الطبقة القديمة


برحيل كامل الأسعد تُطوى صفحة الطبقة السياسيّة التي قادت لبنان ما بين استقلاله في 1943 ونشوب حربه الأهليّة – الإقليميّة في 1975.
وهي طبقة عاشت حياة أطول من مثيلاتها في البلدان العربيّة المجاورة: ففي مصر سقطت في 1952، مع انقلاب 23 تمّوز (يوليو)، وفي العراق سقطت في 1958، مع انقلاب 14 تمّوز، بعدما صُدّعت في انقلابي 1936 و1941. أمّا في سوريّة، فبدأ إسقاطها مبكراً مع انقلاب حسني الزعيم في 1949، ليُستكمَل مع انقلاب 8 آذار (مارس) 1963 الذي حمل «حزب البعث» إلى السلطة.
والواقع أنّ محاكمة هذه الطبقة لا تزال تترجّح بين قطبي الإدانة المطلقة ذات المصدر الشعبويّ، والحنين النوستالجيّ الذي يعلن عن عواطف مستمدّة من فشل الحاضر أكثر ممّا يؤسّس لتقييم نقديّ.
فالطبقة المذكورة، وأغلبها من ملاّكي الأرض، كانت «متخلّفة»، بحسب ما يقال. لكنّها كانت «متخلّفة» قياساً بمن؟. هل صعدت في مجتمعاتها قوى تتجاوزها تقدّماً، قوى تفوقها تنوّراً وتقلّ عنها عصبيّة وضيق أفق؟. أغلب الظنّ أنْ لا، أو أنّ هذا هو ما تقوله تجاربنا جميعاً، حيث حلّت محلّ الطبقة القديمة فئات أشدّ استبداداً وأضيق أفقاً وأكثر عصبيّة. وبينما أنشأت الطبقة القديمة حياة سياسيّة، شابتها بالتأكيد شوائب عدّة، تولّت الفئات الجديدة تحطيم الحياة السياسيّة من أساسها، بحيث أُعدم المجال الوحيد الذي يمكن فيه تنقية الحياة العامّة وإدراجها في مسار من الإصلاح التدرّجيّ. وإذ ورثت الطبقة القديمة الإدارة والتعليم كما أنشأهما الاستعمار فحافظت عليهما، عاملةً مرّة على تحسينهما ومرّةً على تجميدهما، تولّت الفئات البديلة مصادرتهما وخنقهما على نحو يكاد الإصلاح معه يغدو مستحيلاً.
وما يجري تغييبه، في المحاكمة القاسية للطبقة القديمة، أنّ الكثير من أسباب تخلّفها كامن تحديداً في مدى استجابتها لجمهورها. فليس من دون دلالة أنّ قفزات الخروج من التخلّف في بلدان كتركيا الأتاتوركيّة وتونس البورقيبيّة فُرضت فرضاً من فوق، أي ضدّاً على العاطفة الشعبيّة والأكثريّة التي، لأسباب تاريخيّة وثقافيّة، تشدّ دوماً إلى الوراء.

وهذا ما يجيز باستمرار التفكير على خطّين، خطّ توسيع الحرّيّات وصولاً إلى الديموقراطيّة، وخطّ تعزيزه بالتقدّم وقيمه. فإذا ما سبق الأوّلُ الثاني وقعنا في الاستبداد الشعبويّ، وإذا ما سبق الثاني الأوّلَ وقعنا في الاستبداد العسكريّ.
والراهن أنّ بلدان المشرق العربيّ التي أسقطت طبقاتها القديمة لم تعثر حتّى اليوم على طريق وطريقة تخرج بهما من هذين الاستبدادين من غير أن تقع في فوضى قياميّة.
صحيح أنّ الطبقة القديمة «متخلّفة» قياساً بمثيلتها الأوروبيّة. ومن هذه المقارنة جيء إلينا بوصف «التخلّف» ليُطبّق على ظروف أخرى وقوى أخرى. لكنّ هذا لم يكن الخطيئة الوحيدة للقوى التي أرادت أن تحارب الغرب من دون أن تملك حتّى الكلمات التي تؤلّف لغة سياسيّة خاصّة. وها نحن اليوم نحصد نتائج هذا التيه، في اللغة كما في الواقع: نحصدها حروباً وفتناً واحتمالات حروب وفتن. ذاك أنّ البدلاء لم يمتلكوا من عدّة الإنجاز ومن عدّة المعنى سوى شيئين: العدد البحت والخام، والهرب عبر القضيّة المصيريّة من أسئلة البناء الملحّة.
الطبقة القديمة، من ناحيتها، امتلكت ما هو أكثر من ذلك.

 

الحياة 27 – 7 – 2010
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق