الظلام يلاحق ناصر حامد أبو زيد

يبدو أن قصة الدكتور نصر حامد أبو زيد مع المنع والتضييق والتغييب في جامعات العالم العربي والإسلامي تأبى أن تنتهي فصولاً. فهذا المفكر المصري الكبير المختص في الدراسات القرآنية الذي سبق له أن حورب واضطهد في جامعة القاهرة واضطر إلى ترك بلده مهاجراً إلى هولندا في منتصف التسعينات برفقة زوجته الدكتورة ابتهال يونس بعد صدور الحكم بتفرقتهما من القضاء المصري، لا يزال قادراً بفكره المتنور على إخافة المتزمتين الإسلاميين على اختلاف جنسياتهم وصولاً إلى أندونيسيا.  هاكم ما جرى له في جزيرة جاوا الاندونيسية على أيدي الظلاميين.

منذ خروجه من مصر إلى هولندا، انصرف أبو زيد إلى البحث العلمي والتدريس في جامعة ليدن ولم تلبث جهوده الأكاديمية أن تكللت بتبوئه كرسي ابن رشد للدراسات الإسلامية في جامعة أوترخيت الهولندية، ناهيك بالجوائز العلمية القيّمة التي نالها من العديد من المؤسسات الرصينة في جميع أرجاء العالم وآخرها جائزة ابن رشد التي تقلدها في برلين. شيئاً فشيئاً، هدأ ألم الجراح التي أصابت أبو زيد وزوجته الدكتور ابتهال بسبب قضية الحسبة التي رفعت عليهما، وأعاد من جديد صلته ببلده الأم مصر فراح يتردد عليها في زيارات قصيرة بين الفينة والأخرى، وكرّمه العديد من المثقفين المصريين. إلا أن الجامعة المصرية بقيت عاجزة عن إعادة الاعتبار إلى أبو زيد كأستاذ في هيئتها التدريسية بعدما كفّره زميله عبد الصبور شاهين ورفضت الجامعة ترقيته الأكاديمية وسحبت كتبه من المكتبة، لا لشيء سوى لمحاولته فتح الدراسات القرآنية على مناهج البحث العلمي الحديثة والبناء على ما أسسه رواد النهضة الأوائل من الذين سبقوا أبو زيد في التعليم في الجامعة المصرية من أمثال طه حسين وأمين الخولي.

أقصى ما كان يعاني منه أبو زيد في غربته المستجدة، ابتعاده القسري عن طلابه في الجامعة المصرية والذين كانوا بالنسبة إليه بمثابة البراعم التي ينتظر تفتحها والأبناء الروحيين الذين يعوّضونه غياب الابن الطبيعي، إلا أن ما ساعده في تجاوز هذا الفقد الكبير هو تدريسه في جامعة ليدن وإشرافه على أطروحات العديد من الطلاب القادمين من البلدان الإسلامية، وفي الأخص من اندونيسيا، والذين إلى جانب توقهم إلى تحصيل الشهادات العليا في الدراسات الإسلامية، باتوا يحملون، بفضل أبو زيد، هاجس تجديد الفكر الديني الإسلامي وإعادة النظر في القواعد اللاهوتية الموروثة.

العديد من هؤلاء الطلاب كان موفداً من وزارة الشؤون الدينية في اندونيسيا وعاد لاحقا إلى بلاده ليصبح أستاذاً في الجامعات أو في المعاهد الدينية العليا. ومن خلالهم وبفضل التعاون العلمي بين جامعة ليدن والعديد من الجامعات الأندونيسية سافر أبو زيد إلى أندونيسيا مرات عدة سواء لإلقاء المحاضرات أو حتى للتدريس في الجامعة.

في نهاية شهر تشرين الثاني المنصرم وصل أبو زيد مبكراً إلى جزيرة جاوا لحضور مؤتمر في مدينة ملانج تنظمه وزارة الشؤون الدينية في إندونيسيا بالتعاون مع جامعة ليدن ضمن برنامج موسع للتعاون في ما بينهما، لكن قبل بداية المؤتمر بيومين تلقّى على هاتفه النقال رسالة قصيرة يطلب فيها مدير التعليم الإسلامي العالي في وزارة الشؤون الدينية من منظمي المؤتمر إلغاء زيارة أبو زيد إلى اندونيسيا “بسبب بعض الظروف”، التي لم يسمّها، ويحذر من أن الوزارة “غير مسؤولة عن حضوره”، وأنه اتخذ هذا القرار “بعد التشاور مع الوزير” شخصياً، آخذين في الاعتبار “آثار مثل هذه الزيارة على إندونيسيا”. ويبدو أن الوزارة رضخت لضغوط بعض المؤسسات الدينية التقليدية في البلاد وفي مقدمها “جمعية العلماء” السلفية ذات النفوذ الواسع، والتي ترى في حضور أبو زيد إلى إندونيسيا وإلقائه كلمة في ندوة إسلامية، أمراً يصعب القبول به

طبعاً، اندونيسيا اليوم ليست مصر منتصف التسعينات من القرن المنصرم التي سمحت بمحاكمة نصر حامد أبو زيد وتكفيره، ناهيك بأن هذه الحادثة أعادت حيوية التحدي إلى الدكتور المتنور، فلم يرض بأن يغيب بهذه السهولة عن الندوة، بل سارع إلى إجراء اتصالات متعددة وأعطى العديد من المقابلات الصحافية والتلفزيونية لوسائل الإعلام الأندونيسية، وسافر إلى جاكرتا وعقد مؤتمراً صحافياً في مؤسسة رئيس “حزب نهضة العلماء” والرئيس الأندونيسي السابق عبد الرحمن وحيد، في حضور هذا الأخير والعديد من أساتذة الجامعة والمثقفين، وعقد هذا المؤتمر تحت عنوان “حرية التفكير في الإسلام”، وأشار فيه أبو زيد إلى أن وزارة الشؤون الدينية أرسلت اليه طلابها للتخصص في جامعة ليدن على مدى 12 عاماً، ولم تستطع أن تتقبل إعطاءه حق الكلام لمدة 20 دقيقة في ندوة من تنظيمها!

تحولت هذه الحادثة على الفور إلى قضية عامة شغلت الرأي العام الأندونيسي، وتركز النقاش فيها حول استقلالية الجامعات وحرية البحث العلمي والدور السلبي الذي تمارسه “جمعية العلماء” في هذا المجال، وأعربت أهم حركتين  دينيتين اجتماعيتين في البلاد هما “الحركة المحمدية” و”حزب نهضة العلماء” (أكبر حزب إسلامي في العالم) عن تضامنهما مع الدكتور أبو زيد ورفضهما المطلق لتصرف وزارة شؤون الأديان الأندونيسية، هذا مع تأكيدهما عدم تبني كل آراء الدكتور نصر حامد أبو زيد وانفتاحهما مع ذلك على النقاش فيها.

في مقابلة قديمة أجريتها مع نصر حامد أبو زيد لـ”ملحق النهار” وتم نشرها بتاريخ 13112002 (يومذاك لم يكن أبو زيد قد زار القاهرة بعد مغادرته لها في العام 1996)، أسرّ أبو زيد لي بأن الجامعة المصرية لا تزال جرحه الأكبر، وأنه انتظر لأعوام طويلة أن يأتيه اعتذار من الجامعة المصرية على شكل دعوة توجهه إليه للمشاركة كعضو في لجنة مناقشة رسالة ماجستير او دكتوراه من الجامعة المصرية. لكنه كان مدركاً أن هذه الدعوة لن تأتيه أبداً، كون الجامعة وصلت إلى درك باتت لا تتحمل فيه حتى هذا الطلب لأستاذ لا يزال مسجلاً كعضو في طاقمها التدريسي.

وبناء عليه، حزم أبو زيد أمره وأعاد الصلة ببلده بعيداً من الجامعة وأهلها، وبات يعود باستمرار إلى بلده في زيارات خاصة من دون أن يكون له أي دور أكاديمي في الجامعة المصرية، اللهم سوى بقائه مسجلاً كعضو في هيئتها التدريسية حتى تاريخ خروجه الى التقاعد الذي حلّ منذ فترة قريبة.

الحقيقة أن أزمة فكر الدكتور نصر حامد أبو زيد مع التعليم الجامعي في العالم العربي والإسلامي – وما حادثة أندونيسيا إلا أحد فصولها الأخيرة – إذا دلت على شيء فعلى الصعوبة البالغة التي يعاني منها أمثال أبو زيد في تحقيق قطيعة معرفية في الدراسات الإسلامية داخل العالم العربي والإسلامي تنتقل بها من مجال التفسير والإيمان والوعظ والإعجاز إلى مجال الدراسات الإسلامية في المعنى العلمي للكلمة. بمعنى أنها، وإن كانت لا تؤنسن المقدس ولا تنزع عنه الصفة الإلهية، فإنها تتعامل من خلال منهج البحث العلمي وعلم الأديان المقارن مع النص في وصفه منتجا تاريخيا وثقافيا يحمل طبائع عصره ويتضمن بعدا إنسانيا ليس أقله في اللغة التي ورد بها وفي طرائق التفسير والتأويل البشرية بامتياز.

في المقابلة نفسها التي ورد ذكرها أعلاه، طرحت على الدكتور نصر حامد أبو زيد السؤال الآتي: يقول البعض انه لو كان لبيروت دورها الثقافي والجامعي الذي اضطلعت به في مرحلة الستينات لاستضافت الدكتور نصر حامد ابو زيد في جامعاتها، بدل أن يذهب إلى هولندا. ما رأيك في هذا الكلام وهل أنت مستعد للعودة إلى العالم العربي إذا عرض عليك التدريس في إحدى جامعاته؟

فأجاب: “أنا في انتظار دعوة من الجامعة المصرية أولا، ولكن أيضا من أي جامعة عربية. ولو عُرض عليّ منصب أستاذ في أي جامعة عربية، فسأترك هولندا في اليوم الثاني، لأني سأكون مع ناسي وأهلي. لكن إذا تحقق هذا، فمعناه أن الجامعة مختلفة والمكان مختلف، لأنهم لن يدعوني لأصمت ولكن لأعبّر بحرية عن خطابي وتفكيري”.

طبعاً، دعوة الجامعة المصرية لم تصل البتة إلى أبو زيد، لكن الجامعة الأميركية في بيروت التي تكرمت في الأعوام الأخيرة بالتعاون مع “برنامج أنيس مقدسي” بدعوة أبو زيد لإلقاء العديد من المحاضرات في حرمها، ها هي اليوم تدعوه مجدداً من خلال مركز الدراسات العربية والشرق الأوسطية للتدريس في صفوفها في شهر نيسان المقبل.

كل الأمل أن تكون هذه الدعوة بداية العودة الفعلية للدكتور نصر حامد أبو زيد إلى أهله وناسه وطلابه وإلى الحياة الأكاديمية العربية التي طال غيابه القسري عنها. 

————————————————–

نشرت في ملحق النهار في 20/1/2008

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق