيعية le naturalisme .إلا أن الملاحظ في تلقي الفكر العربي المعاصر لنصوص الفارابي، هو التركيز على موقع الطبع في البناء الفلسفي السياسي والأخلاقي لفلسفة الفارابي، والخروج انطلاقا من ذلك بأحكام كالقول بكونه منظرا للاستبداد المطلق أو بكونه من بين أبرز من غذّى نظام القيم العربي الإسلامي بقيم الطاعة والخضوع، ففي علاقة بآخر شاهد نصي أوردناه أعلاه من كتاب تحصيل السعادة يقول محمد عابد الجابري في الجزء الرابع من مشروعه النقدي: العقل الأخلاقي العربي ص352:” وإذا كان الفارابي يسكت عن العبيد بوصفهم في أدنى منزلة اجتماعية، فإنه بالمقابل يمطط فكرة أرسطو إلى الطرف الآخر : الملوك، الشيء الذي يبعده عن أرسطو تماما ليتجاوز أفلاطون إلى أردشير، فهو يقرر أن “الملوك ليس إنما هم ملوك بالإرادة فقط بل بالطبيعة”. والقول بأن الملك “ملك بالطبيعة” يخدم نظرية الفارابي في “رئيس المدينة الفاضلة”، من حيث إنه يكون أولا ثم تكون المدينة بعد ذلك “ومعنى ذلك أن “المدينة الفاضلة “تبدأ بتوفر الرئيس أولا : يجب أن تحصل الفضائل العظمى النظرية والفكرية والخلقية والعملية في إنسان ما أولا، فيكون هو الرئيس الفاضل، الذي مهمته تحصيل الفضائل الجزئية، النظرية والفكرية والخلقية والعملية في أشخاص المدينة كل حسب ما هو مفطور عليه” (17) وفي ص363 من نفس الكتاب نجد :”إن الفارابي لم يقع تحت هيمنة نظام القيم الذي كرسه المتكلمون وحدهم، بل لقد وقع تحت تأثير نظام القيم الكسروي الذي كرسته “الآداب السلطانية”وهذا ليس فقط في مجال المماثلة بين الإله والسبب الأول، وبين الخليقة أو السلطان وهي المماثلة التي سادت الخيال الديني والسياسي في العصر العباسي، والمنقولة من الموروث الفارسي، بل يلتقي معها في المنطلق أيضا ذلك أن وجود رئيس المدينة الفاضلة سابق عند الفارابي، على القول في شكلها وصفاتها” (18)

وبالعودة إلى مفهوم الطبع المشترك لدى الفارابي، مثلما أورده في الشاهد النصي المتضمن في الفقرة 51ص83 والذي يعني به الخصائص التي تميز أمة عن غيرها، من حيث الملكات والأفعال الإنسانية، نجده يسير في نفس ما تركز عليه السوسيولوجيا المجالية وكيف أن المجال الحاضن لمجتمع ما يكيف أدءات الجماعة من جهة تقاليدها وأعرافها وحتى رؤيتها للعالم وإدراكها للآخر، وهو ما يمكن الوقوف عليه حتى من خلال علم اللغة المقارن، باعتبار اللغة حمولة نفسية واجتماعية تعمل على تركيز تلك الخصائص وتسنينها، وعلّ الفارابي كان واعيا بذلك لأنه فكر في اللسان وأنتج بصدد الإشكالات المرتبطة به، وما يهمنا هو أن هذه النظرة قد وجهت الجابري نفسه في استخلاصه لأنظمة العقل العربي، وقد انطلق في ذلك من أطروحة هردر، حيث يقول عنها في كتاب تكوين العقل العربي :”ربط هردر بين خصائص اللغة وخصائص الأمة التي تتكلمها، ذاهبا إلى القول بأن كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم. ليس هذا وحسب، بل كل أمة تخزن في لغتها تجاربها بما فيها من عناصر الصواب والخطأ .”(19)

بالفعل تبقى المكانة التي يمنحها الفارابي للطبع بالإمكان تكييفها والاستدلال على صحتها كما قلنا من خلال التوجه الطبيعي، القائل بتفسير كل الظواهر بما فيها تلك التي كانت تلصق بها كل صفات التعالي في المتون الفلسفية كظواهر الفكر والوعي والظواهر الأخلاقية، فما يجعلنا نفكر، كما يقول شونجو، الطبيعة والقاعدة ce que nous fait penser la nature et la règle مما قاد إلى نوع من حدة السجال فيما بين هذا التوجه والتقليد الفينومينولوجي، وحيث إن المقام لا يسع لتقديم الكثير من الأمثلة، نكتفي بإيراد تجربة تؤكد البعد الفطري لكراهية إلحاق الأذى بالغير كموقف أخلاقي، فكون هذا الموقف يظل حاضرا لدى صغير الإنسان، حتى قبل أن يكتسب اللغة، هو أقوى دليل لصالح الخاصية الفطرية للصورة الأولية للأخلاق وهو ما حاولت البرهنة عليه مجموعة من التجارب كتلك التي أجريت سنتي 2003و2004 على أطفال رضع لم يتكلموا بعد من قبل فريق بحث يرأسه EMMANUEL DU POUX مدير مختبر العلوم المعرفية والسيكولسانيات بالمركز الوطني للبحث العلمي CNRS ؛ حيث يقول واصفا نتيجة التجربة المتمثلة في عرض شريط يحتوي على مجموعة أحداث تستدعي اتخاذ موقف من إلحاق الأذى بالغير أمام مجموعة من الأطفال الرضع: “لقد أظهر تحليل حركات عيون الأطفال [انتباه الأطفال الرضع يكون ضعيفا عندما يتخلص بسرعة من المشهد ويكون قويا حينما يتأملها بشكل مطول ]بأنهم ينظرون على نحو مختلف للإنسان الشرير وللإنسان الخير” يحصل هذا قبل أن يكون لهؤلاء الرضع منفذ إلى اللغة، وهذه النتيجة تؤكد ما تم التوصل إليه من طرف DAVID PERMAK بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1997 ؛ فهذه الأبحاث “تقدم حضور كره الطفل لإيلام الغير منذ السن السابق لتعلم اللغة، ليترسخ بعد ذلك بشكل نهائي انطلاقا من اللحظة التي يلج فيها الطفل إلى اللغة ومن ثم يتعلم قواعد ثقافته الأصلية” على حد تعبير VANESSA NUROCK أستاذة الفلسفة بجامعة نانتير (20). فهل يكون الفارابي في تأكيده على التضافر بين الطبع والاكتساب مخالفا لما جاءت به هذه الأبحاث وغيرها؟
لقد كان بالإمكان القيام بمحاولة التكييف تلك، لولا أن نوعا من “التعالي”المتضمن في فلسفة الفارابي يقف بدوره حائلا دون كل محاولة من هذا القبيل، إنه “التعالي” الذي تفصح عن دلالته نظرية الفيض.

 

الهوامش:
(1) محمد قشيقش،نظرية الحد عند الفارابي ،دفاتر مجموعة البحث في الفلسفة الإسلامية ،مركز الدراسات الرشدية ،منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية ،ظهر المهراز ،ط1،مطبعة أنفو-برانت ،فاس1998 ،ص103
(2) ابن منظور ،لسان العرب،دار المعارف ،القاهرة (دون تاريخ) المجلد الرابع ،ج29 ص2634،2635
(3) العلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني ،كتاب التعريفات ، مكتبة لبنان ، بيروت ،طبعة 1985ص ص145
(4) الدكتور جعفر آل ياسن ، الفارابي في حدوده و سومه ،عالم الكتب ،بيروت ط1،1985 من الصفحة 339إلى الصفحة 343.
(5) “.أبو نصر الفارابي ، الأعمال الفلسفية، الجزء الأول،كتاب التعليقات، تحقيق 2 ،ص398
(6) المعجم الفلسفي ، الدكتور جميل صليبا ، الشركة العالمية للكتاب ، 1994،بيروت ج2ص11
(7) الدكتور محمد المصباحي ، من المعرفة إلى العقل : بحوث في نظرية العقل عند العرب ، ط1،دار الطليعة ،بيروت، فيراير (شباط)1990.ص27.
(8) الفارابي ،كتاب تحصيل السعادة ،حققه وقدم له و علق عليه الدكتور جعفر آل ياسين،دار الأندلس للطباعة و النشر ، ص 49[نشير إلى أن كل الشواهد مأخوذة من الكتاب نفسه و رقم الصفحة تم تدييل الشاهد به]
(9) الفارابي ،كتاب التنبيه على سبيل السعادة ،حققه و قدم له و علق عليه الدكتور جعفرآل ياسين ،دار المناهل ،بيروت ،ط2 1982ص77
(10) الفارابي ،كتاب تحصيل السعادة (مذكور)ص76
(11) نفسه ،الصفحة نفسها.
(12) الفارابي ،التنبيه على سبيل السعادة ( مذكور)ص65
(13) تحصيل السعادة ص77
(14) كتاب السياسة المدنية ص79 أورده الدكتور جعفر آل ياسين في كتابه :الفارابي في حدوده و رسومه (مذكور) ص343
(15) تحصيل السعادة ص84
(16) نفسه ص92
(17) محمد عابد الجابري ، العقل الأخلاقي العربي ،دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية ،المركز الثقافي العربي ،ط1،الدار البيضاء،2001 ص352
(18) نفسه ص363
(19) محمد عابد الجابري ، تكوين العقل العربي ،المركز الثقافي العربي ،ط4،الدار البيضاء 1991،ص77
(20) Science et vie ,N1077,juin 2007,de page 50 -page 65
 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق