الطريق مغلقة.. ثمة “منحنى خطر” يجتازه “جون بريستلي”

السعادة تغمر الجلسة قبل أن تنقشع تلك الغمامة عن معرفة الحقيقة، فمن يعتقد إذاً، أن المعرفة ألم والجهل نعمة سيكون على صواب حين يتابع مسرحية "جون بريستلي" المعنونة بـ"منحنى خطر" والتي سبق أن ترجمتها الدكتورة "زينب شيرازي" إلى العربية.


ولأن المخرج "عروة العربي" أخذ على عاتقه مهمة إخراج النص لمؤلف له يد بيضاء في تكوين "الهيئة العالمية للمسرح" يوم اجتمع مع المسرحييْن "أرشيبالد ماك ليش" و"فرانسوا مورياك" بمبادرة من منظمة "اليونسكو" عام 1946م، وهم يشكلون الهيئة التحضيرية الأولى لـ"المركز العالمي للمسرح"، وفي العام الذي تلاه أُعلن عن تكوين "الهيئة العالمية للمسرح" برئاسة "جون بريستلي" وذلك في مؤتمر مسرحي عقد في العاصمة التشيكية "براغ" لهذا الغرض.


 والذي لا يعرف "بريستلي"، سيكون على موعد مع حكاية اجتماع الأصدقاء في منزل أحدهم بعد غياب يبدو غير طويل باستثناء ضيفة قادمة من دولة أخرى.
الشاب "مثنى" وأخوه الراحل "مامر" قطبا النص، بموازاة ذلك سنتعرف على زوجة "مثنى" وهي "سلمى" أخت "غيث" وزوجته "راما"، وكذلك "تيم" و"نادين" الضيفة.
سبع شخصيات حاضرة، وشخصية واحدة "مامر" غائبة حاضرة ، تدفع بالأحداث إلى حيث الذروة، ولأن طبيعة العلاقات بين الشخصيات تبدو أقرب إلى مفهوم الأخطبوط، فالعُقد المختلطة هي أيضاً تتجه نحو التعقيد الدرامي الذي يعتمد أسلوب كشف الحقائق أو الجرائم، تلك الحقائق التي تكشف كل منها الأخرى، فكل تفصيل يؤدي إلى معلومة، وكل معلومة تنتهي بالتشعب، لتمسي الأحداث في النهاية غارقة في الشكوك.

أي منحنٍ انحنى؟


حسب معلومات رياضية، ينشأ المنحني من القطع المكافئ التي يمكن تشبيهه بأشعة الضوء الساقطة على بؤرة مرآة لها شكل هذا القطع الذي يُستخدم في صناعة المصابيح الأمامية والكشافات العاكسة.
إذاً، الأضواء ستنعكس على شخصية "مامر" كمعظم الحقائق التي تتكشف بعد موت صاحبها، فصندوق صغير موضوع على الطاولة يفتح مئات الأسئلة حول كيفية مقتل أو انتحار "مامر"، فكما هو معلوم من قبل الجميع أن هذه الشخصية قتلت نفسها، لكن تتالي الأحداث يُرشدنا إلى حيث المعلومة التي تؤكد أن "مامر" كان على علاقة غرامية جنسية مع زوجة أخيه "مثنى، ثم يتذكر المثلي جنسياً "غيث" الأيام الخوالي التي قضاها مع "مامر"، وأيضاً يكون "تيم" على علاقة مع زوجة صديقه الشاذ "راما" التي لن تفلت من "مامر" أيضاً، وبالتالي سيحاول "مامر" اغتصاب "نادين" تحت ضغط المسدس، لكن ثمة خطأ في تحريك المسدس يؤدي إلى مقتل "مامر"، الذي كان اتهم أخاه بسرقة الشيك الذي تدور حوله فكرة النص.
هذه هي الأحداث العنكبوتية التي تلخص مجرى العرض القريب من أسلوب الجنائيات أو كشف الجرائم من خلال مقولات تتعلق بأن السارق أو المجرم يترك أثراً ما، الصندوق التي أهدته إياه عشيقته "سلمى".

تحت راية الضوء.. الرهان:


هكذا تتكشف الحقائق أمام مرأى ومسمع "مامر" الذي سيتصرف بطريقة مغايرة تؤدي به إلى الانتحار نهاية العرض.
والحكاية تبدو معاصرة في طريقة سردها ومضمونها، ليس بسبب التلفزيون الموجود فقط، بل لوجود العديد من العلاقات غير المشروعة المتشابكة، جميع هذه العلاقات أو الأشخاص لم يوفرها "مامر" كما يقال، فلعب على المستوى الجماعي.
"عروة"، التونسي المقيم في سوريا منذ وقت طويل، بذكائه الإخراجي يستطيع التحكم بحركة الممثلين على الفضاء المكاني، فالخشبة كبيرة وهي تضم قطعاً ديكورية متعددة، والشخصيات ستتحرك بمنتهى الراحة ضمن مساحات حُددت للممثلين بعناية، فجاءت حركة الأقدام قريبة من الستايل الغربي، والمقصود أن أغلبية المشاكل حُلت واقفاً، ففي الوقت الذي كان يأتي دور الشخصية بالحديث فسيتحتم عليها الوقوف.
القصة لم تنته هنا، فالضوء سيكسب الرهان عندما يعلن بطولته بين الفينة والأخرى ولاسيما حين يأخذ دور الأضواء الكاشفة وهي تدل على اعتراف الشخصيات بما اقترفت.


لكن هل من المعقول أن تُحلّ القضايا بصوت عال؟
القصة تدور في العاصمة الفرنسية والحوارات باللهجة "الشامية" والمشروبات الكحولية تملأ المكان، هذا ما يخلق نوعاً من التناقض إذاً، فالفضاء مكانيّا مطابق لديكور بيت غربي بمواصفات جميلة، فثمة تلفزيون موضوع على فضائية الـ "إم بي سي2" من خلال شاشة مسطحة على يسار الخشبة بجانب مكتبة "مثنى" الغنية بالروايات، وثمة طاولة في المنتصف ومشروبات كحولية دائمة التردّد، أما على يمين الخشبة فالبيانو الذي يعزف عليه "مامر" طوال فترة العرض.. البيئة المكانية تدور في منزل "مثنى".


رغم ذلك استطاعت الشخصيات أن تتوحّد مع المكان في وقت كانت فيه المدة الحقيقية للحكاية مطابقة للمدة الدرامية، هذا كله والجمهور لا يكاد ينتهي من فك عقدة حتى تكون الأخرى له بالمرصاد، فجاءت البيئتان الزمانية والمكانية لتمنحاه جرعات زائدة عن علاقات غريبة تجمع شخص "مامر" البطل الحاضر الغائب بالجميع.
النص إذاً تتكشف علاقات شخصياته بالتناوب وليس في الدقائق الأولى، فنحن أمام علاقات واضحة في البداية تكون زائفة، ثم تأتينا العلاقات الحقيقية بينها.

يمين الخشبة.. منبع القصة:


البيانو.. روح "مامر" الشخصية التي تدير ظهرها للجمهور ستعزف على هذه الآلة، فتكون هي الموسيقى التصويرية للعرض، وبالتالي سترافق الشخصيات إلى حيث معرفة الدوافع والانفعالات، أي استطاع البيانو كشف الزيف وتوحّد مع الانفعالات والمشاعر الإنسانية الأخرى ومهّد في كثير من الأحيان لما سيحدث لاحقاً، ولم يكون تموضعه عبثاً، ولاسيما في المشهد الأخير حين يلتقي "مامر" مع أخيه "مثنى" بطريقة غير مباشرة، ويقتل نفسه بعد قليل.


هي إذاً بعض من الاختلاطات المبدعة بين الفضاءات الموسيقية والمكانية واللحظية، تمكن المخرج "العربي" من الإمساك بتلابيبها رغم الخلط بين الأحداث التي تجري في "باريس" ومقاربة ذلك إسقاطياً على بعض الحالات التي لم تجد نفعاً سواء على مستوى اللهجة أو العادات أو الثياب الفاخرة.

كل شيء معاصر.. الأزياء، الديكور، الحكاية..


النص القوي سيحتاج إلى إخراج أقوى، والنص هو الأب الشرعي الوحيد للصورة، على الأقل هذا ما اعتقده، ولأننا نتحدث عن الصورة، فثمة سينوغرافيا رائعة الألوان والتموضعات تظهر، ربما هي الرغبة في قول المختلف.
كل ذلك وفقاً لرغبة الممثلين "جلال الطويل – ربا الحلبي – أريج الخضور – جوان الخضر – وسيم قزق – علا باشا – العازف داني القصار" بألوان سينوغرافية لـ "زهير العربي"، بإضاءة كاشفة درامية لـ "نصرالله وأدهم سفر"، بموازاة أزياء "ظلال الجابي" المعاصرة، بجهود واضحة للطاقم الفني كافة.
المسرحية عُرضت على خشبة الحمراء في دمشق ولقيت ترحيباً جماهيرياً كبيراً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق