الطبّ الدّارويني … عندما تدخل نظريّة التطوّر إلى المجال الطبّي

 

الطب الدارويني ونظريّة التطوّر

 

نظريّة التطوّر تحظى بقبول شبه تام في المجتمع العلمي، ولكن الكثير من النّاس ينكرون صحّتها بسبب خلفياتهم الدّينيّة أو لقلّة معرفتهم بها.

في هذا المقال سنحاول أن نبيّن إحدى التّطبيقات العمليّة لهذه النظريّة، وهو “الطب الدارويني”، هذا المجال الجديد والنّاشئ وذلك لتوضيح المدى الذي وصلت إليه هذه النظريّة من الموثوقيّة.

يدرس “الطب الدارويني” التكيّفات أو آليات الدّفاع الطبيعيّة التي طوّرها البشر؛ بواسطة الانتقاء الطبيعي لمواجهة الأمراض، وبسبب تعرّض الإنسان إلى العديد من الأمراض خلال فترة حياته العاديّة، إضافة إلى عدم معرفته بالطرق العلاجيّة النّافعة، في سالف الأزمان، كان لزاماً على التكيف أن يجد حلولاً ناجعة إزاء هذه المشكلات التي تقلّل من فرص البقاء.

تعتبر الأمراض النّاجمة عن تغيرات في البيئة، والتي يعجز الجسم عن التأقلم معها بالسّرعة اللّازمة، أوسع مجال لعمل “الطب الدارويني”، فأجسادنا، طرق تفكيرنا، مخاوفنا … الخ كلّها متكيّفة للعمل مع البيئة القديمة في “غابات السافانا” التي تطوّرنا فيها، ويمثل المجتمع المعاصر بيئة مغايرة لما تكيفنا من أجله. وكمثال على ذلك، اننا نخاف من الافاعي والعناكب اذا ما واجهناها حالياً، مع أنّ السيّارات والقوابس الكهربائية هي الأجدر بأن نتجنّبها لكثرة عدد الوفيات التي تحصل بسببها. ذلك أنّ الأفاعي والعناكب كانت مصدر خطر دائم طوال تاريخنا التطّوري، فانّ عقولنا مبرمجة على الخوف منها، وقد يحصل الشّيء نفسه بالنّسبة إلى المخاطر المعاصرة ولكن بعد زمن طويل.

خطوات على طريق العلم الجديد

ظهر “الطب الدارويني” وبزغ نجمه منذ ثلاثة عقود تقريباً، وقد حقّق نجاحاً ملفتاً للنّظر وتمّ الإهتمام بالأبحاث التي تعتمد عليه، حتّى أنشئ “مركز الطب الدارويني” التّابع لجامعة زيورخ، كما تمّ التّركيز في “قمّة الصحّة العالميّة” التي عقدت عام 2009 على الطب التطوّري أو الطب الدارويني، وكان من أهدافها مساعدة الأّطبّاء والباحثين الطبيين على معرفة تطوّر الإنسان.

كان البروفيسور في جامعة ميشيغان راندولف نيسي ـ المتخصص في الطب الدارويني ـ أحد المشاركين في هذه القمّة، وقد صرّح قائلاً: “المساهمة الأولى (لهذا النّوع من الطب) هي مساعدة الأطباء والباحثين على إدراك أنّ الجسم ليس آلة صمّمها مهندسون، بل إنّه جهاز تبلور بحسب الاصطفاء الطّبيعي، وبعض أجزائه تشوبها علل”

هذا الفهم الجديد للإنسان سيوفّر الأرضيّة المناسبة لعلاجه بطرق أفضل وأكثر انسجاماً مع طبيعته البايولوجية.

الأمراض ونظريّة التطوّر

هنالك العديد من الأمراض التي لا يمكن فهمها دون مراجعة نظريّة التطوّر، فأساس تكوّنها والتكيّف معها موجود في التّاريخ الطّبيعي للإنسان، ومن هذه الأمراض:

1 ـ الحمّى: جميع النّاس في الغالب يصابون بالحمّى أو ارتفاع درجة الحرارة في أجسامهم عدّة مرّات طوال حياتهم، وأوّل التدابير المتخذة هي أخذ علاج خافض للحرارة مثل الاسبرين، وهنا تبدأ المشكلة. وعلى الرّغم من وصف الأطبّاء لخافض الحرارة كعلاج إلّا أنّ هنالك جزءا مفقودا يجب الالتفات إليه.

إنّ كريّات الدّم البيضاء والمواد المضادّة لا تنشط في درجات الحرارة الاعتياديّة وذلك لأنّها خلايا بالعة للميكروبات، أي أنّها ستبتلع خلايا الجسم إن كانت نشطة على الدّوام، ولكنّها تنشط عند درجة حرارة (38.5) مئويّة. ولهذا عند دخول أي ميكروب أو جرثومة إلى داخل الجسم فإنّ درجة حرارة الجسم سترتفع لتوّفر البيئة المناسبة لعمل الجهاز المناعي.(الإنسان ومعجزة الحياة ص 96 و ص 97.)

وهذا ما يدعو بعض السّحالي المريضة من ذوات الدّم البارد إلى الالتصاق بصخرة حامية كي تتدفأ ممّا يرفع درجة حرارة أجسامها، وهذا يؤدّي بدوره إلى محاربة المرض، ومن المرجّح أن تموت السّحالي التي لا تعثر على مكان دافئ تحتكّ به.

مثال آخر من عالم البشر، “قام باحث بحقن بعض المفحوصين عمداً بفايروس البرد (الرّشح) وأعطى نصفهم عقاراً مخفضاً للحرارة، والنّصف الآخر حبّة لا تحتوي على مواد فعّالة. عانى أولئك الذين تناولوا عقاراً مخفضاً للحرارة المزيد من الاحتقان الأنفي، واستجابة مضادة للبكتيريا أكثر سوءاً، واستمراراً أطول قليلاً للبرد.(علم النفس التطوري ص 221.)

 2 ـ علاقة السّمنة بالتطوّر:

من يعيش في بيئة يسهل فيها الحصول على الطّعام من المحلّات التجاريّة، قد لا يعلم ما عاناه أسلافنا في الزّمن القديم. حيث يشكّل العيش في بيئة قليلة الموارد تحدياً كبيراً، ولتلافي مثل هذه المشكلة يجب أن يحصل الإنسان على أكبر كميّة من السعرات الحراريّة من خلال السكّريات والدّهنيات، ولأنّ هذه العناصر كانت نادرة فقد تكيّفنا لنتذوّقها بطعم لذيذ، أمّا الآن فالتكيّف يعود علينا بنتائج سيّئة، فأطعمة مثل الحلويات والبيتزا والهمبركَر متوفّرة بغزارة وهذا ما أدّى إلى انتشار السّمنة. وفي هذا الصّدد تقول كريستينا فارينار المتخصّصة في علم الوراثة: “من الممكن أنّ السّمنة قد ارتبطت في الماضي، لمّا كانت هناك ندرة في المواد الغذائيّة، باختيار نوع من الجينات التي تسهّل إلى أقصى حدّ تخزين الطّاقة. ولكن نظرا لكوننا نمتلك حاليّا ما يكفي من المواد الغذائية الغنية بالطاقة، فقد أصبحت المشكلة لدينا معكوسة”. 

 يضاف إلى كلّ هذا تحليل وليام لينارد من جامعة نورذسترن الأميركية لظاهرة السّمنة، حيث أنّه يرى في سهولة الحصول على الطّعام اليوم، مقارنة بالطّاقة المستهلكة للحصول عليه في العصر الحجري سبباً آخر لوجود السّمنة.

3 ـ فقر الحديد في الدّم: عند المرض يزداد عدد البكتيريا القادرة على دخول جسم الإنسان، وبما أنّ الحديد هو غذاء البكتيريا المفضّل، فقد طوّر البشر وسيلة جيّدة لتجويع البكتيريا. عندما يصاب شخص بالتهاب ميكروبي فإنّ الجسم ينتج مادّة كيميائيّة تقلل من نسبة الحديد في الدّم. وفي الوقت نفسه يخفّف النّاس تلقائياً من الأطعمة الغنيّة بالحديد، مثل اللّحم والبيض. كما يخفّض الجسم من امتصاص أيّ حديد تمّ استهلاكه. كلّ هذه الوسائل والإجراءات تساهم في سرعة العلاج .

يلحق بهذه الأمراض، وباء الرّبو العالمي الذي يعتقد بأنّه ظهر نتيجة جهود الطب الفعالة في التخلص من الديدان الطفيليّة كما يرى البروفيسور راندولف نيسي.

كل هذه الجهود والإنجازات تمثّل نصراً حاسماً لنظريّة التطوّر، وعلى من ينكرها عدم الاستفادة من نتائجها في المجال الطبّي.

 

المصادر:

1 ـ كتاب علم النفس التطوري ـ ديفيد باس.

2 ـ الانسان ومعجزة الحياة ـ د.خلوق نور باقي.

3 ـ خبر في موقع اذاعة سوا تحت عنوان (مناقشة الطب الدارويني في قمة الصحة العالمية) [http://www.radiosawa.com/content/article/73936.html->http://www.radiosawa.com/content/article/73936.html]

4 ـ مقال في صحيفة شمس الحرية تحت عنوان (الطب يطبق اكتشافات داروين لفهم سبب انتشار الربو التحسسي في العالم)

[http://www.shams-alhorreya.com/wesima_articles/index-20091018-68358.html->http://www.shams-alhorreya.com/wesima_articles/index-20091018-68358.html]

5 ـ مقال في جريدة الصباح تحت عنوان (أســـرار المومياوات المصرية والطب التطوري)

 [http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=21110->http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=21110]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق