الطفل والخيال والتخيل

الخيال ضروري للطفل لتنمية مداركه وتوسيع رؤاه وتفتيح ذهنيته القابلة للتوسع والتنشيط باعتبارها كالصفحة البيضاء قد تمتلئ سلباً أو إيجاباً، لذلك نجد الوسائل الاتصالية تحاول تهيئة أذهان الأطفال للتخيّل من أجل أن يفهم الأطفال المعاني والعلاقات والمعلومات، ومن أجل أن يستمتعوا في الوقت نفسه بصور الخيال المشوقة، وحين يعجز المصدر الاتصالي عن تشكيل صور خيالية مناسبة وواضحة للأطفال، فإن هذا يقود إلى خلل في فهم الطفل لما يتلقاه من مضامين، كما يقود إلى حرمان الطفل من المتعة، ولهذا يعتبر القدر المناسب من الخيال في أسلوب ومضمون أي عنصر من عناصر الأدب معياراً أساسياً تقاس على أساسه جودة ذلك الأدب.

والخيال بصورة عامّة هو مجموعة صور وأفكار وآراء يتمّ الحصول عليها من الواقع عبر الأحاسيس والإدركات والانتباه والتفكير، حيث يعاد ربط هذه الأمور وتكوينها بصورة جيدة تبتعد فيه عن الواقع الموضوعي الحقيقي. عندها تسمّى ( خيالا ) بعد أن تتوغّل في عالم اللاشعور. ومن الضروري بمكان إثراء بيئة الطفل بالألعاب والدمى وتشجيعه على اللعب بها، فهذه الألعاب لها دور فعال في النموّ العقلي للطفل، فضلاً عن قدرتها على جعل الطفل يتكيف مع محيطه الاجتماعي وتحقق له السعادة.

ويتصف الخيال لدى الطفل بأنه خصب، وشديد الانفعال، وعمليّ إلى حدٍ كبير. فكثيرا ما نجد الطفل يميل إلى اللعب بخيالاته، ويحاول تحقيقها على أرض الواقع. ويبدأ هذا الطفل بتبسيط كلّ شيء ومن ثم يصوغه مجدداً، لنتساءل لماذا يقوم بذلك؟ ونجد التفسير عند الأخصائيين، إذ يقولون بأن الطفل لا يميز بين عالمي الواقع والخيال، وتظل الصورة بالنسبة للطفل شكلاً من أشكال المنبهات تتمتع بقوة محركة ومنبهة للخيال، وبمجرد ما يجد الطفل صورة ما نجده يندفع بانفعال شديد، ويبدأ بتطبيق خيالاته، لأنه في النهاية لا يستطيع كبح جماح هذه الخيالات، وسرعان ما نلاحظ أن الطفل ( ومن خلال تطبيقه العملي والانفعالي ) قد بدأ يقوم بتمثيل بعض الأدوار التي يحبها في أبطاله المحبوبين والأمثلة على ذلك كثيرة، فمن من الأطفال من رأى ” سوبرمان ” ولم يقلده في حركاته، وبكل ما يقوم به من أفعال؟ بل من منهم من لم يتمنّ أن يصبح ” سوبرمان ” بكل معنى الكلمة.

ويمكن أن يجد الطفل مصادر الخيال وموضوعاته في كل شيء وكل معنى، بل يجده في أدوات نقل المعاني نفسها، فالألفاظ والإشارات والحركات والأضواء والألوان تؤلف مصادر للخيال، ويتفاوت القدر الخيالي بتفاوت طبيعة المصادر وطبيعة الأطفال أنفسهم. فمرحلة الواقعية والخيال المحدود بالبيئة تتراوح بين 3 ـ 5 سنوات من عمر الأطفال أنفسهم. أما مرحلة الخيال المنطلق فهي من 6 ـ 8 سنوات، ثم تأتي مرحلة الطفولة بين 8 ـ 13 سنة، وأخيراً مرحلة المثالية بين 13 ـ 15 سنة، ولذلك فالقراءة كفعل وتفاعل ثقافيين لا تأتيان إلا نتيجة منطقية للأدب الذي هو تشكيل أو تصوير تخيلي للحياة والواقع والفكر والوجدان والأحاسيس والبيئة والعلوم، من خلال بيئة لغوية تتجسد فنياً على شكل رواية أو مسرح أو شعر أو قصة أو خاطرة.
فيما يلي سنتناول حالات الطفل الخيالية والوسائل والطرق والأساليب الضرورية لتنمية الخيال لدى الطفل:

ـ يميل طفل الثلاث سنوات إلى التخيل، يتكلم مع لعبته، يضرب الطاولة إذا اصطدم بها، يتكلم مع رفيق وهمي…، هنا يجب الانتباه، قد يكون هذا خطيراً في بعض الأحيان إذ أن اندفاع الطفل إلى هذا الحد من الخيال والوهم دليل على أن الحياة كما نقدمها له لا تحمل إليه ما هو بحاجة إليه، ولا يبقى له إلا الخيال ملاذاً، في هذه الحالة يجب إيجاد صديق حقيقي له، ولكن من الضروري أن تكون حوله أسرة تفهمه وتعي مشكلاته، إن الطفل الصغير تختلط في ذهنه الأفكار فلا يستطيع التفريق بين الصحيح منها وغير الصحيح، بالإضافة إلى أن خياله يصور له أفكاراً بعيدة عن الواقع والحقيقة، ويتصور أنها واقع وحقيقة، قد يكون هذا هو السبب الذي يجعل من الأطفال في هذا العمر يشغفون لسماع القصص الأسطورية والخيالية من الجدات، بل أنهم لا يدركون عدم واقعية القصص الخرافية لدرجة أنهم يعيشون في أجوائها ويتخيلونها بشغف ومتعة وسرور، لا تعالجوا تخيلاته على أنها أكاذيب، وإذا ما اختلفت المواقف أو الشخصيات الخارقة وحكى لكم عن القصص والروايات قولوا له: ربما ستصبح روائياً كبيراً، وسوف نكون فخورين بذلك.

ـ هناك ضرورة أن نروي للطفل حكاياتنا الشعبية المعهودة، إن كل الكتب والألعاب والصور التي نعرضها على الطفل تثير خياله، إن الخيال ضروري للعيش: يرافق كل أطوار الحياة في الـ3 سنوات كما في الـ30 سنة، ولنا معه قصة شبه يومية موفرة للصحة النفسية، وحتى العلماء والمخترعون والرواد كلهم كانوا لا يشرعون بخطوة ما من دون ” الخيال “؟

{{ختاماً:}}

موضوع الخيال لدى الطفل موضوع هام وحساس، وذلك أن الخيال عنصر أساسي من عناصر الإبداع والعملية الإبداعية، و(أسلوب تربوي هام جداً)، وكما ذكرنا آنفاً، فمعظم الاختراعات الكبيرة التي تمّ انجازها وخدمت البشرية كثيراً كانت في أساسها مجرّد أضغاث أحلامٍ وخيالاتٍ كانت تدور في مخيلة المبدعين والمخترعين الذين وضعوا أسماءهم في مسيرة الحضارة البشرية…

{{المصادر :}}

1ـ د. علي زيعور ” انحرافات السلوك والفكر في الذات العربية ” 1992 ص 253 – ص 254 – بيروت ـ لبنان .

2ـ م. حواس محمود ” لماذا يكذب الأطفال ” مجلة التوباد عدد 18 يوليو / تموز / 1998 ص 40

3ـ د . رندة فوزي ” الخيال عند أطفالنا ” مجلة التقدم العلمي عدد 40 ديسمبر 2002 ـ ص 36 .

حواس محمود – سوريا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق