الطفل والصياد واليمامة

صفّق المعلّم ينبّه التلاميذ حتى إذا ما كفّوا عن صخبهم وانتبهوا قال لهم:” هذه حصّة الرّسم وهذا أوّل أيّام الربيع. سنحتفل بهذا الفصل الجميل. توزّعوا ثلاثا ثلاثا ولترسمْ كل ّ مجموعة الربيع الذي تحبّ. هيا أروني براعتكم… كعادتهم تجمّع الأطفال عليّ وأحمد وجلال. وكعادته وزّع جلال المهمّات على صاحبيه:”يا علي، ارسم الجبل والشجر. وأنت يا أحمد، ارسم العصافير والسماء والشمس. أمّا أنا فسأرسم النهر والأسماك”. ثمّ تداخلت الأصوات واختلطت…ارسم غيوما بيضاء. الغيوم البيضاء لا تمطر. أرأيت كيف أمطرت تلك الغيوم الدكناء فبلّلت الورقة. إنّها تفسد الألوان… أنت تخلط بين الفصول يا أحمد. لقد ولىّ الشتاء. دع الشمس تشرق… أزح هذه السحابات التي تحجبها… دع نورها يغمر السهل والجبل… لا ترسل الريح شديدة. أخشى أن تتساقط لها أزهار الأشجار. ألم يقل سيّدي إنها الرّياح اللواقح؟ دع النسيم يهبّ عليلا… لا ترسم ثمرات التفاح. هذا ليس موسم التفاح…ارسم نوّار اللوز… دع الغزالة تشرب وأزح هذه الصخرة من طريقها. احذر! إنها تجفل! لا ترسم غربانا! إنها تخطف صغار الفراخ… احذر! احذر يا جلال. لقد فاض النهر. أسرع! ارسم جرفا هنا… دع الماء ينساب في رفق، أو دعه يتوزّع في هذه السواقي. كيف ستمرّ هذه الشياه إلى المرعى؟ ارسم قنطرة فوق النهر حتى تعبر…لماذا توقّف النهر؟ انه لم يتوقف ولكنه يمرق تحت الجبل… إلى أين؟ لا أدري… ألا ترى كيف يصبّ في هذه البحيرة؟ هذه بيوت صغيرة تتشكّل حول البحيرة… ماذا تفعل تلك الطيور هناك؟ إنها تبني أعشاشها… ما الذي جاء بهذا الخطاف؟ أخرجه من الصورة وأعده من حيث أتى. لم يحن موسم الهجرة بعد… دع طيور اللقلق تحلّق في السماء بعيدا. إني أخاف أن تخطف سمكاتي. ألا ترى كيف تقفز هذه السمكات في الفضاء ثمّ تعود إلى اليمّ؟ …ما هذا الصمت العجيب المريب؟ إني لا أسمع زقزقة العصافير ولا خرير المياه ولا هفهفة النسيم… بل كفّ عن الكلام وأنصت. ألا تسمع الآن؟ إني أسمع السمكات تتهامس وتتضاحك تحت الماء… يا عليّ، أين الراعي يا عليّ؟ ألا ترى أنّ الشّياه قد شردت وتشتّتت؟ لعلّه نام تحت تلك الشجرة هناك. أيقظه…هذا عالم صعب! لا شيء يسير كما أحبّ…لا تغضب يا جلال. إنها فوضى لذيذة!.. من هذا الرجل الذي يختفي هناك؟ انه صيّاد… صيّاد! يا للهول! سيصيب هذه اليمامة…لا تخفْ! لقد ملّ الانتظار. انه يستدير وينصرف… لا تصدّقه. إنّه يخدعك. انظر إلى هذه اليمامة الحمقاء. إنها تغادر عشّها وتطير. أعدها إلى عشّها أو امح هذا الصيّّاد من الصّورة. أسرعْ! أسرعْ!… أسرعֿ الطّفل يبحث عن المكشط يبغي محو الصياد. بعثر الأقلام والأوراق مضطربا. هو يمحو والصياد يستدير. امح اليدين! امح ماسورة البندقية! ولكنّ الصياد كان أسرع. صوّب ثمّ مرقت الطّلقة ودوّت وتطاير البارود فأصاب اليمامة الحمقاء ويد الطفل الصغير وتناثر دمهما على اللوحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق