العالم بدون حكايات كم يبدو خرباً وقاحلاً: احتفاءً بالغامض والسحري / سامر أبو هواش

في مشروع ضخم، وفي جهد استغرق سنتين متواصلتين من العمل، يصدر قريباً ضمن "مشروع كلمة" للترجمة، في الإمارات العربية المتحدة، سلسلة "ثقافات الشعوب"، 72 كتاباً تتضمن 1700 حكاية شعبية من 45 بلداً. شارك في هذا المشروع نحو من ثلاثين مترجماً من مختلف الدول العربية. في هذا العدد الخاص المعدّ بالتنسيق مع الزميل أبو هواش، الذي أشرف على المشروع وراجعه وحرّره، "نسرق" بعضاً من هذه الحكايات الطفولية الشعبية الخلاّقة، المجموعة من أفواه الناس مباشرةً، على أيدي مجموعة من الأنتروبولوجيين الإنكليز والأميركيين والأوروبيين خلال الربع الاول من القرن الماضي، لتقديمها الى القارئ الخاص والعام، الطفل والمراهق والبالغ، العالِم والبسيط، باعتبار أننا جميعاً، ناساً عاديين، أو مثقفين، أو ذوي اختصاصات مختلفة ومتنوعة وربما متناقضة، نعوم على بحار أخّاذة من الحكايات والأساطير والخرافات والقصص، التي بدونها كم يبدو العالم عجوزاً قاحلاً، فقيراً وخرباً. الى هذه القصص "المسروقة"، الكلمة التي كتبها أبو هواش بمثابة تمهيد.

تقوم الحكاية الشعبية، بين ما تقوم عليه، على فكرة التحول والرحلة: أو التحول الذي يحتاج إلى رحلة. هذه سمة جامعة لا يختلف فيها الموروث الحكائي الشرقي عن ذلك الغربي: الثري يصير فقيراً، والفقير يصير ثرياً، العقيم ينال نعمة الأولاد، وذو النسل يفقد نسله …إلخ. هناك دائماً رحلة ما، إما في الزمان وإما في المكان، أو حتى رحلة أخلاقية، على الشخصية أن تقوم بها، قبل أن يتغير شيء في واقعها. هناك دائماً القرية أو المدينة أو الإقليم المألوف الذي يفارقه المرء إلى مكان آخر مجهول، لكي يبرأ من مرض ما أو يجد عشبة سحرية ما، أو يكتشف حبّه المنتظر، أو يجد حبه الضائع، أو يحقق ثروة أو يفكّ لغز معنى.

كأن الحكاية، التي تروى في الكوخ أو البيت، وأحياناً في ساحة القرية، وترويها غالباً نسوة اعتدن على ملازمة المكان (مع الأولاد)، بينما يذهب الرجال إلى ما وراء حدود المكان بحثاً عن الرزق أو المغامرة أو التسلية، كأن الحكاية إذاً ذريعة للانتقال المعنوي والنفسي، لقطع الحدود، واختراق المألوف. ولما كان ما وراء الحدود مجهولاً، فإن الحكاية تلعب دوراً مزدوجاً: تجعل هذا المجهول مألوفاً من خلال الذهاب إليه وتصوّره، والمألوف مجهولاً من خلال فتحه على الاحتمالات وعلى عالم الغيبيات. يصبح الليل البليد حمّال أسرار جميلة أو مخيفة، ويصبح القمر مكاناً يُرتحَل إليه، والشجرة روحاً. هكذا تتلاعب الحكاية بالأمكنة، تُحلّ البعيد محلّ القريب، وتحمل القريب إلى البعيد. في سياق ذلك، ترفع العادي والرتيب دوماً إلى مرتبة الخارق والسحري، تعد المستمعين، وهم غالباً من الأولاد، بأن المستقبل يحمل شيئاً آخر، في حين توحي بأن هذا الآخر المجهول، ربما كان موجوداً الآن وراء الستارة أو تحت الوسادة، في البئر أو في الغابة القريبة.

مثلما تتشارك الشعوب على اختلاف أعراقها وتوزعها الجغرافي ومسيرتها الحضارية، في مشاعر الحب والكراهية، والطموح والألم، والرغبة والخوف، فإنها تتشارك أيضاً في ذلك الشعور الكبير بوطأة الزمن. لذلك يكون الانتقال في المكان، هو غالباً، انتقالاً في الزمن. قفزة إلى المجهول، تنزعنا من الزمن الراهن الذي لا يحمل أيّ مفاجآت، إلى الزمن الذي لا يزال مقفلاً دوننا. يسير البطل غالباً مسافة سنوات، يقطع مدناً، يجتاز جبالاً، هذا كله قد يحدث في جملة أو جملتين، وبمساعدة حصان خارق أو سجادة مسحورة أو جنيّ خاضع لإرادة البطل، أو – كما نجد في بعض الحكايات – بمجرد أن يتمنى المرء ذلك صادقاً.

بعض الرحلات الداخلية/ الخارجية هذه يتجاوز حتى ذلك. يذهب إلى المجهول الأكبر، إلى ما بعد الأمكنة والأزمنة، إلى لغز الحياة والموت. في إحدى الحكايات نرى البطل يذهب إلى أرض الموت لكي يلتقي أحباءه، وإذا كنا نتوقع أن يخفق في سعيه هذا، فسرعان ما يتضح أن توقعنا في غير محله، ذلك أنه يصل في النهاية إلى أرض الموت، مثلما يصل أبطال آخرون في حكايات أخرى إلى السماء أو إلى الشمس والقمر أو أعماق الأرض أو البحار التي يتضح أنها عوالم أخرى زاخرة بالكائنات المختلفة عنا. 

بعض الرحلات يحاول ببساطة إيجاد صلة بين بيئتنا القريبة والكون الشاسع الغامض، فتصبح الحيوانات التي ترافقنا في حياتنا اليومية، أسلاف كواكب أو نجوم، أو تصبح بعض الجبال والصخور الجبارة حيوانات منقرضة، ويصبح الفأر الذي نستخفّ به أو نحتقره بطلاً جباراً في زمن سابق، أنقذ الأرض والبشرية من الهلاك…

هكذا، بين قصص الحيوانات التفسيرية غالباً، وقصص الكواكب والفصول والمظاهر الطبيعية الأخرى، وبين قصص الجنّ والعفاريت والساحرات، والقصص التربوية الأخلاقية، بين القصور التي يتجاوز وصفها الخيال، والأكواخ الفقيرة التي يسعى الخيال إلى تجاوز واقعها، تحتفي الحكاية الشعبية بالسرّي، وتعلي من شأن الغامض، تحيي المغامرة وتشجع عليها، وتنبذ الكسل، تمتدح التحول وتهجو الثبات والاستقرار. حتى إن عاش الأبطال في النهاية "في ثبات ونبات"، فإن ذلك لا يأتي إلا بعد رحلة شاقة تقارب أحياناً المستحيل، وأحياناً تتجاوزه كما نجد في حكايات العائدين من أرض الموت.

تقريباً، كل ما نعرفه اليوم من حكايات خيالية جاء من هذه الحكايات: قصص الحب الرومنطيقية التي انتقلت من الحكاية إلى الأغنية والفيديو كليب وشاشة السينما، كما قصص الأبطال الخارقين من قبيل "سوبرمان" و"باتمان" وما إلى ذلك، جميعها تجد جذورها في حكايات يعود بعضها إلى آلاف السنين، ولا يُعرَف لها أصل جغرافي واضح ونهائي.

ما استعادة هذه الحكايات اليوم ضمن هذه المبادرة الضخمة التي نهض بها مشروع "كلمة" للترجمة، إلا حكاية أخرى تضاف إلى الحكايات المستحيلة. ذلك أن مجرد فكرة جمع ما يقارب 1700 حكاية شعبية من 45 بلداً وعرقاً أو مجموعة بشرية، ضمن مشروع واحد يصدر دفعة واحدة، هو من الأحلام التي كان يصعب تخيل تحقيقها، لولا الكثير من حس المغامرة وتجاوز الحدود، مثلما تعلّمنا كل حكاية من الحكايات.

أما عنوان المجموعة، أي"ثقافات الشعوب" فلم يأت عبثاً، بل وجدنا فيه التعبير الأنسب والأبلغ عن روح الحكايات نفسها، تحديداً في مسألة اختراق الأمكنة والأزمنة، وأيضاً في مسألة أن كل حكاية من الحكايات تعبّر عن هوية البيئة التي تخرج منه وثقافتها، ولذلك نجد أن بعض الحكايات نفسها، مثل "ساندريلا"، تتغير في تفاصيلها وفي مسرحها وحتى في إيقاعها، تبعاً للمكان الذي تنتقل إليه، وللشعب الذي يعاود سردها، من أصل مجهول غالباً أو معلوم في أحيان قليلة.

بقي القول، إن المأمول من جمع هذه الحكايات العالمية ضمن مشروع واحد، أن تكون حافزاً لنا كعرب لنبادر إلى جمع ما لدينا من حكايات كثيرة، بات الكثير منها مهدداً بالضياع، بسبب الإهمال أو بسبب التغيرات العصرية وتكنولوجيا الاتصالات وصناعات الترفيه التي نقلت بعض الحكايات الشعبية إلى عالم الصورة، في حين حكمت بالفناء على غالبيتها. فلتكن إذاً هذه الحكايات بوابة جديدة تنبهنا إلى ما لدينا من كنوز شعبية، وتفتح شعبيتنا على إعادة اكتشاف حكاياتنا الخاصة ¶

********************

 

البرازيل – السكان الأصليون: كيف أتى الليل؟ / ترجمة نوح إبراهيم

قبل عصور وعصور، في أول الزمن، في بداية الخلق، لم يكن ثمة ليل. كان النهار طوال الوقت. وما سمع أحدٌ قَطّ بالشروق أو الغروب، بضوء النجوم أو بشعاع القمر. لم تكن طيور ليل، ولا حيوانات ليل، ولا زهور ليل، لم تكن ظلال متطاولة، ولا هواءُ ليلٍ رقيق مضمَّخ بالعبير.

في تلك الأيام، تزوجت ابنة ثعبان البحر العظيم التي كانت تسكن في أعماق البحار، من أحد أبناء الجنس الأرضي العظيم اسمه مان. فغادرت بيتها الواقع في ظلال البحار العميقة وجاءت لتقيم مع زوجها في أرض النهار. أضحت عيناها مرهقتين من ضوء الشمس الساطع وبدأ يذوي جمالها. راقبها زوجها بعينين حزينتين، ولكنه لم يدر ما يفعل ليساعدها.

"آه، فقط لو يأتي الليل"، ندبت وهي تتقلب متعبة على سريرها، "هنا نهارٌ دوماً، ولكن في مملكة أبي ثمة الكثير من الظلال. آه، فقط لو قليلٌ من عتمة الليل!".

استمع زوجها إلى أنينها، ثم سألها: "ما هو الليل؟ أخبريني عنه وقد أستطيع أن أجلب لك القليل منه".

قالت ابنة ثعبان البحر العظيم: "الليل هو الاسم الذي نمنحه للظل الكثيف الذي يعتِّم مملكة أبي في أعماق البحار، أحبّ ضوء شمس يابستكم، ولكنه يتعبني باطراد. لو كان في مقدورنا الحصول على قدرٍ ضئيل من عتمة مملكة أبي لنريح أعيننا برهةً".

استدعى زوجها على الفور ثلاثة من أكثر عبيده ولاءً وقال لهم: "سوف أرسلكم في رحلة. عليكم الذهاب إلى مملكة ثعبان البحر العظيم التي تقع في أعماق البحار وسؤاله أن يعطيكم بعض عتمة الليل لعلَّ ابنته لا تموت بسبب ضوء الشمس على يابستنا".

انطلق العبيد الثلاثة إلى مملكة ثعبان البحر العظيم. بعد رحلة طويلة خطيرة وصلوا إلى بيته في أعماق البحار وطلبوا منه أن يمنحهم بعض ظلال الليل ليحملوها إلى اليابسة. أعطاهم ثعبان البحر العظيم على الفور كيساً ممتلئاً. كان مربوطاً بإحكام وحذّرهم ثعبان البحر العظيم ألا يفتحوه قبل أن يصبحوا في حضور ابنته.

انطلق العبيد الثلاثة، حاملين الكيس الكبير المليء بالليل على رؤوسهم. سرعان ما سمعوا أصواتاً غريبةً داخل الكيس. كانت أصوات كل حيوانات الليل وطيوره وحشراته. وإذا كنت سمعت كورس الليل ينبعث من الغابات على ضفاف الأنهار فستعرف كيف بدا لهم ذلك الصوت الذي لم يسمعوا مثيلاً له في حيواتهم قطّ. فخافوا أشدّ الخوف.

قال العبد الأول: "فلنرم الكيس المليء بالليل هنا ونهرب بأقصى سرعة ممكنة".

صرخ العبد الثاني: "سنهلك، سنهلك، على كل حال، مهما فعلنا".

قال العبد الثالث: "سواء هلكنا أم لا، فسأفتح الكيس وأرى ما الذي يصدر كل هذه الأصوات الرهيبة".

هكذا وضعوا الكيس على الأرض وفتحوه. فاندفعت خارجةً جميع حيوانات الليل وطيوره وحشراته، كما اندفعت خارجةً غيمةُ الليل الكبيرة السوداء. وشعر العبيد بالفزع في العتمة أكثر من قبل بكثير ففرّوا إلى الغابة.

كانت ابنة ثعبان البحر العظيم تنتظر قلقة عودة العبيد بالكيس الملآن بالليل. مذ انطلقوا في رحلتهم، تطلَّعتْ إلى عودتهم، مظللةً عينيها بيدها ومحدقة الى الأفق، آملةً من كل قلبها عودتهم سريعاً ومعهم الليل. وكانت واقفة على هذه الحال تحت شجرة النخيل الملكي حين فتح العبيد الثلاثة الكيس وتركوا الليل يفلت. فصرخت حين أبصرت غيوم الليل في الأفق: "يأتي الليل، يأتي الليل أخيراً". ثم أغمضت عينيها ونامت هناك تحت الشجرة.

حين استيقظت شعرت بتجدد رائع. عادت من جديد الأميرة السعيدة التي غادرت مملكة أبيها في أعماق البحار العظيمة لتأتي إلى اليابسة. وباتت مهيأة عندئذ لرؤية النهار ثانية. نظرت إلى الأعلى، إلى النجمة الساطعة المتألقة فوق شجرة النخيل وقالت: "أيتها النجمة الساطعة، من الآن فصاعداً سيكون اسمك نجمة الصبح وستبشرين بقدوم النهار. ستحكمين ملكةً على السماء في هذه الساعة".

ثم استدعت كل الطيور حولها وقالت لها: "أيتها الطيور المغردة الخلابة، آمرك من الآن فصاعداً أن تغنّي أعذب أغانيك في هذه الساعة لتعلني اقتراب النهار".

وكان الديك واقفاً بجانبها. فقالت له: "ستُعَيَّن أنت خفيراً لليل. سيحدد صوتك ساعات الليل وسينبه الآخرين إلى مجيء الصبح".

في البرازيل، حتى يومنا هذا، نسمي ساعة الفجر madrugada. يعلن الديك اقترابها للطيور المنتظرة. تغنّي الطيور أعذب أغانيها في تلك الساعة ونجمة الصبح تحكم السماء كملكةٍ للفجر.

حين عاد النهار، انسلّ العبيد الثلاثة إلى وطنهم عبر الغابات والأدغال حاملين كيسهم الفارغ.

قال لهم سيدهم: "أيها العبيد الخونة، لِمَ لم تطيعوا أمر ثعبان البحر العظيم بألا تفتحوا الكيس إلا في حضور ابنته؟ بسبب عصيانكم سأحولكم قردة. من الآن فصاعداً ستعيشون على الأشجار. ستحمل شفاهكم دوماً علامة شمع الختم الذي ختم الكيس المليء بالليل".

حتى يومنا هذا، يرى المرء العلامة على شفاه القردة التي عضّوا بها الشمع الذي ختم الكيس، وفي البرازيل ينتشر الليل سريعاً على الأرض مثلما انتشر سريعاً خارجاً من الكيس في تلك الأيام، عند بداية الزمن.

كل حيوانات الليل وطيوره وحشراته تنشد نشيد المغيب في الغابات عند هبوط الليل ¶

 

——————————————-

 

كندا – السكان الأصليون: الفتى في أرض الظلال / ترجمة خالد الجبيلي

عاش طفلان يتيمان، فتى وفتاة، وحدهما في مكان قريب من الجبال، وكان أبواهما قد ماتا منذ زمن بعيد، وبقي الطفلان من دون أن يرعاهما أحد من الأقارب على وجه الأرض. كان الفتى يخرج إلى الصيد طوال اليوم ليأتي بالطعام، بينما تقوم الفتاة بأعمال البيت من ترتيب وطهي. كان كلٌّ منهما يحبّ الأخر حباً عميقاً، وعندما كبرا قالا: "لن يترك أحدنا الآخر، وسنمكث هنا معاً باستمرار". في إحدى السنوات، اشتد البرد في مطلع الربيع، وكست الثلوج السهول، وانتقل الجليد ببطء من الأنهار، وظلت الرياح الباردة تهبّ بشدة، وخيّمت السحب والأبخرة الرمادية فوق الأرض برمتها، ولم يعد هناك الكثير من الطعام، لأن جميع الحيوانات اختبأت في عرائنها الشتوية الدافئة، وكان الإوز والبط البرّي لا يزال يقبع في أقصى الجنوب. في هذه الفترة القاسية من الطقس السيئ، مرضت الفتاة الصغيرة وماتت، وكان أخوها يبذل كل ما في وسعه ليقدم اليها الغذاء، وجمع شتى أنواع الجذور الطبّية التي كان يعتقد أنها ستنقذها وتعيدها إلى الحياة، لكنّ جهوده تلك باءت بالفشل. على الرغم من جميع الجهود التي بذلها، غادرت أخته ذات مساء عند الغسق إلى بلاد الغرب، وتركته وحيداً على الأرض.

تحطم قلب الفتى حزناً على موت أخته. في أواخر الربيع، عندما ساد الدفء، وعاد الغذاء ليصبح وفيراً، قال: "لا بد من أنها موجودة في مكان ما في الغرب لأنهم يقولون إن قومنا لا يموتون حقاً. سأذهب وسأبحث عنها، فلعلي أجدها وأعيدها". في صباح أحد الأيام، انطلق في رحلته الغريبة للبحث عنها. ورحل أياماً عديدة صوب الغرب في اتجاه المياه العظيمة، يصطاد الحيوانات ليأكلها في طريقه، وينام في الليل تحت النجوم. والتقى عدداً من الغرباء، لكنّه لم يخبرهم عن هدف رحلته، ووصل أخيراً إلى شاطئ المياه العظيمة، وجلس وراح ينظر إلى الغروب متسائلاً ماذا يفعل بعد ذلك. في المساء جاء عجوز، وسأله: "ماذا تفعل هنا؟". فأجاب الفتى: "أبحث عن أختي التي مرضت منذ فترة من الزمن وماتت، فأصبحت وحيداً من دونها، وأريد أن أجدها وأعيدها معي". فقال الرجل: "لقد مرّت التي تبحث عنها من هذا الطريق منذ فترة من الزمن، وإذا أردت أن تجدها فيجب عليك أن تقوم برحلة خطيرة". أجاب الفتى أنه سيكون سعيداً لمواجهة أي خطر لكي يعثر على أخته، فقال الشيخ: "سأساعدك. لقد ذهبت أختك إلى أرض الظلال البعيدة في بلد الصمت الذي يقبع بعيداً في جزيرة بليست. لكي تصل إلى الجزيرة، يجب أن تبحر بعيداً نحو الغرب، لكنني أحذّرك بأنّها رحلة محفوفة بالأخطار، لأن عبورها صعب للغاية وستلقي العواصف بمركبك، لكنّك ستكافأ على الصعاب التي ستواجهها، لأنه لا يوجد أحد في تلك الأرض جائع أو متعب، ولا يوجد هناك موت ولا حزن، ولا توجد هناك دموع، ويظل الجميع شباباً".

ثمّ قدم الشيخ للفتى غليوناً كبيراً وقليلاً من التبغ، وقال له: "ستساعدك هذه على قضاء حاجتك"، وأخذه إلى مكان فيه زورق صغير على الشاطئ. كان الزورق رائعاً، أجمل قارب رآه الفتى في حياته، فقد نُحت من قطعة حجر واحدة بيضاء، وراح يتلألأ في الغسق الأحمر مثل جوهرة مصقولة، وقال له الشيخ: "سيصمد هذا الزورق أمام جميع العواصف، لكن احرص على أن تديره  بعناية، وعندما تعود، احرص على أن تبقيه في الخليج الصغير حيث وجدته".

بعد فترة وجيزة، انطلق الفتى في رحلته. كان القمر بدراً والليلة باردة مليئة بالنجوم. وأبحر إلى الغرب في بحر عاصف متلاطم الأمواج، لكنّه لم يتعرض لأيّ خطر لأن زورقه أبحر بسهولة فوق الماء، ثم رأى حوله في ضوء القمر قوارب عديدة أخرى تبحر في الاتجاه نفسه، جميعها بيضاء ومتلألئة مثل قاربه، وبدا أنه ليس هناك من يوجّهها، فمع أنه أمعن النظر فيها، فلم يتبين وجود أحد فيها، وتساءل إن كانت الزوارق تبحر وحدها ولا يوجد فيها أحد يوجهها، لأنه عندما نادى لم يأته أيّ ردّ منها. وكان بين الحين والآخر يرى زورقاً ينقلب في البحر فتغمره الأمواج ولا يعود يُرى ثانية، وغالباً ما كان يخيّل للفتى أنه يسمع صرخة حزينة. أبحر أياماً عديدة نحو الغرب، وكانت هناك طوال الوقت زوارق أخرى غير بعيدة عن زورقه، وكان بعضها يختفي عن نظره تحت أمواج الماء، لكنه لم ير فيها أي كائن.

أخيراً، وبعد رحلة طويلة، هدأت أمواج البحر وأصبح الهواء رقيقاً دافئاً، ولم يعد ثمة أثر لأيّ عاصفة، وأضحت السماء صافية كالبلور، ورأى أنه أصبح قريباً من جزيرة بليست التي حدّثه عنها الشيخ، لأنه بدأ يرى سهلاً منبسطاً ارتفع فوق المحيط، تكسوه الأعشاب والأشجار الخضراء، وشاطئاً أبيض كالثلج. وسرعان ما وصل إلى الشاطئ، وسحب زورقه. وعندما التفت رأى هيكلاً عظمياً مستلقياً فوق الرمل، فتوقّف وألقى نظرة عليه، وعندما بدأ ينظر إليه، انتصب الهيكل العظمي في جلسته، وقال بدهشة كبيرة: "ليس من المفترض أن تكون هنا. لماذا أتيت؟". فقال الفتى: "أبحث عن أختي التي مرضت في مطلع الربيع وماتت، وأنا ذاهب إلى أرض الظلال في بلد الصمت لأبحث عنها"، فقال الهيكل العظمي: "يجب أن تذهب بعيداً داخل اليابسة، والطريق وعرة ويصعب عليك أن تعثر عليها". طلب الفتى أن يرشده فقال الهيكل العظمي: "دعني أدخّن وسأساعدك"، فأعطاه الفتى الغليون والتبغ الذي أعطاه إياهما الشيخ، وضحك عندما رأى الغليون بين أسنان رفيقه الغريب. دخّن الهيكل العظمي قليلاً، وعندما صعد الدخان من غليونه، تحوّل سرباً من الطيور البيضاء الصغيرة راحت تطير مثل الحمام. نظر الفتى متعجباً، وقال الهيكل العظمي: "هذه الطيور سترشدك إلى الطريق. هيا اتبعها"، ثمّ أعاد اليه الغليون وعاد وتمدد على الرمل، ولم يستطع الفتى أن يوقظه من سباته.

تبع الفتى الطيور البيضاء الصغيرة كما طُلب منه، ومضى يسير في أرض الجمال العظيم حيث تتفتح الأزهار، وحيث يغرّد عدد لا يحصى من الطيور، ولم يصادف أحداً في الطريق. كان المكان مهجوراً إلا من الطيور التي تغرد والأزهار المتفتحة. مرّ عبر بلد الصمت، ووصل إلى أرض غامضة لا يقيم فيها أحد، ولكن مع أنه لم ير أحداً، فقد تناهت إليه أصوات عديدة لم يعرف مصدرها، بدت أنها تحيط به من جميع الجهات. وتوقّفت الطيور أخيراً عند مدخل حديقة كبيرة، وراحت تحوم حول رأسه، ولم تكن تطير بعيداً عنه، ثم حطّت فوق شجرة قريبة، ما عدا طير واحد جثم فوق كتف الفتى، وعرف الفتى أنه وصل أخيراً إلى أرض الظلال. وعندما دخل الحديقة، سمع أصواتاً منخفضة عدة، لكنه لم ير أحداً، ولم ير إلا ظلالاً من الناس ترقد فوق العشب، ولم يتمكن من رؤية ماذا ينبعث من الظلال. دُهش كثيراً لهذا المشهد الغريب وغير المعتاد، لأن ضياء الشمس لا يُحدث أيّ ظل في ذلك الوقت من السنة في بلده، وراح ينصت ثانية الى الأصوات، وعرف أن الظلال تتكلّم. أخذ يطوف متعجّباً كثيراً من هذا المكان الغريب بجماله غير الدنيوي الآسر، وسمع أخيراً صوتاً عرف أنه صوت أخته. كان صوتاً ناعماً رقيقاً وعذباً، لم يتغير عما كان يعرفه عندما كانا معاً على الأرض. توّجه إلى الظلّ الذي انبعث منه الصوت، وارتمى على العشب بجانبه، وقال: "إني أبحث عنك منذ مدة طويلة يا أختي. لقد جئت لكي آخذك إلى البيت. دعيني أراك كما كنت أراك عندما كنا نقيم معاً"، لكن أخته قالت: "لقد تصرفت بحكمة لأنك أبقيتني في ذاكرتك، ولرغبتك في أن تبحث عني. لكننا هنا لا نستطيع أن نظهر لأناس الأرض إلا كظلال، ولا أستطيع أن أعود معك، لأن الأوان قد فات كثيراً، فقد أكلت من طعام هذه الأرض، ولو كنت قد أتيت قبل أن أتناول طعامها، لعلك استطعت أن تأخذني معك. من يعرف؟ لكن قلبي وصوتي لم يتغيرا، ولا أزال أتذكّر الذين أحبّهم، وبحبّ لا يتبدل لا أزال أراقب بيتي القديم؛ ومع أنني لا أستطيع الذهاب معك، يمكنك أن تأتي إليّ ذات يوم، لكن يجب أن تنهي أولاً عملك على الأرض. عد إلى وطنك في بلاد الأرض، وستصبح زعيماً عظيماً في قومك. احكم الناس بالعدل وبالحكمة، ووزِّع الطعام الذي لديك مجاناً على الفقراء الهنود الذين لا يملكون بقدر ما تملك. وعندما ينتهي عملك على الأرض، ستأتي عندي إلى أرض الظلال القابعة وراء بلد الصمت، وسنصبح معاً ثانية، ولن يغادرنا شبابنا وقوتنا وجمالنا إلى الأبد".

دُهش الفتى كثيرا في حزن عميق، وقال: "دعيني أمكث معك الآن"، لكن أخته قالت: "هذا غير ممكن"، ثم قالت: "سأعطيك ظلاً يجب أن تحتفظ به بمثابة الروح الحارسة، وما دام معك، لا يمكنه أن يصيبك بأذى، لأنه لن يكون حاضراً إلا في الضوء، وحيثما يوجد ضوء لا يمكن أن يكون هناك شرّ، لكنه عندما يختفي يجب أن تكون حذراً وأن تحرص على ألا ترتكب أعمال الشرّ، لأنه سيكون هناك ظلام، وقد يقودك الظلام إلى الخطأ".

هكذا أخذ الفتى الظلّ، وبدأ رحلة العودة إلى بلده. وأرشدته الطيور الصغيرة البيضاء التي كانت تنتظره على الأشجار إلى الشاطئ. كان زورقه لا يزال هناك، لكن الهيكل العظمي لم يعد له أثر على الرمل، وكانت جزيرة بليست صامتة باستثناء صوت تغريد الطيور، وخرير الجداول الصغيرة. ركب الفتى زورقه وأبحر شرقاً، وما إن ابتعد عن الشاطئ، حتى تركته الطيور الصغيرة البيضاء وتلاشت في الهواء. كان البحر هادئاً ولم تهبّ أيّ عاصفة، كما حدث في رحلته السابقة. سرعان ما وصل إلى الشاطئ على الجانب الآخر، وترك زورقه في الخليج الصغير كما أخبره العجوز، وبعد بضعة أيام عاد إلى بيته، لا يزال حاملاً الظلّ معه من بلد الصمت.

عمل بجدّ لسنوات عديدة، لكنّه لم يرتكب شرّاً، وفي النهاية، أصبح زعيماً عظيماً وأحسن كثيراً الى شعبه، وحكم بالحكمة والعدل، وعامل شعبه برقة ولين كما طلبت منه أخته. في أحد الأيام، عندما أصبح عجوزاً وانتهى عمله، اختفى، وعرف قومه أنه ذهب ليلحق بأخته في أرض الظلال في بلد الصمت البعيدة في مكان ما في الغرب، لكنه ترك الظلّ الذي أعطته إياه أخته. وعندما يكون هناك ضوء يبقى مع الهنود ظلّهم فلا يصيبهم أذى، لأنه حيثما يكون الضوء، لا يمكن أن يكون هناك شرّ.

في أواخر الخريف، يبقى ظلا الأخّ والأخت الهنديين في بلد الصمت وحيدين كما في حياتهما السابقة، ويتذكران أصدقاءهما الأحياء وأماكن شبابهما، ويتمنّيان مرة أخرى أن يخرجا إلى الصيد، لأنهما يعرفان أن قمر الصيد مضيء، وحين تلوح في ذاكرتهما حياتهما السابقة، يُسمح لروحيهما بأن تعودا إلى الأرض لتمضية فصل قصير بعيداً من أرض الظلال، وعندها تسكن الرياح، وتعود الأيام ساكنة هادئة، ويظهر دخان نار مخيمهم مثل ضباب رقيق في الهواء. ويطلق الناس على هذا الفصل اسم الصيف الهندي، لكنّه ليس إلا ظلّ الصيف الذهبي الذي ولّى. ويذكر الهنود دائماً أنه في أرض الظلال، بعيداً في بلد الصمت في الغرب، لا يوجد هناك أموات ¶

 

—————————————————–

 

الشيروكي: كيف نشأ العالم؟ / ترجمة فادي الطفيلي

الأرض جزيرة عظيمة تطفو على بحر من المياه، وتتعلق بعقد السماء الذي من صخر صلب بحبال تتدلى من كل واحدة من نقاطه الأربع الرئيسية. عندما يهرم العالم ويبلى، سيموت الناس وتنقطع الحبال تاركة الأرض للمحيط تغرق فيه، وسيعمّ الماء مرة أخرى. وهذا ما يخشاه الهنود على الدوام.

حين كان الماء يملأ الأرض، كانت الحيوانات فوق في غالونلاتي، خلف القنطرة. إلا أن الازدحام كان كبيراً، فبدأت تسعى إلى مكان إضافي. تساءلت عما تحت المياه، وأخيراً عرض دايونيسي، حفيد القندس، خنفس الماء الصغير، الذهاب للبحث عما يوجد هناك. وثب في كل اتجاه فوق سطح الماء، لكنه لم يستطع العثور على موضع يابس يستريح عليه. ثم غاص إلى الأعماق، وعاد إلى الأعلى ببعض طين ليّن أخذ يكبر ويمتد في كل اتجاه حتى صار الجزيرة التي نسمّيها الأرض. وكان أن عُلّقت السماء بعد ذلك بأربعة حبال، لكن أحداً لا يذكر من علّقها.

في البدء كانت الأرض مسطّحة بالغة اللين والرطوبة. فقلقت الحيوانات من السقوط، وأرسلت طيوراً مختلفة لترى إن كان الجفاف قد حلّ، إلا أنها لم تجد مكاناً تحطّ عليه فعادت أدراجها إلى غالونلاتي. أخيراً، بدا أن الوقت حان، فأرسلت الصقر وطلبت منه أن يذهب ويهيئ لها الأمر. ذاك كان الصقر العظيم، أبا جميع الصقور التي نراها الآن. طار في أرجاء المعمورة، ودنا من اليابسة، وكان الماء لا يزال في الأرجاء. حين بلغ بلاد الشيروكي، أدركه التعب الشديد، وأخذ جانحاه يصفقان ويرتطمان بالأرض، وصارا في كل موضع يرتطمان به يشقّان وادياً، وحين يرتفعان مرة أخرى يقوم جبل. وإذ رأت الحيوانات في الأعلى ذلك، خافت من أن يمتلئ العالم بالجبال، فنادت عليه كي يعود، لكن أرض الشيروكي ظلت محتشدة بالجبال حتى يومنا هذا.

حين جفّت الأرض ونزلت الحيوانات، كان الظلام لا يزال سائداً، فقامت الحيوانات إذ ذاك وأحضرت الشمس ووضعتها في مسار تذهب فيه كل يوم، هنا في الأعلى، عبر الجزيرة من الشرق إلى الغرب. بذاك بات الحر شديداً، وامتلك الإربيان الأحمر (جراد البحر)، تسيسكاغيلي، محاراً ملذوعاً بالأحمر القاني، مما جعل لحمه فاسداً فامتنع الشيروكي عن أكله. ورفع السحرة الشمس في الهواء شبراً آخر، غير أن الحرّ ظلّ شديداً. فرفعوها مرة أخرى، وثالثة، إلى أن باتت على ارتفاع سبعة أشبار تحت قنطرة السماء بالتمام. حينها غدت الشمس في موقعها الصحيح، فتركوها هكذا. لهذا يسمّي السحرة المكان الأعلى "غولكواجين دي غالون لاتييون"، "العلو السابع"، لأنه على علوّ سبعة أشبار فوق الأرض. في كل يوم تتقدم الشمس على طول القنطرة وتحتها، وتعود في المساء إلى الجانب الأعلى عند نقطة البداية.

ثمة عالم آخر في أسفل هذا العالم، وهو كمثل عالمنا في كل شيء – الحيوانات، النباتات والبشر – ما عدا الفصول فهي مختلفة. وليست الجداول التي تنزل من الجبال إلاّ السبل التي تقودنا إلى العالم السفلي، أما في أعلاها فهي بوّابات العبور التي ندخل منها، لكن كي يفعل المرء هذا عليه الذهاب مسرعاً إلى الماء فيتخذ واحداً من سكان العالم السفلي دليلاً. نحن نعلم أن الفصول في العالم السفلي تختلف عن فصولنا، لأن الماء في الجداول على الدوام أدفأ في الشتاء وأبرد في الصيف من الهواء المحيط.

في البدء عندما خُلقت الحيوانات والنباتات – نحن لا نعلم من خلقها – طُلب منها أن تراقب وأن تبقى صاحية لليالٍ سبع، تماماً كما يصوم الشبان اليوم ويبقون صاحين حين يصلون الى قوتهم السحرية. وقد حاولت الحيوانات فِعل هذا، وظلت كلها تقريباً صاحيةً طوال الليلة الأولى، لكن عدداً منها استسلم للنوم في الليلة الثانية، ونام آخرون في الليلة الثالثة، ومن ثم آخرون، حتى لم يبقَ من جميع الحيوانات مَن هو صاحٍ في الليلة السابعة سوى البومة والفهد وحيوان واحد أو اثنين غيرهما. لهذا أعطيت البومة القدرة على الرؤية والتجوال في الظلام، وأن تجعل من الطيور والحيوانات التي تنام في الليل طرائد لها.

أما أشجار السدر والصنوبر والغار فقد ظلت، دون غيرها من الأشجار، صاحية حتى النهاية، وقد أعطيت لها الخضرة الدائمة وأن تكون الأعظم للعلاج، وقد قيل للأشجار الأخرى: "لأنك لم تثبتي حتى النهاية فسوف تفقدين شعرك في كل شتاء".

بعد الحيوانات والنبات جاء البشر. في البدء لم يكن هناك سوى شقيق وشقيقة إلى أن رمى الشقيق أخته بسمكة وقال لها أن تتكاثر، ففعلت. في سبعة أيام ولد لها ابن، وبعدها صار في كل سبعة أيام يولد ابن آخر، وأخذ البشر يتزايدون بسرعة كبيرة حتى بات هناك خطر ألا يتسع العالم لجميع أولادها. حينئذ جُعل إنجاب المرأة لابن واحد في العام لا أكثر، وبقي الوضع على هذه الحال منذ ذلك الحين ¶

 

——————————————

الأسكيمو: نشأة الإنسان منذ زمن بعيد بعيد جداً / ترجمة نجاح سفر

أخبرنا أسلافنا الكثيرون عن نشأة الأرض والبشر، وكان ذلك منذ زمن بعيد جداً. أولئك الذين عاشوا قديماً، لم يعرفوا كيف يحفظون كلماتهم في رموز سوداء صغيرة، كما تفعلون، وكل ما كانوا يفعلونه هو سرد الحكايات. وقالوا الكثير من الأشياء، فأصبحت لدينا معرفة بتلك الأشياء التي لطالما سمعناها مذ كنا صغاراً. لا تضيّع النسوة العجائز أوقاتهنّ في رواية التفاهات، ونحن نؤمن بما يقلن. فالكبار لا يكذبون.

قبل زمن طويل جداً، إبّان تشكّل الأرض، سقطت من السماء. كل شيء سقط من السماء: التربة، والهضاب، والحجارة، وهكذا تشكلت الأرض.

وبعد تشكل الأرض، جاء البشر.

قيل إنهم خرجوا من الأرض. في البدء خرج الأطفال. برزوا من شجيرات الصفصاف، وكانت أجسادهم مغطاة بأوراق الصفصاف. ثم استلقوا بين الشجيرات الصغيرة: استلقوا وحرّكوا أرجلهم، لأنهم لم يتمكنوا حتى من الزحف. وتناولوا طعامهم من الأرض.

ثم حدث شيء في خصوص المرأة والرجل، لكن ما هو؟ لم يكن الأمر معروفاً. متى التقيا، ومتى كبرا؟ لا أعرف. كانت المرأة تخيط، وتصنع ملابس الأطفال وتتجوّل. عندها وجدت أطفالاً صغاراً، ألبستهم الملابس، وجلبتهم إلى المنزل.

في هذه الأثناء راح عدد البشر يتزايد.

ولأنهم كثروا، رغبوا في اقتناء الكلاب. خرج الرجل وهو يحمل رسناً بيده، وبدأ يدوس الأرض بقوة صارخاً: "هوك، هوك، هوك!"، عندها خرجت الكلاب مسرعة من قلب الهضاب، ونفضت نفسها بعنف لتتخلص من الرمال التي تغطيها. هكذا وجد الرجال الكلاب.

لكن بعدها بدأ الأطفال بالتوالد، وزاد عدد البشر كثيراً على الأرض. لم يكونوا يعرفون شيئا عن الموت في تلك الأيام، قبل زمن طويل جداً، وكانوا يعمّرون طويلاً. صاروا عاجزين عن المشي، وفقدوا أبصارهم، لكنهم لم يتمكنوا من الموت.

كما أنهم لم يعرفوا الشمس، فقد عاشوا في الظلام. لم يطلع عليهم نهار قطّ. كانوا يضيئون داخل بيوتهم بالمصابيح، التي يوقدونها بالماء، فالماء كان يشتعل في تلك الأزمنة.

لكن أولئك البشر الذين لم يعرفوا معنى الموت، ازدادوا كثيراً وتزاحموا في الأرض. بعدها جاء طوفان ضخم، فغرق كثير منهم، وتضاءل عدد البشر. ولا نزال نرى علامات ذلك الطوفان العظيم، على قمم الهضاب العالية، حيث توجد غالباً أصداف بلح البحر. 

بعدما بدأ عدد البشر يقلّ، تحدثت امرأتان عجوزان على النحو الآتي:

قالت إحداهما: "من الأفضل أن نعيش من دون نهار، طالما لا يوجد موت".

فردّت الأخرى: "لا، ليكن لدينا النهار والموت".

عندما تفوهت العجوز بتلك الكلمات، فكأنها تمنّت أمنية. فقد جاء النهار والموت.

قيل إنه عندما مات أول إنسان، غطّى الآخرون جسده بالحجارة. لكن الجسد عاد ثانيةً، بسبب عدم معرفته بكيفية الموت. رفع رأسه قاعداً، وحاول النهوض. لكن امرأة عجوزاً دفعته إلى الخلف، وقالت: "لدينا الكثير لنحمله معنا وزلاّجاتنا صغيرة".

فقد كانوا في طريقهم الى رحلة صيد. وأُجبر الميت على العودة إلى كومة الحجارة.

الآن، بعدما حصل البشر على النور في أرضهم، باتوا قادرين على الذهاب في رحلات، والخروج الى الصيد، ولم يعد أكلهم مقتصراً على ما تنتجه الأرض، ومع الموت جاء أيضاً الشمس والقمر والنجوم. 

حين يموت البشر، يصعدون إلى السماء حيث يتحولون نجوماً متلألئة ¶

 

—————————————

 

الهنود الحمر: فتاة النجمة / ترجمة سامر ابو هواش

كان قوم أوجيبواي عظماء يحبّهم الجنّ. وكانت أرضهم موطن الكثير من الأرواح، وما داموا يعيشون على ضفاف البحيرات الكبرى فقد كانت الغابات في تلك النواحي مليئة دائماً بالجنّ. كان بعض الجن يقيم في الطحالب أسفل بعض الأشجار. وبعضهم الآخر يختبئ تحت الفطر ونبات "الغاريقون" السام. وقد دأب بعضهم على تغيير شكله إلى فراشات برّاقة الأجنحة أو حشرات أصغر ذات أجنحة لمّاعة. وكانوا يفعلون ذلك لكي يبقوا على مقربة من الأطفال الذين يحبّونهم ويحبّون اللعب معهم لأنهم يستطيعون رؤية بعضهم بعضاً.

لكن كان هناك أيضاً أرواح شريرة في تلك الأرض. كانت تلك الأرواح تلوذ بالأرض، وتقرض جذور أجمل الأزهار وتتلفها. كما اعتادت أن تنفخ على الذرة فتفسدها، وتصيخ السمع كلما سمعت بشراً يتكلمون، وتنقل الأخبار إلى أولئك الذين يسيئهم هذا الكلام.

بسبب هؤلاء الجنّ الأشرار، لا بدّ من أن الهندي يبقى صامتاً في الغابات ولا يبوح بأسراره في المخيم حتى يتأكد من أن الأرواح نامت تحت لحاف الثلج الأبيض.

كان القوم يعتنون بالأرواح الصالحة. فيحمون الأزهار ويطأون بحذر حين يرون طحلباً أو فطراً في طريقهم. وما كانوا يزيلون الطحلب عن الأشجار، أو ينصبون الفخاخ في أشعة الشمس، لأنه عليها يهبط آلاف الجن من السماء. وحين ينتهي الصيد يجلسون على أبواب أكواخهم ويدخنون، وبينما يشاهدون الدوائر الزرقاء ترتفع وتتلاشى في عتمة المساء، يصغون إلى أصوات الجنّ والحشرات وهي تدندن وآلاف الأصوات الصغيرة التي يأتي بها الليل دائماً.

ذات ليلة بينما يصغون، رأوا ضوءاً يلمع فوق أعلى الأشجار. كانت نجمة أكثر إشعاعاً من كل النجمات الأخريات، وبدت قريبة جداً من الأرض. وحين اقتربوا من الشجرة اكتشفوا أنها عالقة بين الأغصان العالية.

اجتمع حكماء القبيلة لثلاث ليال حول النار، لكنهم لم يتوصلوا إلى قرار في شأن النجمة الرائعة. أخيراً ذهب إليهم أحد المحاربين الشبان وقال لهم إنه رأى جليّة الأمر في المنام.

في أثناء نومه رفعت ريح الغرب ستائر كوخه وسقط عليه ضوء النجمة. فإذا به يرى فتاة حسناء تقف قربه. وتبسّمت له، وبينما ينظر عاجزاً عن النطق قالت له إن منزلها هو في النجمة وإنها بعدما جالت في الأرض لا تجد أرضاً أجمل من أرض الـ أوجيبواي، ذلك أن أزهارها الملونة وطيورها الغناء وأنهارها وبحيراتها الرائعة وجبالها المكسوة بالخضرة، قد سحرتها، فلم تعد ترغب في الترحال. فإذا ما رحبوا بها، فستجعل بيتها بينهم، وطلبت منهم أن يختاروا مكاناً تستطيع الإقامة فيه.

سرّ المجلس كثيراً بذلك؛ لكنهم لم يتفقوا على أفضل مكان يمكنهم تقديمه الى الفتاة النجمة، فقرروا أن يطلبوا منها الاختيار بنفسها.

بحثت أولاً بين أزهار القفار. هناك وجدت خاتم الجنّ، حيث ترقص الأرواح الصغيرة في الليالي المقمرة. قالت لنفسها: "سأستريح هنا". لكن بينما تتأرجح إلى الأمام والوراء على سويقة زهرة جميلة، سمعت جلبة رهيبة ففرّت جزعة. جاء قطيع كبير من الثيران البرّية وكانت جلبتها عالية إلى حدّ أنها تُسمع من مسافات بعيدة. لا يمكن أي فتاة نجمة أن تختار مكاناً كهذا منزلاً لها.

بعد ذلك قصدت الوادي. فوجدته مبهجاً منعشاً حيث لامست الأعشاب الناعمة قدميها الرقيقتين، وكان يمكنها محادثة الأرواح التي تحبها، والتي تعيش في النجوم. لكن الوادي كان سحيقاً وكانت صخور الجبل الكبيرة تحجب عنها منظر قوم الأوجيبواي الذي تحبه.

كادت تصاب باليأس، حين نظرت ذات يوم إلى حافة ورقة الزهرة البرية ورأت زهرة بيضاء ذات قلب ذهبي تشع على مياه البحيرة تحتها. بينما نظرت، حرّك قاربٌ المياه وكان على متنه المحارب الذي أخبر شعبها بأمنيتها، ولامست يده القوية السمراء حافة الزهرة.

هتفت: "هذا هو منزلي"، وشبه محلّقة من سفح الجبل شقّت طريقها سريعاً إلى الزهرة وخبّأت نفسها في براعمها. هناك يمكنها مشاهدة النجوم حين تنظر من قلب الجبل؛ هناك يمكنها محادثة أرواح النجوم، التي تستحم في مياه البحيرة الصافية؛ والأفضل من كل شيء هناك تستطيع رؤية القوم الذين تحبهم والذين لا تفارق قواربهم الماء ¶

 

عن ملحق النهار الثقافي

 

 

 

==

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق