الطريق السلمي نحو الحداثة العربية / سعيد ناشيد

هل هناك طريق سلمي نحو الحداثة؟

يبدو كأننا أمام سؤال استنكاري، وهو فعلا كذلك. مبررنا أننا لسنا نرى مجتمعاً غربياً أدرك عتبة الحداثة السياسية من غير أن يمرّ عبر نفق طويل من ثورات وحروب وفتن، لم تبق ولم تذر، إلى الحد الذي يبدو فيه العنف، كأنه ملازم لسيرورة تشكل الحداثة السياسية داخل المجتمعات الغربية.

هكذا يبدو الطابع الاستنكاري للسؤال مبرراً. لكن ما الذي يبرر إمكانية وجود طريق لاعنفي نحو الحداثة السياسية؟ ألا يكفينا قياس الغائب، وهو الحداثة العربية، على الشاهد، وهو الحداثة الغربية، لكي نستنبط بأن قدر الحداثة أنها مثل الحسناء الساحرة التي تمتص دماء البشر وتشق طريقها مشياً فوق الجثث؟

فهل ستشهد الحداثة العربية تفاصيل أخرى وحكاية مختلفة؟

السؤال راهني وتاريخي: إنه راهني بالنظر إلى الطابع السلمي واللاعنفي لثورات الشارع العربي اليوم، وهو تاريخي بالنظر إلى الإشكالية التي جابهها الفكر النهضوي العربي منذ بدايته إلى اليوم.

فمنذ مطلع القرن التاسع عشر، وفي اللحظة التي اصطدم فيها الوعي العربي بالإشكالية الكبرى: لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟ تساءل روّاد النهضة في مصر والشام حول ما إذا كان الطريق العربي نحو الحداثة سيكون عنيفاً بالضرورة وبالصيرورة مثلما هي الحال في الغرب، أم أن الانتقال نحو الحداثة العربية قد يكون انتقالا هادئاً وسلمياً؟

ميزة النهضويين العرب أنهم راهنوا مبكرًا على وجود طريق لاعنفي نحو الحداثة. هنا تكمن أصالتهم «الشرقية» وقدرتهم على تبني مواقف أكثر حكمة وتفاؤلاً. بل بوسعنا أن نقول: إذا كان الفكر الليبرالي الغربي قد استطاع أن يقدم نفسه كنقيض جذري للاستبداد، فإن إحدى أهم خصائص الفكر النهضوي العربي تكمن في أنه لم يضع الحرية مقابل الاستبداد وحسب، وإنما وضعها أيضاً مقابل كافة أشكال العنف السياسي والعنف السياسي المضاد أكان من طرف الدولة أم من طرف المجتمع.

بالعودة إلى الكتابات السياسية لأحد أبرز رموز الفكر النهضوي العربي، أديب إسحق، على سبيل الاستدلال، نلاحظ كيف أنه اتخذ موقفاً نقدياً رافضاً ومناهضاً للنزعات الفوضوية الأوروبية والعدمية الرّوسية، تلك النزعات التي حاولت مواجهة عنف الدولة بعنف مضاد، غالباً ما لا يقل فظاعة وشراسة من عنف الدولة.

لم يتردد أديب إسحق في اعتبار العدمية الرّوسية بمثابة «الطرف المقابل للاستبداد في الهيئة السياسية… ومشربها مقاومة الشر بمثله… فالعنف بالشدة… والشنق بالطعن». كما أنه لم يتردد في انتقاد النزعة الفوضوية الأوروبية واصفاً أتباعها بأنهم «غلاة شيعة الأحرار».

لقد أدرك أديب إسحق مبكراً أن الانتقال من دولة الاستبداد التقليدي إلى دولة الحرية الحديثة لا يمرّ عبر تعميم العنف والقتل والإرهاب، كما ترى النزعات العدمية وترجح التيارات الفوضوية، وإنما يتحقق الانتقال نحو الحداثة السياسية بواسطة التدبير اللاعنفي وعبر التغيير السلمي.

لقد أحرق عنف الثورة الفرنسية معظم الذين أشعلوا فتيله، وعلى رأسهم روبيسبيير، وابتلع عنف الثورة الروسية أنبغ رموزه، وعلى رأسهم ليون تروتسكي، وكان ثمن الثورة الصينية الحمراء سنوات عجاف من الإبادة والمجاعة… يرى البعض أن الأمور بخواتمها، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وحين يتعلق الأمر بغايات التاريخ فلا مجال للبكاء على أفراد زائلين. غير أن الحداثة السياسية تعلمنا، في المقابل، أن الفرد غاية الغايات. وحين نستحضر حساب الكلفة فإننا نلاحظ كيف أن معظم روّاد الفكر النهضوي العربي انتبه مبكرًا إلى أن كلفة التغيير العنيف، على مستوى أمن وحرية وكرامة الأفراد، تجعل رهان الثأر المسلح والانتقام العنيف رهاناً مفلساً ابتداء وفي كل الأحوال.

قبل بضع سنوات، قيل لمثقف جزائري، في برنامج إذاعي فرنسي : أيها العرب، لا تعولوا علينا، لا تطالبونا بأي شيء، افعلوا فقط ما فعلناه، اقطعوا رأس الملك بأنفسكم مثلما فعلت الثورة الفرنسية.

أجاب ذلك المثقف الجزائري بهدوء وتلقائية: حين نصنع ثوراتنا لن نقطع رأس الملك؛ لأننا سنكون أكثر تحضراً.

وقتها ضحك معظم الحاضرين ساخرين من هذا الجواب.

يقينا أنهم سمعوا كثيراً عن بن لادن والظواهري والزرقاوي وغيرهم، لكنهم لم يقرأوا شيئا عن آباء النهضة العربية ولا هم يعرفون شيئا عن الشارع العربي اليوم.

 

عن جريدة السفير اللبنانية 16/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق