الظاهرة الافتراضية.. السياقات النظرية والاتجاهات العملية

  تقديم

تعدّ تكنولوجيات الاتصال الرقمية الحديثة واحدة من أهمّ سمات اللحظة الراهنة، وتعتبر الفضاءات الافتراضية     والشبكات الاجتماعية (فايسبوك،my space  ،twiter…) من أبرز تجلّياتها. فهناك إقبال كبير على هذه الشبكات، إذ بلغ عدد مرتاديها 700 مليون مشترك نصفهم على الأقلّ مسجّل بموقع فايسبوك الشهير الذي أسّسه الطالب بجامعة هارفرد، مارك زوكربورغ، سنة 2004.

تطرح علينا هذه الظاهرة عدّة أسئلة وإشكاليات حول مدى تأثير هذه الشبكات في وعي الإنسان المعاصر وانعكاسها على حياته، فهل هي ظاهرة تقنية بحتة أم أنّها متمخّضة عن سياقات نظرية ساهمت في ظهورها وانتشارها؟ وهل العالم الافتراضيّ الذي تتيحه هذه الشبكات الاجتماعية يشكّل تعويضا عن الواقع وبديلا عنه؟ إنّ ما يلي هو محاولة في التفكير حول مجمل هذه الأسئلة المطروحة.

  السياقات والإشكالات النظرية المتعلقة بالفضاءات الافتراضية

 1- إشكالية الواقعيّ والافتراضيّ

تطرح العلاقة بين الواقعيّ والافتراضيّ إشكالية الهروب من الواقع، إذ أنّ العديد من المتابعين للفضاءات الافتراضية لا يخفون مخاوفهم من إمكانية تحوّل هذه الشبكات الاجتماعية إلى وسيلة يستعملها الفرد للبحث عن تحقيق الذات وحاجاتها الوجدانية والتواصلية التي عجز عن تحقيقها على أرض الواقع. فيصبح العالم الافتراضي نتيجة لذلك واقعا كامنا في وجدان الفرد ومخيّلته يبتعد به عن التواصل الفعلي والحقيقيّ، ممّا قد يقيم حاجزا أمام وجوده المجتمعيّ الحيّ والمحسوس.

ولئن بدت هذه المخاوف على قدر مهمّ من الوجاهة، فإنّ هناك من الاتجاهات النظرية التي تؤيّدها دراسات ميدانية ما يؤكّد أنّ الحياة الافتراضية اليوم ليست في تناقض مع حياتنا الطبيعية والواقعية أو بديلا عنها بل هي مكمّلة لها. إذ أنّ المساحة التي تخلقها هذه الفضاءات الافتراضية والتي تطلق العنان للوعي ليتجوّل دون قيود الجسد، توفّر فرصا إضافية للتواصل وللتعارف ولاستثمار القدرات الكامنة في الذات ولتنمية مهاراتها. يعدّ ذلك إضافة حقيقية للوجود الإنساني المعاصر، خاصة أنّ العلاقة بين الافتراضيّ والواقعيّ ليست منفصلة تماما، بل نجد في كثير من الأحيان تداخلا وتقاطعا بينهما من قبيل حالات الزواج في الواقع الناتجة عن تعارف افتراضيّ.  ومن ثمّ يضاف إلى وجودنا بعد جديد هو البعد الافتراضي الذي يكمل وجودنا الحقيقي. في هذا السياق استخدم المفكّر الفرنسي جون بودريار في كتابه "النسخ الشبيهة والمحاكاة"(1) مقولة توراتية تقول : "إنّ النسخة الشبيهة لا تخفي الحقيقيّ البتّة، بل إنّ الحقيقيّ هو الذي يخفي واقع عدم وجود شيء حقيقيّ. إنّ النسخة الشبيهة هي حقيقية". ويعتبر بودريار من أوائل من لمحوا تأثيرات الوجود الافتراضيّ على الإنسان، فشرح مفهومه عن "الواقع الفائق" Hyper Reality، الذي يصف العيش الحاضر المتمازج بين الافتراضيّ والحقيقيّ. 

  2-  التواصل والأفق الحداثي الممكن

من أهمّ ما يميّز فكر الحداثة هو انبناؤها تحفّظ على شمول مبدأ النقد بما يوفّره من إمكانية لتصحيح المسار الإنساني عند حدوث عوارض لتراجعات محتملة في الفكر والممارسة.

ولعلّ من أبرز ما وجّه للحداثة من نقد هو ما يتعلّق بإشكالية إرادة الهيمنة والتمركز(2) التي شملت مجالات عديدة سياسية واقتصادية ومعرفية داخل الفضاء الحداثي الغربي وخارجه، ممّا تمخّض عنه احتكار للحقيقة ولوسائل إنتاج المعرفة ولوسائل الإعلام والتواصل..

ويعتبر الفيلسوف الألماني ما بعد الحداثي "يورغن هابرماس" من أبرز المشتغلين على هذه الإشكالية. ففي سياق بحثه عن أفق حداثيّ أفضل يتأسّس على الفعل التواصليّ، بلور هابرماس نقده في إطار نظرية العقلانية التواصلية التي تؤسّس لفهم جديد للحداثة وممارسة جديدة لعقلانية قائمة على الفعل التواصليّ، لا تلغي الآخر ولا تهمّشه، بل تتحاور معه خطابياً، عبر عقل تواصليّ منفتح على الآخر وغير متمركز حول ذاته.

 ولقد انطلق هابرماس في تناوله مجال التواصل من الفضاء العامّ وكيفية تشكّل الرأي العامّ، حيث يرى أنّ الفضاء العامّ قد كان مجالاً أو ميداناً للتعبير عن الرأي الفكري والنقدي، ثم جاءت وسائل الإعلام لتحتلّه وتشوّهه، وتسيطر على مضمونه جاعلة منه دعامة للإيديولوجيا والمصالح. فبات من الضروريّ، مع تحوّل العلم والإيديولوجيا إلى أدوات للهيمنة(3)، مساءلة الفضاء العامّ والتفكير من جديد في التواصل، وذلك من خلال تأسيس نظرية اجتماعية وثقافية في التواصل(4) تسمح بالشروع في تفكير عقلي ونقديّ جديد ومستقلّ في قضايا عصرنا، وهو أمر لا يتمّ إلا بواسطة نظرية الفعل التواصليّ حسب هابرماس.

إن تشديد الفلسفة النقدية المعاصرة على أهمية الفعل التواصلي الأفقي "بعيدا عن إرادة مؤسّسات السلطة(5) والهيمنة" يمثّل في تقديري الإطار النظريّ المشجّع الذي امتدّت في ضوئه الفضاءات الافتراضية والشبكات الاجتماعية التي يمكن أن ندرجها ضمن سمات عصر ما بعد الحداثة.

   3- العولمة و"انهيار الجغرافيا"(6)

تمثّل العولمة باعتبارها سعيا كونيّا نحو إلغاء الحدود الجغرافية والحواجز السياسية والدينية أرضية خصبة ساهمت في ظهور الفضاءات الافتراضية التي فعّلت ما يسمّى "حوار الحضارات"، من خلال توفير فرص للتحاور بين أفراد ينتمون لثقافات مختلفة معبّرين عن هواجسهم الفردية وقناعاتهم الشخصية ورؤاهم للآخر، وهو ما يؤدّي إلى ترسيخ روح الغيرية وتقبّل الآخر بعد فهمه شيئا فشيئا من خلال الحوار والنقاش المتبادل، بعيدا عن المقولات الإقصائية والمتمركزة حول الذات التي ترعاها وتروّج لها مؤسّسات ذات مصالح، من قبيل المؤسسات الدينية والاثنية والسياسية.

كما أنّ الكثير من المحتويات التي تؤثّث الفضاءات الافتراضية  لا تقتصر على الواقع المحلّي للفرد الذي يتعامل معها، بل تشمل ظواهر عالمية تجعل الفرد منفتحا على كلّ ما يجري في العالم الخارجي من أحداث وتطوّرات في شتّى المجالات، ممّا يولد مع الزمن وعيا أو انتماء عالميّا لدى الأفراد، دون أن يحلّ بالضرورة محلّ الانتماء إلى الواقع الاجتماعي المحلي .

    4- الاتجاه نحو الديمقراطية

إثر سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، اتجهت أغلب التيارات الأيديولوجية عربيا وعالميا إلى الاقتناع شيئا فشيئا بأهمّية الديمقراطية كنظام للحكم وكثقافة مجتمعية، خاصة بعد اعتماد مناطق عديدة من العالم الديمقراطية نهجا في الحكم، مثل دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.  في هذا السياق العالمي المتّجه قدما نحو الديمقراطية، نجد أنّ الفضاءات الافتراضية عنصر متناغم مع هذا الاتجاه، بل يمكن أن نعدّه عاملا لتسريع عملية الانتقال الديمقراطي في عديد المجتمعات والثقافات المتردّدة ديمقراطيا، وذلك بما يوفّره من فرص المساواة والاستقلالية باعتبارها مبادئ مؤسّسة للمجتمع الديمقراطي، وترسيخ لقيم التفاهم والحوار السلمي في ظلّ ظروف الاختلاف الاجتماعي والثقافي.

ولقد أدّى الانتشار الواسع للفضاءات الافتراضية إلى خلق مجال جديد لممارسة الديمقراطية وهي "ديمقراطية الإنترنت" التي لم تكن موجودة في الإنترنت "القديم"، فإنتاج المضامين لم يعد حكرا على أصحاب رؤوس الأموال، بل أصبح متاحا للمستخدم العاديّ بفضل تكنولوجيا الويب. كما نجحت المواقع الافتراضية الجديدة في زحزحة سقف التعبير الضيق الذي وضعته مؤسّسات النظام وثقافة المجتمع التقليدية، فخلقت نوعا من الليبرالية التضامنية التي يقف أصحابها في تماسك وتلاحم قويّ ضدّ الممارسات التي تعمل على تقييد حقوق المواطن وحرياته الأساسية، وهو ما جعل بعض الدول العربية تقوم بحجب بعض المواقع الافتراضية بتعلات أخلاقية وأمنية كما تقول. ومن بين هذه الدول، نذكر سوريا التي حجبت الفايسبوك، وتونس التي حجبته ثم أعادته، والإمارات التي حجبت القسم الخاص بالمواعدة.

الآثار العملية الواعدة للفضاءات الافتراضية

1-  الفضاءات الافتراضية ..إعلام جديد أكثر عمومية وديمقراطية

شهدت وسائل الإعلام التقليدية تنافسا بين مختلف القوى والنخب السياسية والثقافية، وذلك لأهمّية هذه الوسائل الإعلامية في صناعة الرأي العام والتأثير في مجريات الأحداث. فعلى سبيل المثال، تمّ إطلاق شبكة CNN(7) الأمريكية في مطلع التسعينات فاحتكرت نقل الخبر خلال حرب الخليج ولعبت دورا كبيرا في التأثير في الرأي العامّ الدولي، ومن ثمّ على مسار الحرب. غير أنّه وبعد الثورة الرقمية التي شهدها العصر الحديث  ظهر ما يمكن أن نطلق عليه الإعلام الجديد الذي أحدث ثورة في عملية الاتصال، فنقلها من شكلها التقليدي القائم على احتكار نخبة ما لنقل الخبر وإنتاج المعلومة، نحو نمط أكثر ديمقراطية وجماهيرية في عملية الاتصال، حيث أصبح باستطاعة الفرد أن يرسل ويستقبل ويتفاعل ويعقّب ويستفسر ويعلّق بكلّ حرية وبسرعة فائقة. فالانترنيت، على سبيل المثال، لم تسهّل فقط عملية الوصول إلى المعلومات والأخبار والبيانات، بل أتاحت أيضا الفرصة للمستخدم لإنتاج المضامين والرسائل والبيانات من خلال أشكال تعبيرية مختلفة كمنتديات الحوار والصفحات الشخصية وغرف الدردشة والمدوّنات. وهكذا يصبح مستخدم شبكة الانترنيت يستقبل ويرسل ويتفاعل ويساهم ويشارك في صناعة المعلومة وتبادلها وهو ما يجعل منه طرفا فعالا في العملية التواصلية. إذ أنّنا نجد اليوم "المواطن الإعلامي" يعمد إلى تصوير الأحداث بواسطة جواله أو كاميرته الخاصة ووضع أشرطة الفيديو على الشبكات الاجتماعية، حتى باتت مؤسّسات إعلامية كبرى مثل الـ"سي.أن.أن" والـ "بي.بي.سي. نيوز" تأخذ قدرا كبيرا من المعلومات الموجودة على "التويتر" وعددا من الأشرطة المحمّلة على "اليوتيوب". وهكذا ظهرت مصطلحات جديدة من قبيل الفضاء العامّ الافتراضي والديمقراطية الإلكترونية وديمقراطية وسائل الإعلام، وصحافة المواطن (citizen journalism) وتحوّلت الشبكات الاجتماعية إلى وسائل للإعلام البديل.

    2- التاثير السياسي للفضاءات الافتراضية

لم يقتصر دور الشبكات الاجتماعية على الإعلام ونقل الحدث، بل لعبت دورا أساسيا وحاسما في عديد المحطات السياسية الكبرى في العالم، حيث لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي لعبته هذه الشبكات في الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة الأمريكية من خلال جمع التبرّعات والدعاية الانتخابية. كما ساهم النشاط الإعلامي الشعبي في هذه المواقع خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة في التأثير على الرأي العام الدولي الذي بلغ ارفع مستويات التعاطف مع القضية الفلسطينية، وتزعزعت الصورة التقليدية للكيان الصهيوني لديه وهو ما ظهر جليا من خلال حملات المساندة وحشود الدعم المطالبة بوقف العدوان ووقف الحصار التي شهدتها جلّ عواصم العالم. كما لعبت هذه الشبكات دورا مهمّا في الأحداث الأخيرة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وذلك عبر استعمالها في التنسيق بين عديد  المعارضين في الانتخابات الإيرانية، وفي تحديد أماكن التظاهرات،  وجمع وتبادل المعلومات،  ممّا دفع الخارجية الأمريكية إلى تقديم طلب لإدارة موقع تويتر بتأجيل أعمال الصيانة المزمع إنجازها خلال الأيام التالية للإعلان عن نتائج الانتخابات والتي كانت ستعطّل خدمات الموقع خلالها. ولقد انتبه الحزب الوطني الحاكم في مصر على سبيل المثال إلى أهمّية الفايسبوك فسعى إلى استخدامه للترويج لسياساته ورموزه وعلى رأسهم جمال مبارك رئيس لجنة السياسات في الحزب، وللتصدّي لنشاط المعارضة الالكتروني إذ أصبح الانترنت في الآونة الأخيرة إحدى البؤر المقلقة للحكومة  خاصة وأنّه قد كان المجال الذي انطلقت منه شرارة الإضراب الناجح لسنة 2008  وظهرت فيه ما يسمّى بحركة 6 ابريل والعديد من الحملات المندّدة بالتوريث والمعارضة لسياسة الحكم.

كل ذلك يجعلنا نتساءل حول دور ممكن لهذه الشبكات في تغيير الأنظمة وتحديد شكل العالم الجديد، ونذكر في هذا السياق قول رئيس الوزراء البريطاني "غوردن براون" أنّ السياسة الخارجية ستتغيّر بفضل الإنترنت، واصفا حقبة الإنترنت بأنها أكثر صخبا من أيّ ثورة اقتصادية أو اجتماعية، معتبرا أنّ الإنترنت أو ثورة المعلوماتية كانت ستمنع الإبادة الجماعية لأنّ أيّ معلومة كانت ستخرج إلى العلن بسرعة والرأي العامّ سيتحرك.

   3- الفضاءات الافتراضية.. فضاء للأعمال والإشهار

تلعب الفضاءات الافتراضية دورا هامّا في مجال الأعمال، حيث أصبحت الشركات تعوّل عليها في عمليات التسويق للمنتوجات وعمليات انتداب للشغل، إذ يتمّ اليوم التعرّف على الأشخاص المؤهّلين لخطة عمل معيّنة عبر الشبكات الاجتماعية مثل الفايسبوك، وكذلك في عمليات الإشهار نظرا لتمتّعها بخاصية الومضات الإشهارية الانتقائية من خلال التوجّه بالمنتوج مباشرة لمن يحتاجه، وذلك بالتعرف على ميولات الشخص وحالته الاجتماعية ومستواه التعليمي والبلد الذي ينتمي إليه.

    4- الأثر الثقافي والاجتماعي للفضاءات الافتراضية

إنّ للفضاءات الافتراضية تأثيرا كبيرا على المستويين الاجتماعي والثقافي للأفراد وذلك عبر:

    * تأثير الزمن الافتراضي على الزمن الاجتماعي والثقافي(8)

يفرض الزمن الافتراضي وتيرة أسرع من تلك التي يقوم عليها التحوّل الاجتماعي، فما كان يتعرّض له الفرد خلال فترة طويلة من التنشئة الاجتماعية أصبح يواجهه في لحظات معدودة على الزمن الافتراضي، وما كان يقدّم للفرد من مفردات وسلوكيات وأفكار تدريجيا في الزمن الاجتماعي -عبر تجارب ممتدّة في الزمن – أصبح من الممكن تقديمه تزامنيا في لحظة واحدة، إذ أنّ الزمن الافتراضي يخرق جلّ هذه الحدود ويقفز فوق هذه المراحل، وهو ما يساعد الفرد على النظر إلى الذات وإلى المجتمع من زاوية نقدية خارجية نظرا لمعايشته لعوالم متعددة.

    * احتواء التطرّف وعقلنة الخطاب

لئن بدت النقاشات التي تدار على صفحات الفضاءات الافتراضية متشنّجة ومحمّلة أحيانا بخطاب الأقليات والأصوليات "خاصة في المجتمعات ذات الهامش الضيّق من منابر الحوار والتدافع المدني"، فإنّ من المرتقب على المدى البعيد أن تتحوّل تدريجيا إلى نوع من الخطاب أكثر عقلانية وبرهانية، بما توفّره من نقاش وحوار وتفاعل تشكّل جميعها حقلا للاستعمال العمومي للعقل والبرهنة اللذين يعدّان شرطين من شروط التنوير والتحرّر(9).

    * المرأة والفضاءات الافتراضية

      أما عن علاقة المرأة  بالفضاءات الافتراضية، فإننا نلاحظ حضورا بارزا لها في هذه الفضاءات(10). وفي تقديري، يساهم هذا النشاط المطّرد والنوعيّ للمرأة التي تناقش وتحاور وتقرّر وتشكّل علاقاتها بكلّ استقلالية، في جعلها أكثر مشاركة وحضورا وذات صدى مختلف عن الصورة النمطية السابقة للمرأة العربية، ممّا قد يسرع ويسهل تقبّل نشاطها المجتمعي والمدني كمواطنة فاعلة خاصة في البلدان الأكثر محافظة.

ومن المفارقات المدهشة في مشاركة النساء العربيات في الفيس بوك مثلا، أنّ الكثير منهنّ يفضّلن عدم وضع صورهنّ على صفحاتهن، والاستعاضة عنها بزهرة أو رسم أو تركها خالية وهو ما يبدو غير متناغم مع فلسفة الموقع المخصّص أصلا للتعارف والتواصل. وربما يعود ذلك إلى الثقافة المحافظة التي تعترض على نشر صور النساء، أو بسبب مخاوف من أن يساء استخدام الصور بطرق قد تمسّ السمعة، أو أن تستغلّ تجاريا في دعايات وإشهار أو ما شابه ذلك.

    * تنمية الحسّ المدنيّ والتربية على المواطنة

للاحتكاك بالتنوع الثقافي والمعرفي الذي يوفّره الوسط الحضري أثرٌ على الذهنية الحضرية، إذ أنّنا نلاحظ أنّ الوعي الوطني الشامل لدى سكّان المدن أعلى من نسبته لدى سكان الأرياف الذين غالبا ما يبقون حبيسي اهتماماتهم المحلية(11). في هذا السياق، يمكن أن نستشرف أفقا أوسع لوعي مدنيّ  يتأسّس على الثراء والتنوّع الثقافيّ الموجود داخل الأطر الافتراضية، لتصبح بذلك هذه الشبكات الاجتماعية مجالا لتقوية الحسّ التضامنيّ من خلال تنظيم عديد الحملات التضامنية عبر العالم وجمع التبرّعات والتعريف بالمنظمات الخيرية والقضايا الإنسانية.

    * الفضاءات الافتراضية مجال لتوسيع الدائرة العمومية والفضاء العامّ

تتيح الفضاءات الافتراضية فرصة واسعة للمشاركة في قضايا الشأن العامّ والانخراط في المداولات والنقاشات العامّة من خلال ما توفّره لمستعمليها من مجال لعقد نقاشات عامّة ونشر مقالات رأي والانتماء إلى مجموعات عمل "Groupes " ذات اهتمامات مشتركة (12).

فبينما كان الرأي العام يصاغ  في اليونان القديمة في ما يعرف بالاغورا "AGORA"، وهي الساحة التي تعقد فيها المجالس البلدية في اليونان القديمة، ثمّ تطوّر المجال مع عصر الأنوار الأوروبية وظهور الدولة البرجوازية ليشمل الفضاءات العمومية كالبرلمان والبلديات والصحافة(13)، فإنّ مجال العمومية قد توسّع ليشمل الفضاءات الاجتماعية الالكترونية في عصر ما بعد الحداثة، ممثّلا بذلك فرصة لمراجعة مفهوم الرأي العامّ وطريقة تشكّله، خاصة وأنّ المؤسّسات الليبرالية التقليدية، كالبرلمان والصحافة، غالبا ما تحوّلت عن وظيفتها النقدية والتداولية إلى وظيفة التزييف والمغالطة وتشويه الحقيقة، فأنتجت بذلك وعيا مستلبا ووهميا لدى الجماهير .(14)

مواقف متحفّظة على الفضاءات الافتراضية

تعود بعض المواقف المتحفّظة على الفضاءات الافتراضية واستعمالها إلى أسباب عديدة من أهمّها الأسباب الأخلاقية، إذ يبدي  بعض الناس مخاوف من بناء المراهقين لعلاقات وغير ذلك  بعيدا عن رقابة الآباء. والأسباب المؤامرتية حيث يحجم العديد من المستخدمين العرب عن استعمال الفيس بوك بسبب الدعوات التي انتشرت عن عدم خصوصية معلومات المستخدمين وسيطرة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على هذا الموقع الاجتماعي !!! كما يبدي الكثير من الناس مخاوفهم من انتهاك حياتهم الخاصة عبر هذه الفضاءات من خلال انتشار الصور والأخبار الشخصية التي تكون أحيانا حميمية، رغم أنّ هذه المخاوف تبدو في نظري غير ذات قيمة في الواقع العربي، حيث لا يحمل مفهوم الخصوصية الأهمية ذاتها التي يحملها في العالم الغربي، نظرا إلى أنّ الشباب العربي عموما يشعر بأن خصوصيته يقع أصلا انتهاكها يوميا من قبل الأسرة والمجتمع والحكومات. فيظلّ السبب الأبرز في تقديري هو ضعف العلاقة بوسائل الاتصال الحديثة، إذ لا تزال المجتمعات العربية بعيدة عن الثقافة الرقمية نظرا لارتفاع نسب الأمّية وضعف البنية التحتية والإمكانات المادية الضرورية لانتشار استعمال الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة.

    * الفضاءات الافتراضية وجدل الفتوى

أثارت الفضاءات الافتراضية في العالم الإسلامي جدلا فقهيا وتضاربا في الفتوى، فبينما ذكرت صحيفة الراية القطرية  أنّ لجنة الفتوى في الأزهر قد أصدرت فتوى شرعية تحرّم الدخول إلى ''الفيس بوك'' واعتبرت زائريه آثمين شرعاً(15)، أكّد الشيخ سلمان بن فهد العودة (المشرف العامّ على مؤسّسة "الإسلام اليوم") أنّ موقع التواصل الاجتماعي الشهير "فيس بوك" عالم مليء بالمدوَّنات، وأنه يجب تحفيز الناس على المشاركة الإيجابية فيه وليس تحريم دخوله، وذلك في تعليقه على فتوى الأزهر التي حرَّمت دخول "الفيس بوك" مؤخرًا.

ختاما

في الختام، نخلص إلى أنّ الفضاءات الاجتماعية الافتراضية توفّر فرصة للتثاقف والتواصل وترسيخ ايتيقا الحوار في جميع الاتجاهات ومن قبل مختلف الفعاليات، وتمثّل بذلك أملا في أفق بناء أسس صلبة لفضاء عامّ يشكّل لبنة أساسية في تنمية المواطنة، حيث يتكثّف النقاش والحوار والنقد وتبادل الآراء والأفكار، بما يؤثّر في صنع القرار وخدمة المصلحة العامّة لبلداننا من ناحية، وترسيخ قيم التعارف والإنسانية المشتركة من ناحية أخرى.

الهوامش:

 

1-  voir : Baudriallard(Jean) ,Simulacres et simulation ,Galilée , Collection Debats (Paris, France), 1981

2- انظر عبد اللطيف كمال ,نقدالمركزية الثقافية الغربية,مجلة العربي,العدد 499

3- 1999 انظر هابرماس ( يورغن) ,التقنية و العلم كأيديولوجيا ,ترجمة الياس حاجوج,دمشق,

4-  تأسيس علاقات تواصلية متحررة من كل أنواع القيود و الرقابة والسيطرة

5-  مؤسسات السلطة الرمزية كالكنائس و وسائل الإعلام و الجامعات …..

6-" ابتدعه الفين توفلر في كتابه  صدمة المستقبل   demise of geographyمصطلح انهيار الجغرافيا

 Alvin toffler ,Future shok, Bantham Books 1990 ,p91

7- 139-141 الإعلام  و تفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية ,ص   انظر

8- وتيرة حركة الإنسان في مجتمع ما

9- انظر Habermas ,l’espace public, ص114   "ان المنظورية  الانوارية هي أن نفكر بأنفسنا وان نفكر بصوت عال "

10-  60% من المشاركين في الفيس بوك هن نساء حسب بعض الإحصائيات

11- و يبدو ذلك جليا في ضعف المشاركة السياسية و المدنية بالأرياف مقارنة بالمدينة 

12- شبيهة بالجمعيات ومجموعات الإعلام و الضغط الاجتماعي

13-اثر نشوء الصحافة في انكلترا في ترسيخ الديمقراطية على عكس فرنسا التي تأخرت فيها التقاليد الديمقراطية ’انظر في هذا الصدد "الفضاء العمومي ومطلب حقوق الإنسان  هابرماس نموذجا"  ,عبد السلام حيدوري,ص170

14- يقول هابرماس "لكن ماحدث في القرن الثامن عشر في انقلترا وفرنسا وامريكا هو تحول الصحافة النقدية إلى صحافة موجهة نحو الاستهلاك اليومي مما أدى الى إفراغ الدائرة العمومية من وظائفها السياسية النقدية وتحولها إلى دائرة لترويج الإنتاج و الاستهلاك"

Habermas ,l’espace public    , , p 177

15- و غالبا ما تصدر مثل هذه المواقف عن منظومات متحفظة و متخوفة إزاء كل ما تنتجه الحداثة , كالمواقف المتحفظة إلى وقت قريب من الفاكس و الفضائيات  وغالبا ما تكون نابعة من   اتجاهات وهابية يغلب عليها الثقافة البدوية و القبلية  ….



 

 

مراجع البحث

  1- المراجع باللغة العربية

    * حيدوري، عبد السلام. الفضاء العمومي ومطلب حقوق الإنسان هابرماس نموذجا. مكتبة علاء الدين صفاقس،الطبعة الأولى لسنة 2009
    * عزي، عبد الرحمن. الإعلام وتفكك البنيات القيمية في المنطقة العربية "قراءة معرفية في الرواسب الثقافية".الدار المتوسطية للنشر ،الطبعة الأولى لسنة 2009
    * هابرماس، يورغن. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي، دمشق سوريا، 1995
    * اسون، بول بوران. مدرسة فرانكفورت.ترجمة سعاد حرب، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، ط1، 1990 ،ص 7_9
    * نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة نموذج هابرماس.افريقيا

الشرق، 1998 ، ط 2 ، ص 8

2- المراجع باللغة الفرنسية

          o Baudriallard   ،Jean ،Simulacres et simulation ،Galilée ، Collection Debats (Paris، France)، 1981

 

    * HABERMAS ، Jurgen، l’éspace public ، Archeologie de la publicité comme dimention constitutive de la société bourjoise ،tr de l’Allmend par Marc B.De launay ،Payot، Paris ،1978

 
3-  المراجع باللغة الانكليزية

    * Toffler، Alvin. Future shock .(Bantham Books،1990) p.91.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق