الطبّ في خطر

الإنسان في مواجهة دائمة مع الطبيعة؛ هي بمثابة خزّان متدفّق ممتلئ بالأسرار التي عليه أن يخرجها من خندقها، فالطبيعة تحنّ إلى الصمت، ولا تمنح ثقتها هكذا مجانا وعن طواعية، فخاصية الجهد التي يتميّز بها الإنسان يقاوم من خلالها هذا الصمت ويستنطقه عنوة مع سبق إصرار وترصّد. الطبيعة كالمرأة بحرٌ من الرموز والأسرار التي من واجبه أن يقرأ تعابيرها وإيحاءاتها، ويتعمّق في فلسفتها التي تميل إلى التخفّي والتحجّب المقصود. في خضمّ هذا التحجّب ينبثق الجهد الإنسانيّ في محاولة منه لفكّ طلاسمها وقراءة أبجدياتها اللامتناهية.

التقنية هي الآلية الفريدة من نوعها في استنطاق الطبيعة وجلب ما تدخر عليه في جوفها من كنوز وموادّ قابلة للاستعمال. لم تعد الطبيعة قادرة على إخفاء مكنوناتها إزاء وحش التقنية الضاري والمفترس الذي يتربّص بها من كلّ جانب، ومن كلّ حدب وصوب.

يبدو أنّ التقنية والتقانة والأثمتة التي تدبّر الموضوعات الخارجية بليونة متناهية في الدقّة والتركيز لن تتوقّف عن جعل الطبيعة – كموضوع قابل للإدراك وكموضوع قابل للتسخير وقابل للاستعمال- أن تتملّص من نظرتها الثاقبة، وهي تسعى جاهدة إلى جعل الطبيعة ميّالة إلى الطاعة والرضوخ أمامها من جهة أولى، وجعل الإنسان أثناء تعامله معها يتّخذ تصرّفه نحوها طابع البساطة والسرعة في الاستفادة منها، لأنّ من طبيعة الإنسان الداخلية أن يجنح إلى عدم إخراج جهده بكامله، وعامل التقنية يتدخّل هاهنا لتخفيف هذا العبء عنه، واستجلاء، ومن ثمّة اقتحام، ما تنطوي عليه من أسرار دفينة من جهة ثانية.

لا تقتصر التقنية على مواجهة الطبيعة وحدها، بل الأمر يتعدّى ذلك، إذ نلاحظ بأمّ أعيننا أنّها تنتقل إلى الإنسان ذاته، إذ تروم إلى فهم الإنسان ليس كمفهوم وخبرة زمانية، بل إلى فهم جسده وآليات اشتغاله والكيفية التي تسير عليها أعضاؤه، في ظلّ التقنية انكشف جسد الإنسان ولم يعد يحظى بقيمة السرّ التي كان يتمتّع بها في السابق. في قلب التقنية يختفي الإنسان كذات تتمتّع بالاستقلالية والحرية والسلوك الحرّ، وكمضمون ينطوي على نفحة أخلاقية، إيطيقية، ويحضر الجسد فقط كموضوع قابل للرؤية وقابل للملاحظة بالعين المجرّدة، وكموضوع يتقبّل المضجع بدون أن يبدي أيّ نوع من المقاومة.

في حضرة التشريح الطبّي يغيب البعد الإنسانيّ كمقوّم أساسيّ للكينونة، ويتمّ استدعاء الجسد كمادّة خام، تستسلم لآليات الدرس والتحليل والتفسير والاستبدال والتغيير والازدراع، إنه جسد تعرضه التقنية كموضوع شفاف، واضح، عينيّ، تزيل عنه كلّ الشوائب العالقة فيه، تمتصّ بؤر الفيروسات المنتشرة بكثرة في أعماقه ومفاصله، وتحلّلها عساها تجد مصلا فعّالا تبيد من خلاله تلك الفيروسات السامّة والقاتلة. إذن، الطبّ بمعية التقنية، بما هي صيرورة علمية، قطعت أشواطا تاريخية مديدة صار جسد الإنسان على إثرها ينفلت من أمراض خطيرة تؤرق مضجعه وتجعل حياته في بؤس دائم مخترق بألم مبرح غير قابل للردع.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل فعلا استطاع الطبّ أن يطمس كلّ الممارسات الشاذّة ذات الطابع غير العلمي؟

الجواب هو لا، لم تحدث قطيعة إبستيمولوجية مع أيّ شكل من أشكال الممارسات الخرافية التي تدّعي أن لها استطاعة قهر الأمراض وإيقاف نزيف الألم الذي ينتاب المرء. لم يستطع الطبّ بممارساته العلمية واستفادته من آخر التطوّرات التي تهمّ وجود الكائن الإنسانيّ في الصميم ألا وهي صحته، باعتبارها الأساس الثابت نحو العيش حياة خالية من الألم المدمّر نفسيا، جسميا، واجتماعيا من أن ينزاح عن العقل الخرافيّ المهيمن بشدّة تزداد يوما بعد يوم. الخرافة هي الصنو العنيد الذي يقتفي أثر البحث العلمي محاولا ردعه واحتقاره باعتباره يشكّل شيئا زائدا، فضلة، بقية، فتاتا، كما لو أنّها قدر الإنسانية عليها أن تفسح لها مكانا بين ظهرانيها.

ها هو “المكّي الترابي” يوزّع هداياه المجانية المشفوعة بلمسات تذيب الأمراض العضال كما تذيب الحرارة الثلج. طوابير طويلة تلتفّ حول زاويته الموجودة في مدينة “الصخيرات” المغربية منتظرين دورهم في الاستفادة من تطبيبه العجيب الذي يرتكز بالخصوص على يده الساحرة!

تأمّلوا معي؛ إنّنا بالفعل نعاين انتقالا أو لنقل جدلا صاعدا من النموذج المادّي الذي بموجبه يكون الجسد فيه كموضوع خاضعا للمساءلة، وقابلا للملاحظة والمعالجة الأمبريقية الإكلينيكية، إلى النموذج المثالي الذي يعلي من شأن قوى مفارقة للوجود الإنساني على هذا الكوكب الصغير، وهو ما يجسّده بالملموس مكّي الصخيرات بإعلائه من المضمون الخرافي واستدعاءه للغيبيات بقدرته على تلاوة تعاويذ غير مفهومة، وقدرته على اللّمس التي تختبر ذاتها كقوّة شافية تقذف بالأدوية والتشريح والجراحة في غياهب النسيان. إنّه شخص يدّعي شفاء ما لا يقبل الشفاء، ما استعصى على الطبّ معالجته، ما لم يفطن الطبّ إلى طبيعته، أي طبيعة المرض، والعثور من ثمّة على الترياق المضادّ له، يدّعي علاج ما عجز العلم والبحث العلمي في مجال الطبّ دائما عن تقديم وصفات تحدّ من خطورته، لكن رغم كلّ ذلك فماكينة البحث مازالت مشتغلة لا تعرف تراجعا ولا استسلاما؛ يدّعي علاج الأمراض المستعصية فقط بلمسة سحرية تخترق الجسد ليكون المستحيل ممكنا، ومتعذّر التحقّق قابلا للتجسد عينيّا، مفردة الاستحالة غير واردة في قلب هذه اليد التي تكون الأجساد إزاءها مطواعة وسهلة المنال، وقابلة للتمديد والضبط والترويض والشفاء العاجل! فقوّته الخارقة كما يفصح عن ذلك في مجموعة من الجرائد الوطنية المغربية تكمن في حيازته لمادة “المانيتيزم” في جسمه التي يحمل منها 665 مليون وحدة تكفي لجميع سكان القارة الإفريقية!، ويقول إنّ قوّته استلهمها من الكواكب الخمسة، وهي بركة من الله وهبها له، تعالج بها كلّ الأمراض وكلّ الناس على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم، وعن الكيفية التي يتدبّر بها جسد المريض هو أنّه يمسك يد المريض، وفي حالة كان المرض قابعا بالفعل في داخله يحسّ المريض أثناءها بأنّ أفعى قد لدغته، بعدها تسري قوّته في جسده ويكون ذلك شفاء له. يبدو لي أنّ الله حسب كلام المكّي الترابي قد اصطفاه دون الآخرين ليكون عونا للبشرية في التصدّي للمرض وطمسه من الوجود واقتلاعه من جذوره الصلبة. ولكن ما يبدو لي غريبا، وهو أنّنا نحمل في اعتقادنا أنّ الله أرسل أنبياءه لهداية البشر وقيادتهم إلى الطريق الآمن للخلاص من خلال تقويم نفوسهم وتصحيحها من حيث أن النفس أمارة بالسوء، وتنقيتها من كلّ الدوافع الجنونية التي تزيغ وتنحرف عن المسار المسطّر لها سلفا. في حين أنّ المكّي هو نبيّ من نوع آخر، هو التجسّد الإلهي الذي لا يقوم دوره على إعطاء الوعظ أو إنشاء وتركيب الخطابة لهداية الناس الذين انحرفوا أو هم مهدّدون بالانحراف، بل دوره يتمثّل في مداواتهم وشفائهم من الأمراض الفتّاكة التي تصيب الجسم وتدمّره.

ترى ألن يأتي يوم تختفي فيه الخرافة أو الممارسات الاجتماعية التي ترتكن إلى السحر والدجل والشعوذة لتحلّ محلّها ممارسات تعترف بدور العقل بما هو أداة تنويرية، عقلانية والعلم بما هو ممارسة علمية، تكنولوجية باعتبارهما فاعلين حيويين في توجيه الإنسانية نحو الوجهة الصحيحة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق