العدوى، وفقاً لابن الخطيب / سمير عطاالله

رفض العرب ما سمي “العولمة” باعتبارها ظاهرة غامضة سوف تغير في الهيكليات القائمة والانماط السائدة. وقد رفضوا الديموقراطية من قبل باعتبارها “اختراعا صهيونيا”، فيما السبب الحقيقي ان هذه “البدعة” التي بدأها افلاطون، تخفف سلطة الانظمة ونفوذ الاقطاع، وتزيد مشاركة الناس في ادارة شؤونها. لم يعد العالم مجموعة حصون وقلاع. ولا عاد ممكنا في اي مكان اقامة العزل الوقائي، الذي اخترعه اهل البندقية وسموه “الكرنتينا” خوفا من نقل الاوبئة وحمل الطاعون. كان ابن الخطيب قد حذر من آثار العدوى تنتشر من منزل الى منزل بالانتقال من ميناء موبوء الى ميناء نظيف، بوصول شخص من بلاد مصابة.

لم ينتبه العرب الى ان العولمة ليست فقط سيطرة الدولار ورغبات الكارتيلات الصناعية الاميركية. فالولايات المتحدة تخلفت في صناعة الهاتف النقال امام بلد صغير مثل فنلندا، كان يعيش على لحم الايائل. واسواقها مغرقة بالسيارات اليابانية. ودولة مثل البرازيل تصنع الطائرات. واكبر مصارف العالم لم يعد اميركيا. العولمة صارت شأنا عالميا. قبل ربع قرن كانت افغانستان بلدا جبليا بعيدا يصلح لحكايات الاطفال ومغامرات الصيادين. ثم اصبحت موقع النهاية العسكرية السوفياتية. ثم اصبحت فخ الاميركيين. ثم اصبح الملا عمر هو الذي يريد ان يفرض على العرب تفسيره للاسلام. ورؤيته للرسالة.

فجأة اصبحت افغانستان في قلب العالم العربي. وفي قلب اميركا. ومثل الفيتناميين من قبل، يملأ الافغان زوايا الشوارع والجادات في نيويورك ولوس انجلس ويرفعون اصوات الاغاني الافغانية، وقد تركوا خلفهم في قندهار ابناء عمومتهم، يقاتلون الامبريالية والكفار.

للعولمة حتميات اخرى غير التمدد الاميركي. فالشيوعية لم تبدأ بالسقوط في موسكو بل في غدانسك البولونية، ثم في قرى المجر الحدودية. شاهد المجريون الالمان يقفزون في الصيف كالعصافير فقفزوا وراءهم. وسمع عامل روماني رفيقه يهتف فهتف معه. كان ابن ختيمة يُعرّف العدوى بأنها اذا ظهرت بثور على وجه رجل ظهرت بثور على وجه اخوانه. ثم جيرانه. ثم جمع يكون.

ويحسن بنا ان نعرف ان اهتمام رجب طيب اردوغان باحداث سوريا، سببه الاول، انعكاسها على معركته الانتخابية في تركيا، اوائل حزيران. لا يمكن ان تتصاعد احداث سوريا من دون آثار في تركيا والعراق والاردن ولبنان. اليكم ما حدث في مصر: النتيجة الاولى عقد اتفاق بين “فتح” و”حماس” كان يبدو مستحيلا قبل اسابيع. كما بدأت شرارة انهيار الشيوعية في بولونيا المنسية بدأت الشرارة العربية في بلد حذفه بن علي الا عن السياح الالمان. كان الذي يأتي من بلاد العرب السكون ومنتجات الصمت زين والسكوت سلامة، والآن اليكم ماذا في بلاد العرب.

السبت الماضي ذهبت الى الدوحة لحضور حفل “تكريم” ذوي الانجازات العرب، من هيلين توماس الى سعاد الجفالي، سيدة الاعمال الخيرية، الى عالم نووي فلسطيني الى محامية اردنية شابة لا تدافع الا عن الفقراء الذين لا يملكون تكلفة المقاضاة. و”تكريم” مؤسسة من السعف الذهبية انشأها الزميل ريكاردو كرم، غايتها الاحتفاء بالمشرقين في عالم كثير الظلام.
آخر مرة كنت هنا قبل نحو 17 عاما. ولا تكفي 24 ساعة للحديث عما طرأ على قطر من تغيرات. لكنني لمحت في بهو الفندق متغيرات العالم العربي. رأيت رجلا نحيلا اشيب يجلس وحيدا ورأسه على كفّه، وعلى وجهه الصامت مزيج من الحزن واليأس. خيّل الي انني اعرفه من مكان ما. ثم ادركت انه موسى كوسا، وزير خارجية القذافي ورجل المهمات السرية في جماهيريته العظمى.
كنت قد سمعت قبل قليل نبأ مقتل سيف العرب القذافي واحفاد العقيد. وتحيرت في ما افعل: هل اسلم على الرجل الساهم معزيا؟ هل اكسر عليه وحدته؟ هل يزعجه ان الصحافة تعرفت اليه، منعزلا في بهو، بعد ثلاثين عاما من العزلة في ظل الاخ قائد الثورة وعالم اللجان؟ في النهاية اتخذت القرار الاقل مهنية: تظاهرت بأنني لم ألمح موسى كوسا.

خامرني شعور غريب بالعطف. شاهدت قبله، في مقاهي اوروبا وفنادق العالم العربي، كثيرين من ذوي القبضات السابقة وقد صاروا منفيين يتسامرون مع عزلتهم ويبعدون ذكرياتهم وصدى اصوات التعذيب. تعرفت الى ادريس البصري في الدار البيضاء يوم كان اسمه يثير في المدينة الرعب والكره. ثم رأيته بعد اقالته، وحيدا، يشتري الصحف عن الرصيف. ايضا تحيرت. هل اسلم على رجل رفضت الجامعة قبوله استاذا بسبب ماضيه العسفي والمرير؟ انقذني هو من حيرتي. سلم ومضى، ولم يعد يسمع لمشيته وقع الحذاء اللماع. صار البصري ثقيلا على المغرب حتى كمواطن عادي، فحمل نفسه بعد قليل وانتقل الى باريس، المنفى الذي اعده من قبيل الاحتياط. بعد سنوات سوف يخبرني محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب واحد وجوهه الثقافية الباهرة، ان ادريس البصري لم يكن يراقب خصوم الحسن الثاني بقدر ما كان يراقب ابناءه ومساعديه. وكان يحاول ان يحرض الاقربين بعضهم على البعض. ولما وصل محمد السادس الى الحكم، كان قد اتخذ قراره سلفا: لا محمد اوفقير ولا ادريس البصري بعد الآن. دعوا الناس تتنفس هواء ارز إفران.
ثمة ما هو اقسى من فظاظة السطوة والعجرفة: فظاظة السقوط وثمة بديل جميل من كل ذلك، قد يصبح مألوفا في العالم العربي، هو التقاعد. يأتي يوم على البشر، جميع البشر، تتدخل فيه حتميات العمر وقدريات المراحل. قبل فترة شاهدت جاك شيراك في “الباليت”، السان جيرمان، معه عصاه وصديق في مثل سنه. بعد 50 عاما من العمل السياسي، تقاعد في بلده. قبله فرنسوا ميتيران، كان يتمشى على ضفاف السين. قبله جيسكار – ديستان، كان يتمشى في غابة بولونيا. قبله ديغول، جلس مع هالته في “البواسري”. كانت الناس تشاهد البارونة تاتشر، تتأمل واجهات نيو بوند ستريت. او جون مايجر. او نيل كينوك. في دول القانون، يتقاعد الناس في بلداتهم. او “كل الى حديقته” كما قال فولتير، معلنا الانتقال من مرحلة التعب من العمل الى مرحلة التعب من المال.
لم يبلغ احد معمر القذافي حلول زمن العولمة. لذلك وقف يقول الاسبوع الماضي انه مقدس عند الليبيين اكثر من الامبراطور عند اليابانيين. لم يبلغه احد ان الامبراطور لم يعد مقدسا منذ ان دخل عليه دوغلاس ماك آرثر واخبره ان المهزوم لا يمكن ان يكون اله الشمس. ما زال القذافي يرفض التصديق اننا في العام 2011 لا في العام 1969، عام قعوده الى الكرسي ووصول نيل ارمسترونغ الى القمر. لم يقرأ في صحيفة “الجماهيرية” المزينة دوما بنفحات “الكتاب الاخضر” ان نصف قرن كاملا مر على دوران يوري غاغارين حول الارض، وان “الكونكورد”، التي بدأت العمل مع وصوله الميمون، احيلت على التقاعد منذ 10 سنين.

من الخطأ ان ندخل عصر العولمة من التلفزيون، كما دخلناه من قبل من الترانزيستور. هذا عصر له بابان فقط: العلم والحرية، او الحرية والعلم. ابدع السوفيات في العلم ولم يدركوا ان لا حياة من دون حرية. وعندما جاء دونغ شياو بنغ خلفا لماو، لم يضع كتابا احمر من الاشعار والاراجيز، بل قال ما علمه اياه المثل القروي القديم: لا يهم ان كانت القطط سوداء او بيضاء، ما دامت تطارد الفئران. ومنذ ان نقل الصين من زمن الرجل الواحد والحزب الواحد (ابقى الطفل الواحد) تحولت من مجموعة كولخوزات وخطب الى ما قد يصبح اعظم نهضة في التاريخ.

عندما وصلنا الى لندن العام 1978، كانت غارقة في اضرابات العمال، والقمامة تملأ الشوارع، والناس تتجنب ركوب “البريتيش آروايز” واضراباتها. وبعد قليل جاءت مارغريت تاتشر، وقالت من لا ينتج لا يأكل، ومن يعمل يعط ويزد، وقالت لزعيم النقابات، كفى تهريج واستغلال للسذج. والا لبقي العالم يسير وبريطانيا متوقفة مع المستر سكار غيل في عصر النق والنقار.

هل كانت للعولمة صورة اكثر شمولية وحدة من اسامة بن لادن؟ من افغانستان الى الشيشان. من نيويورك الى تنزانيا؟ كان يحلم بقتله جورج بوش الذي وضع 25 مليون دولار ثمنا لرأسه “حيا او ميتا”. ولكن بعد عقد من ضرب نيويورك و”البنتاغون”، ها هو باراك حسين اوباما يعلن انه اصدر الامر بقتله. وبذلك يحسم امر تجديد الولاية ويترك ابواب العولمة الدموية مفتوحة.

عن جريدة النهار 4/5/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق