الطفل الصغير لاري من بروكلين: المعرفة القليلة تجلب المتعة / نجم والي

«بول نيومان أخبرني ذات مرة بأنه، ما أن يصل إلى مدينة أو مكان، من غير المهم أين يكون وفي أي زاوية من العالم، فإن أول ما يفعله هو أن يشغل جهاز التلفزيون في غرفة الفندق لكي يشاهدني»، هذا ما كتبه لاري كينغ في مذكراته الصادرة حديثاً «رحلتي الملفتة للنظر». «كنت الرابطة التي تربطه بأميركا، مع البيت، قال لي». الممثل الأسطوري نيومان لم يكن الوحيد بذلك الشعور، هذا ما يشعر به العديدون مع لاري كينغ، الرجل المألوف، الصوت المألوف، الذي منح الناس والأخبار وجهاً آخر.

ليس هناك من لا يعرف لاري كينغ، الرجل بالبنطلون ذي الحمالات، بتسريحة الشعر المصفوفة إلى الخلف، وصاحب النظارات الكبيرة الحجم بعدستيهما السمكيتين. في كل مساء يستجوب لاري كينغ محدثيه على قناة التلفزيون الأميركية، سي أن أن، وهو لا يفعل عن طريق ذلك غير أن ينقل أسئلة المشاهدين. لاري كينغ كان الأول الذي بدأ بالاتصال بالمشاهدين لكي يتبني الأسئلة التي يريدونها: لاري كينغ لايف هو على الهواء منذ عام 1985. ولكن من هو لاري كينغ قبل ذلك التاريخ؟ سنوات طويلة، وقبل أن يظهر على شاشة التلفزيون، كان لاري كينغ يهذر في الراديو. الفضل يعود إلى صديقه تيد تيرنير الذي جلبه للعمل في القناة الأميركية السي أن أن منذ تأسيسها، لكي يصبح مشهوراً على مستوى عالمي.
لاري كينغ كان رجلاً مناسباً للعمل في الراديو منذ طفولته. كان فقد والده وله من العمر تسع سنوات. ثغرة اليتم تلك لم يستطع سدها في حياته أبداً، حتى عن طريق شخصية أب جديدة، زوج أمه الجديد. عمله في الراديو جلب له العزاء، إن لم يكن سدّ له هذه الثغرة. «أيامي بدأت وانتهت مع الراديو…. لم يكن هناك تلفزيون»، كتب في مذكراته، «الراديو كان أكثر جاذبية من التلفزيون، لأن من الممكن للمرء أن يتخيل كل شيء فيه بشكل أفضل». وبهذا الشكل أيضاً تحول لاري كينغ، الطفل الفقير من حي بروكلين في نيويورك، بالنظارات الرخيصة والفم الثرثار، إلى «مدمن راديو».

في وقت مبكر ذهب لاري كينغ إلى ولاية فلوريدا. ساعده على توفير فرصة للعمل له هناك، المغني الأسطوري فرانك سيناترا ليبدأ صعوده الوظيفي الوحيد من نوعه. لقد صنع لاري كينغ بسرعة له إسماً، بصفته المتحدث الودود، الذي يثق به كل أولئك الذي سيجري معهم مقابلات في الراديو.

لاري كينغ، الذي وُلد عام 1933 والذي أسمه الأصلي لاري تزايغير، عاش مع أمه وأخيه في ظروف معيشية صعبة. ربما الحاجة لعبت دوراً، هي أيضاً، في صنع شخصية لاري كينغ. أنه وبشكل ما معجزة: ها هو يعمل أكثر من خمسين عاماً للراديو والتلفزيون، وما كسبه من المال يفوق أغلبية زملائه، فضلاً عن ذلك أنه رجل التلفزيون المعروف أكثر من زملائه الآخرين، ترك وراءه 8 زيجات وجلب للعالم 5 أطفال، ناهيك عن تغلبه على جلطة قلبية قوية وخمس عمليات في القلب، والأكثر من ذلك أنه استطاع التغلب على أكثر العادات سوءاً في حياة الإنسان، التدخين (كان يدخن ثلاث علب سجائر في اليوم!). لاري كينغ لا يسأل في مقابلاته أسئلة مثيرة، لكنه كما هو واضح يسأل الأسئلة الصحيحة، وإلا لما تحدث معه كل الرؤساء الأميركيين منذ ريتشارد نيكسون.

رغم عمله في التلفزيون ما يزال يعيش في داخله صحافي الراديو، الذي يُخرج مايكروفنه بسرعة ما أن يسمع بحدوث ما هو غير عادي. ليس بالضرورة أن يكون ذلك إعصار كاتارينا أو إندلاع حرب العراق، كلا، من الممكن أن يكون موضوع الحديث طفلاً حُمل مع والده من أفغانستان إلى أميركا لإجراء عملية إنقاذ لحياته، أو أن يكون كابتن طائرة الـ»تي دبليو أي» التي طافت صورته حول العالم، تلك التي رأينا فيها إرهابياً يضع فوهة المسدس على صدغه. بعد تحرير الكابتن وطاقم الطائرة، دعاه لاري كينغ مباشرة للحديث في برنامجه.

حصيلته حتى الآن 40000 حوار سأل فيها عما يريد معرفته جميع المشاهدين، وهو واثق من الشعور المناسب الذي يملكه إزاء الأحداث. عندما حدثت كارثة المركبة الفضائية «تشالنجر» في عام 1986، كانت قناة السي أن أن الوحيدة الحاضرة في مكان الحدث. لاري كينغ يتذكر في كتابه: «أعتقد، أننا أنتجنا على مدى أسبوع كامل العديد من برامج الشو التي لها علاقة بالكارثة». الأسئلة التي دارت في رؤوس الجميع، طرحها على طريقته: في أي وضع يجد أنفسهم ذوو رواد الفضاء؟ كيف هي حال الأطفال، الذين أصبحوا شهوداً على ما جرى؟ ما هو الخطأ الذي قاد إلى ذلك؟ ما هي نتائج ذلك على المحطة الفضائية «نازا»؟ «في أزمان الحزن»، يقول لاري كينغ وبإعجاب، «برنامجي هو المكان المريح، الذي يأتي الناس إليه بود. هناك شيء في التلفزيون يجعله يتحول إلى أحد أعضاء العائلة….أنا لاري كينغ، أنا صديقكم».

لاري كينغ هو ليس الصحافية الإيطالية أوريانا فالاتشي، التي كانت ترسل تقاريرها الصحافية المطعمة بالمقابلات من أماكن الأزمات (من فيتنام مثلاً) والتي صنعت قيمة لنفسها بسبب تلك المقابلات بالذات. من ينتظر منه الأسئلة المزعجة، من ينتظر منه أن يدس أنفه في قضاياه الخاصة، عليه ألا يذهب إليه. الفن الذي يجيده لاري كينغ هو بثّ الشعور العائلي هذا، الشعور الذي لا يبعث أي رهبة عند من يجلس إلى جانبه، والذي يعني أيضاً، أنه نفسه لاري لا يشعر بالخوف من الشخص الذي يحاوره بسبب مكانته. بعد جريمة قتل مغني البيتلز جون لينون، انقطعت خطوط التلفون كلها في الأستوديو. آلاف المشاهدين أرادوا الاتصال به لتفريغ ما كان يعتمل في صدورهم. في هذه الأيام حدث الأمر ذاته، بعد موت مايكل جاكسون. ذات مرة أعلنت قناة السي أن أن، (كان الأمر له علاقة بكذبة نيسان)، بأن أسامة بن لادن على استعداد للقاء لاري كينغ في مكان ما في جبال أفغانستان! الجميع كانوا على قناعة بأن أسامة بن لادن كان على استعداد لمواصلة الحديث مع لاري كينغ حتى في صندوق السيارة، التي ستقل لاري كينغ إلى المكان السري الذي جاء منه، لأن بن لادن لا يريد التوقف عن الهذر!

«أستطيع أن أستخرج من الشخص الذي أقابله، ما حدث بالضبط، لأنني أسأل: ماذا تعلمت اليوم؟ أي لحظة كانت أكثر صعوبة في حياتك؟ ما هي المفاجأة التي عشتها؟ على المرء أن يعرف ما هو ضروري وحسب. إذا كان في حوزة المرء الوقت الكافي لسؤال الناس، من الأفضل له، أن يكتفي بمعرفة القليل. ليس من الجيد أن يعرف المرء كثيراً، معرفة القليل تجلب الكثير من المتعة».

عندما كان عليه أن يلتقي بأدوارد تيلير الفيزيائي الذي اكتشف القنبلة الهايدروجينية، سأل هذا لاري كينغ، ماذا تعرف عن الفيزياء؟ لا شيء، كان جواب لاري الصادق. لاري كينغ كان قد انتهى من الدراسة في الهاي سكول بصعوبة. «وكيف تعتقد أن الأمر سيعمل في المقابلة، إذا كنت لا تفهم في الفيزياء»، أمر جعل لاري كينغ يهدئه، ويقترح عليه رمي شريط التسجيل إلى القمامة، إذا لم يعجبه الحوار في النهاية. في تلك اللحظة كان سؤاله الأول لعالم الفيزياء. لماذا كنا نخاف من درس الفيزياء عندما كنا طلاباً؟ لماذا الفيزياء المدرسية بهذه الصعوبة؟ في تلك اللحظة أجاب تيلير بنشوة، وبلكنته النمساوية، «لأن طريقة تدريس الفيزياء خطأ، عليهم أن يكفوا على تسميتها بالفيزياء أولاً، أن يسموها الحياة! كان لا يحتاج لاري إلى أن يسأل «ماذا يعني ذلك؟» كل الأسئلة الباقية جاءت بشكل طبيعي من الحوار.

عندما انتهى الحوار، قال عالم الفيزياء المتكدر، «لماذا أردت خداعي، وقلت أنك لا تعرف شيئاً في الفيزياء؟ ذلك هو فن لاري كينغ.

«سيرتي غير الاعتيادية»، هو ليس بكتاب أدبي كبير، لكنه مادة قراءة مسلية تتحدث عن صعود وظيفي غير عادي في عالم الميديا، صعود وظيفي لرجل عرف كيف يصنع من نفسه نجماً، وهو رجل عرّفته مجلة التايمز بجملة قصيرة وبسيطة «مايسترو المايكروفون». لاري كينغ حاور آلافاً من البشر، ومن مختلف الأصناف: المهمين، الأغنياء، المشهورين، بل والمجرمين. كل واحد يعرفه ويعرف ماركته المسجلة، بنطلونه بالحمالات، من غير المهم، إذا كان في طوكيو أو في هامبورغ، في نيويورك أو في ريو دي جانيرو، في الرياض أو في بيروت. كلهم يبجلون لاري كينغ، هذا أمر ليس سيئاً بالنسبة «للصغير لاري تزايغير من بروكلين».

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق