“الطبقة الوسطى محرك التغيير في الشرق الأوسط” / : رامون شاك

يراهن والي نصر، الباحث الأمريكي ذو الأصل الإيراني والمختص في الشؤون الإيرانية، على دور الطبقة الوسطى في إحداث تغيير في منطقة الشرق الأوسط وعلى ربط اقتصاد الدول الإسلامية بالاقتصاد العالمي. رامون شاك أجرى هذا الحوار مع والي نصر الذي يعمل أيضا مستشارًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما.

يرى والي نصر أن الطبقة الوسطى قد تلعب دورا كبيرا في إحداث تغيير في الشرق الأوسط، وخاصة في إيران

— قمت في كتابك “قوة الحظوظ” Forces of Fortune بتحليل الطبقة الوسطى الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، هذه الطبقة التي غيَّرت اقتصاد بعض الدول مثل تركيا ودبي بالإضافة إلى اقتصاد دول أخرى في المنطقة. فهل تنظر إلى الاضطرابات المستمرة في إيران أيضًا على أنَّها انتفاضة تقوم بها هذه الطبقة الوسطى الجديدة؟

والي نصر: تمتد جذور حركة الإصلاح في إيران إلى صعود الطبقة الوسطى الجديدة التي نشأت منذ أواخر عقد الثمانينيات. وفي تلك الفترة نشأت هذه الطبقة من خلال خصخصة الاقتصاد ومن خلال الإصلاحات الاقتصادية بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية. ونمو هذه الطبقة الوسطى الذي رافقه أيضًا رخاء متزايد، ارتبط بمطالبة الإيرانيين بقدر أكبر من الحرِّيات السياسية، وبتقليل القيود المفروضة عليهم من قبل الحكومة وكذلك بالتحرّر الاجتماعي، بالإضافة إلى مطالبتهم بتعزيز علاقات إيران الاقتصادية مع الاقتصاد العالمي. وكذلك أدَّى تحرير الاقتصاد في إيران من عدة جوانب إلى الإسراع في المطالبة بإصلاحات سياسية.

والتحديث الاقتصادي أدَّى إلى تقوية عناصر المجتمع المدني وكان يعكس قيم الطبقة الوسطى الناشئة ونمط حياتها. وكذلك ترتبط قوة حركة الإصلاح الحالية في إيران وأيضًا ضعفها ارتباطًا مباشرًا مع نمو الطبقة الوسطى الجديدة وظهورها في الآونة الأخيرة. فهذه الطبقة هي فقط التي أتاحت المجال لحركة الإصلاح؛ بيد أنَّها ما تزال غير كبيرة بما فيه الكفاية، من أجل ضمان نجاح حركة الإصلاح في إيران نجاحًا تامًا.

— كثيرًا ما كانت أنظمة الحكم في منطقة الشرق الأوسط تقوم في الماضي برعاية الطبقة الوسطى وبفرض هيمنتها عليها؛ وذلك على سبيل المثال من خلال حملات الدعاية السياسية في أنظمة التعليم أو من خلال فرض تغيير ثقافي. فما مدى اختلاف هذه الطبقة الوسطى الجديدة الحالية عن تلك الطبقة الوسطى القديمة آنفة الذكر في دول المنطقة؟

نصر: الطبقة الوسطى القديمة لم تكن برجوازية بمعنى الكلمة. ولهذا السبب فهي أيضًا لم تكن تلعب دور البرجوازية التاريخي مثلما كانت الحال في الغرب. والطبقة الوسطى التي تم رعايتها من قبل الدولة تعتبر أيضًا تابعة للدولة، وكذلك لا يمكنها لهذا السبب أن تطوِّر نفسها لتتحوّل إلى قوة تحرِّك عملية التحديث السياسي.

والطبقة الوسطى البرجوازية التي عملت في الماضي على تغيير مجتمعات الغرب وتعمل في يومنا هذا على تغيير المجتمعات في الدول الصناعية الجديدة، لا تعتبر تابعة للدولة، بل هي تابعة للأسواق. وكذلك ترتبط مصالحها بتطوّر الاقتصاد العالمي، وهي تدافع عن تصوّرات ثقافية وسياسية تخدم مصالحها الاقتصادية. والبرجوازية المستقلة، أي الطبقة الوسطى البرجوازية التي ترتبط بالاقتصاد العالمي، كانت وما تزال القوة الدافعة من أجل تطوّر الديمقراطية واقتصاد السوق، وكذلك من أجل الاستقرار ومن أجل انهيار الإيديولوجيات المتطرِّفة. ونحن نستطيع التعرّف على هذا التطوّر من خلال إلقاء نظرة على الماضي وكذلك من خلال الكثير من الأمثلة في الوقت الحاضر. كما أنَّ الطبقة الوسطى القديمة في منطقة الشرق الأوسط لم تكن رأسمالية، بل لقد كانت ساكنة لا تتحرّك. في حين أنَّ الطبقة الوسطى الجديدة هناك تعتبر دينامية ورأسمالية وتهتم بالتجارة الحرة.

— كيف يمكن على سبيل المثال دمج إيران في الاقتصاد العالمي؟

نصر: الاندماج في السوق العالمية يعتمد قبل كلِّ شيء على الإصلاحات الاقتصادية الداخلية وعلى المزيد من التبادل التجاري في البلدان المعنية. وهذا الجمع بين الإصلاحات الاقتصادية وزيادة التبادل التجاري يجبر كلَّ الاقتصادات الوطنية المعنية على التغيير، ويربط الرخاء المتنامي وكذلك أيضًا الطبقة الاجتماعية التي تعتبر الرابح الأكبر من ذلك بالاقتصاد العالمي.

ومن ثم سوف يتطلَّب هذا التحوّل الاقتصادي المزيد من الإصلاحات السياسية التي سوف تدفع البلدان المعنية إلى التوفيق بين مصالحها وبين مصالح بقية الدول في العالم، وإلى ضمان المزيد من الشفافية السياسية التي تقوم على أساس سيادة القانون والقيم العالمية.

— إذا نظرت إلى السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية اللتين اتَّبعتهما الولايات المتَّحدة الأمريكية في الأعوام الماضية، فهل ستطلب من الولايات المتَّحدة الأمريكية تقليل اعتمادها على الضغط السياسي والقوة العسكرية، وزيادة مراهنتها على فتح الأسواق العالمية من أجل دمج العالم الإسلامي؟

نصر: التحوّل الاقتصادي يتيح الفرصة لإيجاد حلّ طويل الأمد للمشكلات الموجودة بين الغرب وأجزاء كبيرة من العالم الإسلامي. وعلى المدى الطويل – عندما يتم التغلّب على المناخ الراهن والمكوّن من المواجهة وعدم الثقة بين الغرب والعالم الإسلامي، يجب علينا بناء علاقات مع العالم الإسلامي على غرار العلاقات بين الغرب وشرق آسيا أو أمريكا اللاتينية. وهذا يحتاج إلى تعزيز التبادل الاقتصادي وإلى المشاركة في القيم والمصالح الاقتصادية، بالإضافة إلى الإسهام في السوق العالمية.

— حاليًا يبدو أنَّ “النموذج الصيني”، أي الجمع بين تحرير الاقتصاد والقيادة الاستبدادية، صار يكسب إعجاب العالم. أَلا يمكن أن يكون هذا النموذج أكثر جاذبية بالنسبة للبلدان الإسلامية وخاصة بالنسبة لنخبها السياسية من جاذبية النظام الغربي الذي يتم تمجيده من قبلهم؟ فمن الممكن لهذا النموذج على أي حال أن يجنِّب الأنظمة هناك خسارة السلطة، ما يمكن أن يكون من دون ريب من أهم مصالحهم الخاصة.

نصر: ما من شكّ في أنَّ “النموذج الصيني” يتمتَّع ببعض الجاذبية عند الأنظمة الاستبدادية وكذلك عند الدول التي يغلب عليها طابع الدكتاتورية واقتصاد الدولة. ولكن ربما يكون “النموذج الصيني” نفسه إذا نظرنا إليه على المدى الطويل يسير في مرحلة تغيير ديناميكية نحو اقتصاد السوق الحرة الديمقراطية.

ولكن الأمر الأكثر أهمية نظرًا إلى الجدال الدائر حول العالم الإسلامي لا يكمن في النظام الحاكم، بل في حقيقة أنَّ الطبقة الوسطى وحتى في الصين تتبنى فورما تندمج في الاقتصاد العالمي قيمًا معيَّنة – تقوم على أساس القيم العالمية – وتدافع أيضًا عنها. وسواء كان ذلك في دولة ذات نظام سياسي استبدادي أم في الدولة الديمقراطية، فإنَّ نمو الطبقة الوسطى والارتباط مع الاقتصاد العالمي يؤدِّيان على المدى الطويل إلى قدر أكبر من الاستقرار وإلى التخفيف من حدة التوتّرات الدولية.

ترجمة: رائد الباش
عن موقع قنطرة 2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق